
الجزء الثاني والاخير
مجدي السويفي فضل واقف مكانه، وعينيه بتتنقل بيني وبين نهى وأخوها. كان واضح إن الكلام اللي قلته قلب الحفلة كلها في لحظة.
قال مجدي بصوت هادي: «إنتِ بتقولي إن حد حاول يسممني؟»
رديت وأنا بحاول أوقف رعشة إيدي: «أنا مش بقول كده من فراغ يا فندم. الختم كان سليم لما شوفته أول مرة، لكن من شوية لقيت فيه ثقب صغير، وكمان كانت فيه ريحة غريبة طالعة من الزجاجة.»
نهى ضحكت ضحكة متوترة وقالت: «إنت هتصدق كلام خدامة؟ دي بتحاول تنقذ نفسها بعد ما كسرت زجاجة تمنها ملايين!»
مجدي ما ردش عليها، لكنه بص لأخوها وقال: «إنت مالك وشك اتغير ليه يا حسام؟»
حسام حاول يبتسم وقال: «مفيش يا مجدي، أنا بس مستغرب من الكلام ده. البنت أكيد بتألف علشان تهرب من العقاب.»
مجدي قرب منه خطوة وقال: «أنا مسألتكش عن رأيك فيها. أنا سألتك وشك اتغير ليه؟»
حسام سكت.
وفي اللحظة دي، مجدي رفع إيده ونادى على رئيس الأمن.
«محدش يخرج من القصر. اقفلوا كل البوابات، واجمعوا كاميرات المراقبة بتاعة آخر 24 ساعة.»
رئيس الأمن اتحرك فورًا ونفذ الأوامر.
نهى قربت من مجدي وحطت إيدها على دراعه وقالت بصوت ناعم: «حبيبي، إنت مكبر الموضوع. دي مجرد خدامة وقعت منها زجاجة، وإحنا عندنا ضيوف مهمين. خلينا نخلص الليلة دي وبعدين نشوف الموضوع.»
مجدي بص لإيدها اللي على دراعه، وبعدها شالها بهدوء.
وقال: «ابعدي إيدك يا نهى.»
وشها اتجمد.
أما أنا فكنت لسه على ركبتي، وكتفي بينزف، لكن محدش كان مهتم بيا.
مجدي لاحظ ده، فبص لرئيس الأمن وقال: «هاتوا دكتور فورًا، ومحدش يقرب منها لحد ما أفهم الحكاية.»
بعد دقائق، دخل دكتور القصر وبدأ يفحص الجرح اللي في كتفي، وطلب مني أروح المستشفى علشان يتأكد إن الإصابة مش عميقة.
لكن قبل ما أتحرك، مجدي وقف قدامي وقال: «اسمك إيه؟»
قلت: «مريم عبد الرحمن.»
«بقالك قد إيه هنا؟»
«أربع شهور يا فندم.»
«وإزاي عرفتي إن الزجاجة فيها حاجة غلط؟»
حكيت له كل اللي حصل من أول ما شوفت الختم لحد ما شمّيت الريحة الغريبة.
كان بيسمع من غير ما يقاطعني.
وبعد ما خلصت، سألني: «ليه ما بلغتيش الأمن بدل ما تكسري الزجاجة؟»
بصيت ناحية حسام وقلت: «علشان اللي كان هيطلع الزجاجة ليك كان مستعجل، وأنا ما كنتش عارفة مين ممكن يكون متورط. خفت لو نبهت حد، الزجاجة توصل لحضرتك قبل ما أقدر أوقفه.»
مجدي فضل ساكت ثواني.
وبعدين قال: «يعني إنتِ خاطرِتي بشغلك وبنفسك علشان تمنعي حاجة تحصل لي؟»
قلت: «أنا كنت بعمل اللي ضميري بيقولي عليه يا فندم.»
في اللحظة دي، رئيس الأمن رجع ومعاه جهاز لوحي.
قال: «يا فندم، راجعنا جزء من الكاميرات.»
مجدي سأله: «ولقيتوا إيه؟»
رد رئيس الأمن: «الزجاجة خرجت من المخزن الساعة سبعة ونص، وكان مسؤول عن استلامها الأستاذ حسام.»
حسام انفعل فورًا: «طبيعي! أنا أخو العروسة، ومن حقي أتابع تجهيزات الحفلة.»
