
تاني يوم الصبح، صحيت على صوت حماتي وهي بتتكلم في التليفون بصوت عالي، وكأنها صاحبة البيت فعلًا.
كنت نازلة من الدور التالت، وسمعتها بتقول لداليا:
«أنا خلاص رتبت كل حاجة، أحمد مش هيقدر يعترض قدام العيلة كلها. هو طول عمره بيسمع كلامي، وفي الآخر هيوافق».
داليا ضحكت وقالت:
«أنا بس نفسي نخلص موضوع الملكية بسرعة، علشان أبدأ أفرش الدور التاني على مزاجي».
حماتي ردت بثقة:
«متقلقيش، الدور ده هيبقى من نصيب كريم، وأنا هتكلم مع أحمد النهارده وأخليه يمضي على الورق».
وقفت مكاني للحظات.
يعني هما مش بس قرروا يعيشوا في بيتنا، دول كمان بيخططوا ياخدوا ملكيته!
دخلت المطبخ، ولقيت أحمد قاعد بيشرب قهوته بهدوء، وكأنه مش سامع أي حاجة.
قربت منه وقلت بصوت منخفض:
«أحمد، إنت متأكد إنك عارف إنت هتعمل إيه؟ أنا مش عايزة أخسرك بسبب المشكلة دي، بس كمان مش هقدر أعيش بالشكل ده».
مسك إيدي وقال:
«اطمني يا نهى، أنا ساكت من إمبارح مش علشان ضعيف، لكن علشان عايز كل واحد يقول اللي جواه قدام الناس. النهارده محدش هيقدر يغير الحقيقة».
قبل ما أسأله عن قصده، رن تليفونه.
كان بيتكلم مع شخص اسمه الأستاذ سامح.
قال له:
«أيوه يا أستاذ سامح، كل حاجة جاهزة. من فضلك هات أصل المستندات معاك، ومتنساش الصورة الرسمية من عقد الملكية».
قفل التليفون وبصلي.
«النهارده هتعرفي ليه كنت ساكت».
بعد الضهر، بدأت العيلة توصل واحدة ورا التانية.
عم أحمد الكبير، وخالته، واثنين من أعمامه، وابن عمه، وحتى بعض الأقارب اللي حماتي أصرت تعزمهم بنفسها.
كانت فاكرة إن وجود عدد كبير من الناس هيخلي أحمد يكسف يعترض على طلباتها.
أما هي، فكانت قاعدة في الصالة على الكنبة الجديدة، بتتكلم بثقة وكأنها بتستقبل ضيوفها في بيتها.
أول ما شافتني قالت:
«يا نهى، اعملي الشاي والقهوة للضيوف، وخلي بالك، النهارده يوم مهم، ومش عايزين أي تصرفات تضايق حد».
ما رديتش.
دخلت المطبخ وبدأت أجهز الضيافة، بينما أحمد كان بيستقبل الضيوف بنفسه.
وبعد شوية، حماتي بدأت تفتح موضوع تقسيم البيت.
قالت بصوت مسموع:
«إحنا اتجمعنا النهارده علشان نتفق على نظام البيت الجديد. أنا شايفة إن الدور الأرضي ليا أنا ووالد أحمد، والدور التاني لكريم ومراته، وأحمد ونهى يعيشوا فوق. كده كل واحد يبقى مرتاح».
واحد من أعمام أحمد بصله وقال:
«هو الكلام ده متفق عليه بينكم؟»
حماتي ردت بسرعة:
«طبعًا، إحنا اتكلمنا، وأحمد ابني الكبير، ومش هيعترض على كلام أمه».
أحمد ابتسم ابتسامة هادية وقال:
«أنا فعلًا الابن الكبير، لكن ده مش معناه إن أي حد يقدر يقرر مكاني».
وشه حماتي اتغير.
قالت:
«يعني إيه الكلام ده؟»
أحمد قام من مكانه ودخل المكتب، وبعد أقل من دقيقة رجع وفي إيده ملف بني كبير.
حطه على الترابيزة قدام الجميع.
وقال:
«قبل ما نتكلم عن تقسيم الأدوار، فيه حاجة لازم الكل يعرفها».
فتح الملف وطلع منه مجموعة أوراق.
«ده عقد ملكية البيت، ودي شهادة التسجيل، ودي المستندات اللي بتوضح مصدر الفلوس اللي اتبنى بيها البيت».
حماتي مدت إيدها بسرعة وقالت:
«هات أشوف الورق».
أحمد سحب الملف ناحيته وقال:
«استني يا ماما، خليني أخلص كلامي الأول».
وبعدين بص لكل الموجودين.
«البيت ده أنا ونهى تعبنا فيه ست سنين. كل جنيه اتصرف فيه كان من شغلنا وتعبنا، ولما حصلت أزمة في البناء، أهل نهى ساعدونا بمبلغ كبير علشان نقدر نكمل».
بصيت لأهلي اللي كانوا قاعدين في آخر الصالة، وشوفت التأثر في عينيهم.
