
لكن نادية كانت عارفة بوجودها.
والأغرب إنها كانت عارفة تفاصيل ما كنتش حكيتها لها أبدًا.
سألت المحامي:
«إنت عرفت الكلام ده منين؟»
قال:
«المكتب القانوني اللي كانت بتتواصل معاه احتفظ بالمراسلات والمستندات، وبعد ما ظهرت تصرفاتها مع الأطفال، بدأنا نراجع كل حاجة».
نادية بدأت تعيط، لكن دموعها المرة دي ما أثرتش فيا.
قالت:
«أدهم، أرجوك، أنا بحبك. إنت عارف إني كنت عايزة أكون جزء من عيلتك».
رديت عليها:
«اللي بيحب ولادي ما يخليهمش يقلقوا منه، واللي عايز يبقى جزء من عيلتي ما يحاولش يمحي ذكرى أمهم».
وفجأة، غريس رفعت إيدها وقالت:
«فيه حاجة تانية لازم تعرفها يا فندم».
بصيت لها.
قالت:
«من أسبوعين، نادية هانم طلبت مني أنقل كل صور مدام سلمى من أوضة الأطفال وأحطها في المخزن. ولما رفضت، قالت لي إن الأطفال مش محتاجين يفتكروا أمهم، وإن وجود الصور بيخليهم متعلقين بالماضي».
ملك كانت واقفة جنبي وسمعت الكلام.
شدت في إيدي وقالت:
«بابا، هي كمان خدت علبة ماما».
نزلت لمستواها وسألتها:
«علبة إيه يا حبيبتي؟»
قالت وهي بتعيط:
«العلبة الصغيرة اللي ماما كانت حاطة فيها جواب ليا وجواب ليوسف. قالت لنا إنها هترجعهم لما نبطل نعيط عليها».
حسيت بغضب شديد.
سألت نادية:
«العلبة دي فين؟»
ردت بتوتر:
«معرفش بتتكلموا عن إيه».
لكن غريس قالت بسرعة:
«أنا شفتها وهي بتحطها في درج مكتبها».
طلبت من أحد الموظفين يجيب العلبة.
وبعد دقائق، رجع بالفعل ومعاه صندوق خشبي صغير.
كان عليه اسم سلمى محفور بخط إيدها.
أول ما ملك شافته، جريت ناحيته واحتضنته.
وقالت:
«دي بتاعة ماما!»
فتحت الصندوق بحذر.
كان جواه صورتين، وسلسلة فضية صغيرة، وجوابين متغلفين.
واحد باسم ملك، والتاني باسم يوسف.
على ظهر الجوابين كانت سلمى كاتبة:
«لما تكبروا شوية، افتحوا الرسالة دي، وافتكروا إن ماما بتحبكم مهما حصل».
ما قدرتش أمنع دموعي.
كنت فاكر إن كل اللي يخص سلمى اتأمن بعد غيابها، لكن اكتشفت إن نادية كانت بتحاول حتى تتحكم في الذكريات اللي سابتها لولادها.
في اللحظة دي، المحامي قرب مني وقال:
«إحنا لازم ننهي أي ارتباط بينك وبين نادية، ونبدأ إجراءات قانونية لحماية الأطفال ومراجعة كل التصرفات اللي حصلت».
بصيت لنادية وقلت:
«من اللحظة دي، مفيش خطوبة بينا، ومفيش أي حق ليكي تدخلي أوض ولادي أو تتواصلي معاهم».
قالت وهي بتعيط:
«إنت هتضيع كل حاجة بينا بسبب طفلين مش فاهمين حاجة؟»
الجملة دي كانت آخر حاجة محتاج أسمعها علشان أتأكد إني أخدت القرار الصح.
قلت لها:
«دول مش طفلين غرب عني. دول ولادي، وأغلى حاجة عندي في الدنيا».
وبعدها طلبت منها تغادر الفيلا، على أن تتم كل الإجراءات القانونية عن طريق المحامي.
لكن قبل ما تتحرك ناحية البوابة، وقفت فجأة وبصت لي.
وقالت بصوت منخفض:
«إنت فاكر إنك كده عرفت كل حاجة يا أدهم؟ فيه سر عن سلمى لو عرفته، مش هتعرف تنام مرتاح».
اتجمدت مكاني.
سألتها:
«تقصدِي إيه؟»
ابتسمت ابتسامة غريبة وقالت:
«اسأل المحامي عن آخر زيارة لسلمى قبل غيابها، واسأله ليه كانت بتدور على أوراق قديمة تخص عيلتك».
وبعدها خرجت.
فضلت واقف مكاني وأنا ببص للباب اللي اتقفل وراها.
كنت فاكر إن الحكاية انتهت، وإن كل اللي عليّا دلوقتي إني أعوض ولادي عن الأيام الصعبة اللي عاشوها.
لكن كلام نادية فتح باب كنت فاكر إنه اتقفل للأبد.
بصيت للمحامي وسألته:
«إنت تعرف حاجة عن اللي قالته؟»
المحامي سكت شوية، وبعدها فتح حقيبته وطلع ظرف أبيض قديم.
وقال:
«كنت مستني الوقت المناسب علشان أسلمك الظرف ده. سلمى طلبت مني ما أفتحهش غير لو ظهر أي شخص بيحاول يستغل غيابها أو يتحكم في مستقبل الأطفال».
فتحت الظرف.
وكانت أول جملة مكتوبة بخط إيد زوجتي:
«أدهم، لو الرسالة دي وصلت لك، يبقى فيه حاجة حصلت خلتني أقلق على مستقبل ولادنا، وفيه حقيقة عن عيلتك لازم تعرفها قبل فوات الأوان…»
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتح جواب سلمى، زوجتي اللي فارقت الحياة من سنتين، واللي كنت فاكر إني عارف عنها كل حاجة.
قعدت على أقرب كرسي، وبدأت أقرأ بصوت واطي:
«أدهم حبيبي…
لو إنت بتقرأ الرسالة دي، يبقى غالبًا أنا مش موجودة جنبك، وفيه حاجة حصلت خلتك تفتح الظرف ده.
أنا عارفة إنك بتحب ملك ويوسف أكتر من أي حاجة في الدنيا، وعارفة إنك مستعد تضحي بكل حاجة علشانهم.
لكن فيه سر أنا اكتشفته قبل غيابي، وكنت خايفة أقولهولك.
السر ده متعلق بعيلتك، وبشخص قريب منك جدًا، شخص إنت بتثق فيه ومش ممكن تتخيل إنه يقدر يأذيك.
من حوالي ست شهور قبل غيابي، اكتشفت إن فيه حد بيحاول يوصل لمستندات تخص ميراث الأطفال، وبيسأل عن حساباتهم البنكية وممتلكاتهم.
في البداية افتكرت إن الموضوع مجرد استفسارات عادية، لكن لما بدأت أراجع الأوراق، اكتشفت إن فيه مستندات اتغيرت من غير علمي.
حاولت أعرف مين المسؤول، لكن كل الطرق كانت بتوصل لشخص واحد من داخل العيلة.
مش هقدر أكتب اسمه هنا، لأن الرسالة ممكن تقع في إيد أي حد.
لكن هسيب لك دليل يوصلك للحقيقة.
دور في الخزنة الصغيرة الموجودة في مكتبي القديم، وخصوصًا في الدرج اللي تحت الرف الخشبي