لكن رئيس الأمن كمل: «المشكلة إن فيه تسجيل تاني بيظهر إنك رجعت لمكان التجهيزات بعد ما كل العاملين مشيوا، وفضلت هناك حوالي ست دقايق.»
نهى صرخت: «ده مستحيل! أكيد فيه غلط في التسجيل!»
مجدي رفع إيده علشان يسكتها.
وقال لحسام: «عايز أفهم كنت بتعمل إيه هناك.»
حسام بدأ يتعرق، وفك زرار ياقة قميصه وقال: «كنت بدور على ملف نسيته، مش أكتر.»
مجدي سأله: «ملف إيه؟»
حسام ما عرفش يرد.
وفجأة، واحد من أفراد الأمن دخل بسرعة وقال: «يا فندم، لقينا حاجة في مكتب الأستاذ حسام.»
مجدي لف ناحيته: «إيه هي؟»
طلع فرد الأمن كيس صغير شفاف، جواه أداة معدنية دقيقة عليها آثار شمع أحمر.
وقال: «لقيناها في درج مكتبه، وفيه كمان ورقة مكتوب فيها رقم الزجاجة وموعد تقديمها.»
نهى رجعت لورا وهي حاطة إيدها على بقها.
أما حسام فصرخ: «دي مش بتاعتي! حد حطها في مكتبي!»
مجدي قرب منه، وعينيه كانت مليانة غضب مكبوت.
«إنت فاكرني غبي يا حسام؟»
حسام حاول يتكلم، لكن مجدي أشار للأمن.
«خدوه، ومحدش يسمح له يتواصل مع أي حد قبل ما الجهات المختصة تحقق معاه.»
لكن قبل ما الأمن يتحرك، حسام بص لنهى وقال جملة خلت كل اللي في القاعة يتجمدوا:
«اسألي خطيبك مين اللي كان عايز يتخلص منه قبل الجواز… واسأليها هي كانت مستفيدة بإيه!»
مجدي بص لنهى ببطء.
«إنتِ تعرفي حاجة عن الموضوع ده؟»
نهى بدأت تهز راسها وتقول: «لا يا مجدي، والله ما أعرف حاجة.»
لكن حسام ضحك وقال: «كفاية تمثيل يا نهى… إنتِ عارفة كويس إننا ما كناش هنقدر ننفذ أي حاجة من غير موافقتك!»
مجدي قرب منه خطوة وقال: «اتكلم… وإوعى تفكر إن السكوت هينقذك.»
حسام بص حواليه، وبعدها قال: «الزجاجة كانت أول خطوة بس… والموضوع أكبر من اللي إنت متخيله.»
في اللحظة دي، فهمت إن اللي حصل الليلة دي مش مجرد خلاف بين عيلتين أو محاولة سرقة.
كان فيه مخطط كامل معمول من فترة طويلة.
والأخطر إن نهى، اللي كانت المفروض تبقى زوجة مجدي بعد أسابيع، ممكن تكون جزء من المخطط ده.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت لسه مستخبية… لأن حسام طلب يتكلم مع مجدي على انفراد، وقال إن فيه اسم تالت هو اللي خطط لكل حاجة من البداية!
يتبع…
مجدي السويفي وقف قدام حسام، وعينيه ثابتة عليه، وقال بنبرة باردة:
«اسم مين الشخص التالت؟»
حسام بص لنهى، وبعدها رجع بص لمجدي وقال: «قبل ما أقولك الاسم، لازم تعرف إن كل اللي حصل ده كان متخطط له من شهور، ومش بسبب الفلوس بس.»
مجدي رد بغضب: «أنا مش فاضي للألغاز. اتكلم!»
حسام بلع ريقه وقال: «الشخص اللي خطط لكل حاجة هو… فؤاد السويفي.»
الاسم نزل على القاعة زي الصاعقة.
فؤاد السويفي كان عم مجدي، وأكبر شخص في العيلة بعد والده المتوفى. راجل معروف بالحكمة والهدوء، وكان مجدي بيثق فيه ثقة عمياء، لدرجة إنه كان بيسلمه إدارة جزء كبير من استثمارات العيلة.
مجدي رجع خطوة لورا وقال: «عمي فؤاد؟ إنت بتقول إيه؟»
حسام رد بسرعة: «أيوه. هو اللي وعدني بمبلغ كبير مقابل إني أساعده في التخلص منك، ونهى كانت عارفة إن فيه حاجة بتحصل.»
مجدي بص لنهى.