أحمد كمل:
«أما بالنسبة لوالدي ووالدتي وكريم، فهما ما دفعوش أي مبلغ في البيت، وده مش عيب ولا عتاب، لكن العيب إن حد ييجي يفرض نفسه على ملك غيره».
كريم اتحرك في مكانه وقال بعصبية:
«إنت بتتكلم عن أهلك يا أحمد!»
أحمد بصله مباشرة وقال:
«وعارف كويس أنا بتكلم عن مين. أنا مش بنكر إنكم أهلي، لكن القرابة مش معناها إنكم تملكوا حقي».
حماتي بدأت تعلي صوتها:
«يعني إنت هتطرد أمك وأبوك من بيتك؟ بعد كل اللي عملناه علشانك؟»
أحمد رد بهدوء:
«أنا ما طردتش حد، لكن أنا كمان مش هسمح لحد يطرد مراتي من بيتها أو يقرر يعيش فيها من غير موافقتنا».
ثم فتح صفحة من العقد وحط صباعه على الاسم الموجود فيها.
وقال:
«والأهم من كل ده، إن الدور الأرضي مش معمول علشان أي حد يختاره لنفسه».
حماتي ابتسمت وقالت:
«أهو ده الكلام، إحنا كبار ومن حقنا الدور الأرضي».
أحمد رفع عينه وبص لها.
وقال الجملة اللي خلت كل الموجودين يسكتوا:
«الدور الأرضي أنا ونهى قررنا إنه يكون من حق الشخصين اللي ضحوا بمدخرات عمرهم علشان يساعدونا نبني البيت».
وبص ناحية أهلي.
«بابا وماما نهى هما اللي هيعيشوا في الدور الأرضي، لأنهم ساعدونا وقت ما كنا محتاجين، ولأننا نفسنا نرد لهم جزء بسيط من تعبهم معانا».
اتسعت عينا حماتي، ووقع فنجان القهوة من إيدها على الطبق.
أما داليا فبصت لكريم، وكأنها مش مصدقة اللي سمعته.
لكن أحمد لسه ما خلصش كلامه…
لأن المفاجأة الأكبر كانت في الورقة اللي هيطلعها بعد شوية، واللي هتثبت إن الدور التاني والثالث ليهم أصحاب محددين، وإن مفيش حد من العيلة يقدر يفرض نفسه عليهم!
ساد الصمت في الصالة، وكل العيون كانت متعلقة بأحمد.
حماتي كانت مش قادرة تستوعب اللي سمعته، وبعد لحظات قامت من مكانها وقالت بصوت مرتفع:
«إنت بتقول إيه يا أحمد؟! يعني إنت هتدخل أهل مراتك يعيشوا في الدور الأرضي، وتسيب أبوك وأمك؟ إحنا أولى بيك من أي حد!»
أحمد رد بهدوء:
«أنا ما قلتش إنكم مش أهلي، لكن فيه فرق بين إني أبرّكم وأحترمكم، وبين إنكم تفرضوا نفسكم على بيتي وتقرروا مصير مراتي معايا».
كريم دخل في الكلام وقال بعصبية:
«وأنا ذنبي إيه؟ إنت عارف إني متجوز وعندي مسؤوليات، وكنت فاكر إنك هتقف جنبي زي كل مرة».
أحمد بصله وقال:
«أنا وقفت جنبك كتير يا كريم، أكتر مما تتخيل. ساعدتك في تجهيز شقتك، وسددت عنك ديون، ودفعت مصاريف عربيتك لما اتعطلت. لكن واضح إن كل ده خلاك تفتكر إن من حقك تاخد بيتي كمان».
كريم اتوتر وقال:
«إنت بتعايرني بالمساعدة؟»
«لأ، أنا بفكرك إن الأخوة مش معناها إن واحد يتعب والتاني يستفيد طول عمره».
داليا تدخلت وهي بتحاول تحافظ على هدوئها:
«بس إحنا نقلنا عفشنا خلاص، ومش معقول نرجع كل حاجة تاني. إحنا اعتبرنا إن الموضوع انتهى».
أحمد رد عليها:
«مين قالك إن الموضوع انتهى؟ إنتوا نقلتوا حاجتكم من غير إذننا، وده مش معناه إن البيت بقى ملككم».
حماتي قربت منه وقالت:
«أنا أمك، ومن حقي أعيش معاك، ومحدش يقدر يمنعني».
أحمد تنهد، وبعدها أشار للملف الموجود على الترابيزة.
«محدش بيمنعك تزوريني يا ماما، لكن الإقامة الدائمة حاجة تانية، ودي لازم تكون باتفاق بين أصحاب البيت».
ثم سحب ورقة تانية من الملف.
وقال:
«والآن خلوني أوضح لكم موضوع الأدوار التلاتة».
فتح الورقة قدام الجميع.
«الدور الأرضي مجهز علشان يعيش فيه والد نهى ووالدتها، والدور التاني هيكون لينا أنا ونهى، أما الدور التالت فمخصص للضيوف، وممكن في المستقبل نستخدمه حسب احتياجاتنا».




