
الجزء الثاني والاخير
وقفت قدامهم وأنا ببص لنادية من غير ما أنطق بكلمة واحدة.
كانت واقفة مكانها، وشها شاحب، وإيديها بتترعش، وكأنها مش قادرة تستوعب إن الراجل اللي كانت بتتكلم عنه طول الوقت باعتباره بعيد ومشغول، واقف قدامها دلوقتي.
واحد من الضيوف همس للي جنبه:
«هو مش ده أدهم السويفي؟ مش المفروض إنه في لندن؟»
لكن أنا ما اهتمتش بكلامهم.
كل اللي كان شاغلني بنتي ملك، وابني يوسف.
جريت ملك ناحيتي ورمت نفسها في حضني، وفضلت ماسكة في قميصي بقوة كأنها خايفة أختفي تاني.
أما يوسف، ففضل واقف مكانه، حاضن الأرنب البني، وباصص لي بتردد.
نزلت على ركبتي وفتحت دراعاتي ناحيته.
«تعالى يا حبيبي… بابا هنا».
يوسف اتحرك خطوة، وبعدها وقف.
وسألني بصوت صغير كسر قلبي:
«إنت مش هتمشي تاني وتسيبنا مع طنط نادية؟»
حسيت إن حاجة وجعتني في صدري.
طفل عنده تلات سنين بيسأل أبوه إذا كان هيسيبُه تاني مع واحدة بتقلقه!
بصيت لنادية وقلت بصوت هادي لكنه مليان غضب:
«إنتِ عملتي إيه في ولادي؟»
حاولت تضحك وتستعيد هدوءها.
«أدهم، حبيبي، إنت فاهم الموضوع غلط. الأطفال كانوا بيلعبوا، ويوسف وقع العصير، وأنا بس كنت بحاول أعلمهم النظام».
قاطعتها:
«النظام؟ هو التعامل بقسوة مع الأطفال بقى اسمه نظام؟ وإجبار بنتي تعتذر كل ما تعيط اسمه تربية؟»
قالت بسرعة:
«إنت مشوفتش اللي حصل قبل كده. ملك بقت عنيدة جدًا، ويوسف مدلّع، وأنا كنت بحاول أساعدك».
بصيت لغريس، اللي كانت لسه واقفة وخدها متغير من الموقف.
وسألتها:
«إنتِ قلتي إنك بتنامي قدام أوضتهم بقالك ست ليالي. عايز أفهم ليه».
غريس بصت لنادية الأول، وبعدها رجعت بصت لي.
وقالت:
«لأن الأطفال كانوا بيصحوا بالليل من القلق. أكتر من مرة سمعت ملك بتعيط وهي بتطلب من أخوها يسكت علشان طنط نادية ما تسمعهمش».
سكتت لحظة، وبعدها كملت:
«وفي ليلة، سمعت يوسف بيقول لأخته إنه عايز يرجع لماما، وإنه مش عايز يفضل في البيت ده».
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
سألتها:
«وإنتِ ليه ما بلغتيش حد؟»
ردت وهي بتحاول تمنع دموعها:
«بلغت المشرفة القديمة، لكنها قالت لي إن نادية هانم صاحبة البيت دلوقتي، وإن الأفضل ليا ما أتدخلش في شؤون العيلة. ولما حاولت أتكلم مع نادية، ضغطت عليّ بالطرد».
نادية انفجرت في الكلام:
«كفاية كلام غير صحيح! الست دي بتحاول توقع بيني وبينك علشان عايزة فلوس!»
رفعت إيدي وطلبت منها تسكت.
وبعدين قلت:
«أنا رجعت من لندن من 11 يوم، وكنت متخفي علشان أشوف بعيني إيه اللي بيحصل في البيت. وكل يوم كنت بشوف حاجة أسوأ من اللي قبلها».
اتغيرت ملامح نادية.
لأول مرة فهمت إن الموضوع مش مجرد سوء تفاهم.
أنا كنت عارف كل حاجة.
طلعت تليفوني وفتحته، وشغلت تسجيل صوتي.
كان صوت نادية واضح جدًا وهي بتقول:
«لما أدهم يرجع، لازم يكون الولاد اتعودوا يسمعوا كلامي. مش عايزة أشوف صور أمهم في أوضهم، ولا أسمع اسمها على لسانهم. هما لازم يفهموا إن أنا اللي موجودة دلوقتي».
وبعدها صوت تاني ليها وهي بتقول:
«لو حد فيهم اشتكى لأبوه، هقوله إنهم بيكدبوا علشان يلفتوا نظره».
الضيوف بدأوا يبصوا لبعض بصدمة.
نادية حاولت تقرب مني وتاخد التليفون.
