روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

الجزء الثاني

فضلت باصة لآدم السويفي وأنا مش قادرة أستوعب كلامه.

كان ماسك إيدي، ووشه اتغير تمامًا. الراجل اللي من شوية كان بيهزر معايا وبيتقاسم معايا ساندويتش فراخ تحت الترابيزة، بقى فجأة شخص تاني خالص.

همست له وأنا بحاول أسحب إيدي:

ـ إنت بتدور عليا من زمان ليه؟ وإيه اللي إنت عارفه عني وأنا معرفوش؟

بص في عيني وقال بهدوء:

ـ مش هنا. أوعدك إني هفهمك كل حاجة، بس مش قدامهم.

وقبل ما أقدر أسأله سؤال تاني، مفرش الترابيزة اتحرك، وسمعت صوت أمي:

ـ ليلى؟!

رفعت المفرش بسرعة، ووش أمي كان خليط من الصدمة والغضب والكسوف.

ـ إنتِ بتعملي إيه هنا يا بنتي؟! أنا بدور عليكي من ساعة!

بصيت لها وقلت بتوتر:

ـ كنت… كنت بدور على حاجة وقعت مني.

آدم خرج من تحت الترابيزة بكل هدوء، وعدّل قميصه، وبص لأمه.

ـ مساء الخير يا أمي.

أمه، الست نادية السويفي، حطت إيديها على صدرها من المفاجأة.

ـ آدم! إنت هنا؟! أنا بقالي ساعتين بدور عليك!

ابتسم وقال:

ـ واضح إننا كلنا كنا مستخبيين في نفس المكان.

أمي بصت له، وبعدها بصت لي، وبدأت ابتسامة واسعة تظهر على وشها.

ـ يا نهار أبيض! هو إنتوا كنتوا قاعدين مع بعض؟!

آدم رد من غير تردد:

ـ أيوه، واتعرفنا على بعض.

أمي قربت مني وهمست:

ـ ده آدم السويفي! إنتِ عارفة مين ده؟!

قلت لها بضيق:

ـ عرفت يا ماما، عرفت!

أما الست نادية، فكانت باصة لابنها بفرحة مش قادرة تخبيها.

ـ أخيرًا! أخيرًا لقيت بنت تقعد معاها أكتر من خمس دقايق من غير ما تهرب!

آدم بص لها وقال:

ـ متستعجليش يا أمي.

لكن أمي ما ضيعتش الفرصة.

ـ طب إيه رأيكم نتعشى سوا؟ أنا شايفة إن فيه قبول بينكم.

كنت هاعترض، لكن آدم سبقني وقال:

ـ فكرة كويسة.

بصيت له بصدمة.

إحنا لسه من دقايق كنا بنهرب من أمهاتنا، ودلوقتي بيوافق على العشاء بكل بساطة!

خرجنا من الأوضة واتجهنا للقاعة الرئيسية. الناس كانت بتتحرك وتضحك، لكن بمجرد ما آدم دخل، اتغير الجو بشكل ملحوظ.

رجالة كتير وقفوا باحترام، وبعضهم قرب منه يسلم عليه، والباقي اكتفى بإيماءة من بعيد.

بدأت أحس إن وجودي جنبه مش مجرد صدفة عادية.

قرب مني وقال بصوت منخفض:

ـ متخافيش، محدش هيضايقك وأنا موجود.

رديت بحدة:

ـ أنا مش بخاف من حد.

ابتسم وقال:

ـ لاحظت ده، خصوصًا لما قررتي تختبئي تحت ترابيزة بدل ما تواجهي أمك!

بصيت له بغيظ، فضحك.

بعد شوية، قعدنا على ترابيزة بعيدة عن الزحمة. أمي ونادية كانوا بيتكلموا وكأنهم أصحاب من سنين، وبدأوا بالفعل يتخيلوا شكل الفرح!

أما أنا، فكنت مستنية فرصة أسأله عن السر اللي قال عليه.

وأخيرًا، لما أمي قامت تتصور مع صاحباتها، التفت له وقلت:

ـ دلوقتي مفيش حد سامعنا. اتكلم.

حط الكوباية قدامه وقال:

ـ اسم والدك إيه بالكامل؟

استغربت السؤال.

ـ محمود المنشاوي. وإنت عارف ده كويس، ليه بتسأل؟

سكت لحظة، وبعدها قال:

ـ والدك كان شريك قديم لوالدي في مشروع كبير.

ضحكت باستغراب.

ـ مستحيل. بابا كان موظف في شركة مقاولات، وعمره ما حكى لي عن أي شراكة مع عيلتكم.

آدم بص لي بجدية.