«يعني الكلام ده حقيقي؟»
نهى بدأت تعيط وقالت: «مجدي، اسمعني، أنا كنت فاكرة إن الموضوع مجرد ضغط عليك علشان تتنازل عن إدارة الشركة. عمري ما تخيلت إنهم ممكن يوصلوا للقتل!»
مجدي ضحك بسخرية من غير أي فرحة.
«يعني كنتِ عارفة إن فيه مؤامرة ضدي، وسكتي؟»
نهى حاولت تمسك إيده: «أنا كنت بحبك، وكنت خايفة أخسرك.»
سحب إيده منها وقال: «اللي بيحب حد مش بيشارك في تدمير حياته.»
في اللحظة دي، مجدي أمر رئيس الأمن يتصل بالجهات المختصة، ويبلغهم بكل اللي اتكشف، مع الحفاظ على الزجاجة وباقي الأدلة من غير ما حد يلمسها.
وبعدها طلب من الأمن يجيب تسجيلات مكتب عمه فؤاد.
لكن قبل ما حد يتحرك، موبايل حسام رن.
بص للشاشة، ووشه اصفر.
مجدي سأله: «مين؟»
حسام رد بصوت مرتعش: «عمي فؤاد.»
مجدي مد إيده وقال: «رد وحط مكبر الصوت.»
حسام عمل كده.
جاء صوت فؤاد من الناحية التانية: «خلصتوا؟ مجدي شرب الزجاجة؟»
الصمت نزل على القاعة.
مجدي قرب من الموبايل وقال: «لأ يا عمي… أنا لسه عايش.»
فضل الطرف التاني ساكت ثواني.
وبعدين فؤاد قال: «مجدي؟ إنت فين؟»
مجدي رد: «في الحفلة. ومستنيك تيجي تشرحلي بنفسك إيه اللي بيحصل.»
فؤاد حاول يستعيد هدوءه وقال: «أكيد فيه سوء تفاهم. أنا جاي حالًا.»
وقفل المكالمة.
مجدي بص لرئيس الأمن وقال: «بلغ الجهات المختصة فورًا، ومحدش يسيب المكان قبل ما كل حاجة تتسجل رسمي.»
وبعدين التفت ناحيتي.
«مريم، عايزك تفضلي هنا. شهادتك مهمة جدًا.»
قلت: «حاضر يا فندم.»
لكن فجأة حسيت بدوخة شديدة، وركبتي ما شالتنيش.
الدكتور قرب مني بسرعة وقال: «لازم نتحرك للمستشفى دلوقتي. الجرح محتاج يتعالج، وكمان واضح إنك فقدتي دم بسبب الضرب.»
مجدي قال: «خدوها المستشفى، وأنا هاجي وراكم.»
قبل ما أخرج، سمعت نهى بتصرخ: «مريم! استني!»
لفيت ناحيتها.
كانت واقفة ووشها مليان دموع، وقالت: «إنتِ السبب في كل اللي حصل! لو ما كنتيش كسرتي الزجاجة، ما كانش حد عرف حاجة!»
بصيت لها وقلت بهدوء: «أنا ما كنتش السبب في اللي حصل. أنا بس منعت الكارثة من إنها تحصل.»
ما ردتش.
خرجت من القصر، وأنا مش قادرة أصدق إن ليلة بدأت بشغل عادي انتهت بكشف مؤامرة داخل واحدة من أكبر العائلات في مصر.
بعد ساعتين في المستشفى، كان الدكتور خلص خياطة الجرح، وطلب مني الراحة والمتابعة خلال الأيام الجاية.
كنت قاعدة على السرير، لما الباب اتفتح ودخل مجدي السويفي.
كان لابس نفس البدلة، لكن ملامحه كانت مختلفة. لأول مرة شوفته من غير الغضب المعتاد في عينيه.
قرب من الكرسي وقعد.
وقال: «عاملة إيه دلوقتي؟»
قلت: «الحمد لله، أحسن.»
سكت شوية، وبعدها قال: «أنا راجعت جزء من التسجيلات بنفسي. فيه حاجة لازم تعرفيها.»
بصيت له باستغراب.
كمل: «قبل ما تكسري الزجاجة بدقايق، حد دخل مكتب الدراسة اللي فوق، وكان بيحاول يتأكد إن الزجاجة وصلت. والكاميرات سجلت وشه.»
سألته: «مين؟»
رد: «واحد من أقرب الناس ليا في الشغل. مدير مكتبي الشخصي.»