«أدهم، اسمعني الأول. التسجيلات دي متاخدة من غير سياق، وأنا أقدر أشرح كل حاجة».
رجعت خطوة لورا وقلت:
«مش محتاج أسمع أي تفسير. عندي تسجيلات تانية، وشهادات، وتقارير من الناس اللي كانوا بيشتغلوا هنا».
وبعدين بصيت للمحامي بتاعي، اللي كان واقف بعيد وسط الضيوف.
أشرت له يقترب.
قال بهدوء:
«كل الأدلة اتوثقت، وتم اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية الأطفال، ومش هنسمح لأي حد يضغط عليهم أو يقرب منهم».
نادية بدأت تفقد أعصابها.
قالت بصوت مرتفع:
«إنت مش هتقدر تعمل فيا حاجة! أنا خطيبتك، وكنت هبقى أم ولادك!»
بصيت لها وقلت:
«الأم مش مجرد لقب يا نادية. الأم أمان ورحمة وحنان. وإنتِ كنتِ مصدر قلق لطفلين مالهمش ذنب».
وبعدها حصلت حاجة ما كنتش متوقعها.
ملك سابت حضني فجأة، ومشت ناحية نادية بخطوات صغيرة.
وقفت قدامها وبصت لها في عينيها.
وقالت بصوت مرتعش:
«أنا مش عايزة أرتعب منك تاني».
نادية ما ردتش.
ملك كملت:
«ومش عايزة أرمي صورة ماما تاني علشان إنتِ بتزعلي لما أشوفها».
هنا حسيت إن قلبي اتقطع.
نزلت لمستوى بنتي وفتحت دراعاتي تاني.
رجعت لي ملك، وحضنتها بقوة.
لكن كان لسه فيه سؤال واحد بيطاردني.
ليه نادية كانت حريصة بالشكل ده إنها تبعد ولادي عن ذكريات أمهم؟
وليه كانت بتقلق من وجود صورها في البيت؟
كنت فاكر إن الموضوع مجرد غيرة من زوجة الأب المستقبلية.
لكن المحامي قرب مني، ومد إيده بملف بني، وقال بصوت منخفض:
«أستاذ أدهم، فيه حاجة تانية لازم تعرفها. الموضوع أكبر من اللي اكتشفناه لحد دلوقتي».
فتحت الملف، وأول ورقة شفتها خلتني أبص لنادية من جديد.
لأن الورقة دي كانت فيها توقيعها…
وتاريخها كان قبل ما أطلب إيديها للجواز بشهور!
وساعتها بدأت أفهم إن نادية ما دخلتش حياتي علشان تحبني وبس… دي كانت داخلة البيت وهي مخططة لحاجة من البداية.
فضلت ماسك الملف في إيدي، وبقلب الصفحات واحدة ورا التانية، وكل ورقة كانت بتكشف لي جانب جديد من شخصية الست اللي كنت فاكر إني هأتجوزها وأأمنها على ولادي.
بصيت للمحامي وقلت:
«إيه الورق ده؟ وإيه اللي نادية كانت مخططاله؟»
المحامي أخد نفس طويل وقال:
«من حوالي سنة، نادية بدأت تتواصل مع مكتب محاماة وتسأل عن الإجراءات القانونية الخاصة بالوصاية على الأطفال، وإدارة ممتلكات القُصّر لو حصل لك أي مكروه».
اتجمدت مكاني.
قلت له:
«يعني إيه؟»
رد بهدوء:
«كانت بتسأل إزاي تقدر تبقى المسؤولة عن ملك ويوسف، وإزاي تقدر تتحكم في الأموال اللي هتوصل لهم من والدتهم».
بصيت لنادية، لقيتها بتحاول تتكلم، لكن الكلمات مش خارجة منها.
قلت بغضب:
«إنتِ كنتِ بتخططي لإيه بالظبط؟»
قالت بصوت مرتفع:
«أنا كنت بسأل عن حقوقي لو اتجوزنا! كنت عايزة أضمن مستقبل الأسرة كلها».
المحامي رد عليها:
«لكن استفساراتك كانت قبل إعلان الخطوبة، وكمان طلبتي معلومات عن حسابات الأطفال وممتلكاتهم الخاصة».
هنا بدأت أفتكر حاجات كتير.
قبل ما أعرف نادية، كانت زوجتي الراحلة «سلمى» سايبة لكل طفل من ولادنا حسابًا خاصًا، ومبلغًا كبيرًا من الميراث، بالإضافة لأسهم في بعض الشركات.
كنت دايمًا بقول إن الفلوس دي ملك الأطفال، ومحدش له حق يتصرف فيها غير لما يكبرو