ـ والدك ماكانش مجرد موظف. كان شريك في مجموعة شركات السويفي، وكان عنده نسبة كبيرة من الأسهم.

حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.

ـ إنت بتقول إيه؟!

كمل كلامه:

ـ قبل وفاته بفترة قصيرة، حصل خلاف كبير بينه وبين عمي. وبعدها اختفت أوراق مهمة، واتقال إن والدك تنازل عن نصيبه بالكامل.

هزيت رأسي وأنا مش مصدقة.

ـ بابا مات من 12 سنة، وأنا كنت لسه صغيرة. ماما عمرها ما قالت لي الكلام ده.

آدم مال بجسمه ناحيتي وقال:

ـ لأن فيه وصية اتكتبت باسمك، واتحفظت في مكان محدش يعرفه غير والدي ووالدك.

سألته وأنا حاسة إن صوتي بيترعش:

ـ وصية إيه؟

قال:

ـ والدك ساب لك حق في الشركة، لكن الحق ده مش هيظهر غير لما توصلي لسن الثلاثين.

اتسعت عيني.

ـ وأنا النهارده كملت التلاتين!

هز رأسه ببطء.

ـ بالضبط.

ماقدرتش أتكلم.

كل اللي كنت فاكرة إني عارفاه عن عيلتي بدأ ينهار قدامي.

لكن قبل ما أسأله أي سؤال تاني، ظهر راجل في أواخر الخمسينات، لابس بدلة رمادي، ووقف جنب آدم.

قال باحترام:

ـ أستاذ آدم، محتاج حضرتك في موضوع مهم.

آدم بص له بضيق.

ـ مش دلوقتي يا فؤاد.

الراجل بص ناحيتي، ولما عينه وقعت عليا، اتغير لون وشه.

اتراجع خطوة وقال بصوت منخفض:

ـ هي دي بنت محمود المنشاوي؟

آدم وقف فورًا.

ـ أيوه. عندك مشكلة؟

الراجل بلع ريقه وقال:

ـ لا يا فندم… بس لازم تعرف إن ظهورها الليلة دي هيعمل مشكلة كبيرة.

بصيت له وقلت:

ـ مشكلة إيه؟ وإنت تعرفني منين؟

ما ردش.

آدم وقف بيني وبينه وقال بنبرة حاسمة:

ـ فؤاد، امشي دلوقتي. والكلام اللي اتقال هنا ما يخرجش بره القاعة.

الراجل انصرف بسرعة.

مسكت إيد آدم وقلت:

ـ أنا مش هتحرك خطوة واحدة قبل ما أعرف الحقيقة. إنتوا مخبيين عني إيه؟

بص لي طويلًا، وبعدها أخرج موبايله واتصل بحد.

ـ ابعتلي ملف محمود المنشاوي كامل. عايزه قدامي خلال نص ساعة.

قفل المكالمة، ورجع بص لي.

ـ هتعرفي كل حاجة، لكن فيه حاجة لازم تعرفيها الأول.

ـ إيه هي؟

قال بصوت هادي:

ـ الشخص اللي تسبب في ضياع حق والدك، هو نفسه الشخص اللي أمي كانت بتحاول تعرفني عليه طول السهرة باعتباره واحد من أهم رجال الأعمال.

حسيت بقلبي بيقبض.

ـ مين؟

آدم قرب مني وقال اسمًا خلاني أتمنى إني ما كنتش سألته أصلًا:

ـ جوز أمك… عماد الشناوي!

في اللحظة دي، رفعت عيني ناحية أمي.

كانت واقفة بعيد، وبتضحك مع الست نادية، وما عندهاش أي فكرة إن حياتنا كلها على وشك تتقلب.

لكن المفاجأة الأكبر كانت لسه مستنياني…

لأن آدم فتح موبايله ووراني صورة قديمة لوالدي، واقف جنب والده، وفي إيد كل واحد منهم طفل صغير.

بصيت للصورة كويس، وفجأة لاحظت إن الطفل اللي في إيد والد آدم مش هو آدم!

كان طفل تاني… شبه آدم بشكل غريب.

سألته بصوت مرتعش:

ـ مين الطفل ده؟

آدم سحب نفسًا طويلًا وقال:

ـ ده أخويا اللي اختفى من 25 سنة… وآخر عنوان معروف ليه كان بيت والدك!

يتبع…
الجزء الثالث

فضلت ماسكة الموبايل وببص للصورة القديمة، وكأني بحاول ألاقي فيها إجابة لكل الأسئلة اللي بدأت تظهر في دماغي.

كان فيه طفل صغير واقف جنب والدي ووالد آدم، وشبه آدم بشكل غريب فعلًا.