اتصدمت.
«يعني فيه حد تاني؟»
هز راسه.
«أيوه. والتحقيقات الأولية بتقول إن عمي فؤاد ما كانش بيتصرف لوحده.»
وبعدين طلع ظرف من جيبه وحطه على الترابيزة.
وقال: «ده ليكي.»
فتحته، ولقيت جواه مبلغ مالي كبير.
رجعته له فورًا وقلت: «أنا مش عايزة فلوس يا فندم.»
مجدي بص لي باستغراب.
قلت: «أنا عملت اللي كان لازم أعمله. وأي حد مكاني كان المفروض يتصرف بنفس الطريقة.»
ابتسم ابتسامة بسيطة وقال: «مش كل الناس عندها الشجاعة دي يا مريم.»
سكت لحظة، وبعدين قال: «أنا مش هسيب حقك يضيع. الضرب اللي اتعرضتي له لازم يتحاسب عليه اللي عمله.»
وقبل ما يمشي، وقف عند الباب وقال:
«وفيه حاجة تانية… أنا عايز أطلب منك طلب، بس مش عايزك تحسي إنك مجبرة توافقِي عليه.»
سألته: «إيه هو؟»
رد: «بعد ما تتعافي، عايزك تشتغلي في إدارة القصر، مش في المخزن. أنا محتاج حد أمين زيك يراجع حسابات ومشتريات المكان.»
فضلت باصة له وأنا مش مصدقة.
لكن قبل ما أرد، موبايله رن.
بص للشاشة، وملامحه اتغيرت تمامًا.
رد بسرعة: «أيوه، لقيتوا إيه؟»
سمع الطرف التاني لدقيقة كاملة، وبعدها قال:
«إنت متأكد من الاسم؟»
سكت شوية، ثم قفل المكالمة.
بص لي وقال بصوت منخفض:
«مريم… فيه مصيبة أكبر.»
سألته بقلق: «إيه اللي حصل؟»
رد:
«التحقيق كشف إن الزجاجة ما كانتش الهدف الوحيد… فيه مستندات مزورة بتثبت إن جزء كبير من أملاك العيلة اتنقل بالفعل لشخص تاني، والشخص ده اسمه موجود في أوراق الجواز اللي كنت هوقعها بعد ست أسابيع!»
حسيت إن قلبي وقف.
لأن معنى كلامه إن المؤامرة ما كانتش مجرد محاولة لإيذائه…
كان فيه حد بيخطط يسرق كل حاجة منه، ويتحكم في حياته ومستقبله بعد الجواز!
يتبع…
في صباح اليوم التالي، صحيت على صوت خبط خفيف على باب أوضتي في المستشفى.
كانت ممرضة داخلة ومعاها ظرف كبير، وقالت: «فيه حد بعتلك الظرف ده، وقال إنه مهم جدًا، ولازم توصليه للأستاذ مجدي السويفي بنفسك.»
استغربت وسألتها: «مين اللي بعته؟»
قالت: «واحد من موظفين القصر، لكنه مشي قبل ما أقدر أسأله عن اسمه.»
فتحت الظرف بحذر، ولقيت جواه صورة قديمة لمجدي مع والده، ومعاها ورقة مكتوب فيها بخط واضح:
«لو عايز تعرف مين سرق أملاك عيلتك، دور على الملف الأزرق في خزنة والدك القديمة.»
وتحت الجملة كان فيه توقيع صغير باسم: فؤاد السويفي.
حسيت إن الموضوع أكبر بكتير مما تخيلت.
اتصلت بمجدي فورًا وحكيت له اللي حصل.
وصل المستشفى بعد أقل من نص ساعة، وأول ما شاف الصورة، وشه اتغير.
قال بصوت منخفض: «دي صورة من عشرين سنة… والملف الأزرق ده أنا فاكر إني شوفته وأنا صغير.»
سألته: «كان فيه إيه؟»
رد: «والدي كان بيحتفظ فيه بأصول عقود الملكية، ومستندات الشركات، وكل حاجة تخص العيلة. وبعد وفاته، الخزنة اتقفلت، ومحدش قدر يفتحها غيري.»
مجدي طلب من المحامي الخاص بالعيلة يروح القصر، وبعد ما خرجت من المستشفى، اتجهنا سوا لمكتب والده القديم.
كانت الأوضة مقفولة من سنين، والأثاث مغطى بطبقة من التراب.