رفعت عيني له وقلت:

ـ إنت بتقول إن أخوك اختفى من 25 سنة، وإن آخر مكان كان موجود فيه هو بيت أبويا؟!

هز رأسه وقال:

ـ أيوه. اسمه يوسف. كان عنده 5 سنين لما اختفى، ومن يومها وإحنا بندور عليه.

ـ ووالدي كان يعرف مكانه؟

ـ دي الحاجة اللي محدش قدر يثبتها. لكن قبل اختفاء يوسف بأيام، والدي استلم رسالة من محمود المنشاوي، وكان مكتوب فيها إن فيه سر لازم يتكشف قبل فوات الأوان.

حسيت إن رأسي بيلف.

ـ طب ليه ما قلتليش الكلام ده من أول ما اتقابلنا؟

ابتسم ابتسامة حزينة وقال:

ـ لأنك أول ما شفتيني كنتِ مستعدة تهربي من أي حد يحاول يفتح معاكي موضوع الجواز. ماكنتش عايز أخوفك أكتر.

رغم الموقف، ضحكت غصب عني.

ـ يعني كنت بتستغل الساندويتش علشان تعرفني؟

ضحك وقال:

ـ الساندويتش كان مجرد بداية ناجحة.

لكن الضحك اختفى لما شفت أمي جاية ناحيتنا.

قعدت جنبنا وقالت بسعادة:

ـ إيه يا ليلى؟ شكلكم اتعرفتوا كويس! آدم، إيه رأيك في بنتي؟

آدم بص لي قبل ما يرد.

ـ شايف إنها مختلفة عن أي حد قابلته.

أمي ابتسمت بانتصار.

ـ كنت عارفة! أنا أم وبفهم.

بصيت لها وقلت:

ـ ماما، عايزة أسألك عن عماد.

ابتسامتها اختفت فجأة.

ـ مالُه عماد؟

ـ هو كان يعرف بابا قبل ما يتوفى؟

اتلخبطت، وبصت ناحية الست نادية قبل ما ترد.

ـ طبعًا كان يعرفه. ده كان صاحب قديم لوالدك.

ـ وكان شريك معاه في شركة؟

سكتت لحظات، وبعدها قالت:

ـ مين قالك الكلام ده؟

بصيت لآدم.

ـ هو اللي قال لي.

أمي قامت من مكانها بسرعة وقالت:

ـ الكلام ده مش وقته. لما نروح البيت هنتكلم.

لكن قبل ما تتحرك، ظهر عماد الشناوي بنفسه.

كان لابس بدلة غالية وساعته بتلمع، وعلى وشه ابتسامة مصطنعة.

ـ مساء الخير يا جماعة. إيه اللمة الحلوة دي؟

آدم وقف وبص له ببرود.

ـ مساء النور يا أستاذ عماد.

عماد مد إيده يسلم عليه، لكن آدم ما اتحركش.

ابتسامة عماد اتجمدت.

ـ واضح إن حضرتك مشغول بالتعارف الليلة دي.

آدم رد بهدوء:

ـ مشغول فعلًا، خصوصًا لما أقابل ناس كنت فاكر إنهم اختفوا من حياتي.

عماد بص لي وقال:

ـ ليلى، تعالي يا حبيبتي. أمك بتدور عليكي.

لكن آدم سبقني بالكلام:

ـ ليلى هتفضل هنا، عندها كلام مهم مع والدتها.

عماد ضحك ضحكة قصيرة.

ـ وإنت من إمتى بقيت مسؤول عن قراراتها؟

آدم قرب خطوة وقال:

ـ من اللحظة اللي عرفت فيها إن فيه ناس بتحاول تتحكم في حياتها من غير ما تعرف حقيقتها.

عماد بص له نظرة غريبة، وبعدها التفت لأمي.

ـ منى، إحنا لازم نمشي.

أمي حاولت تعترض:

ـ لسه بدري يا عماد.

لكنه شد على إيدها وقال بحدة:

ـ قلت نمشي!

كانت دي أول مرة أشوفه بيتكلم مع أمي بالطريقة دي.

وفجأة فهمت إن فيه حاجة أكبر بكتير من مجرد خلاف قديم بين شركاء.

بعد حوالي نصف ساعة، آدم طلب مني أقعد معاه في مكتبه الخاص الموجود داخل الفندق.

دخلنا، ولقى شخص اسمه فؤاد مستنينا ومعاه ملف كبير.

آدم فتح الملف وبدأ يطلع أوراق وصور قديمة.

قال:

ـ دي نسخة من عقد الشراكة بين والدك ووالدي. والدك كان يمتلك 40% من المجموعة، ووالدي كان يمتلك 40%، والباقي موزع على شركاء تانيين.

بصيت للأوراق وقلت:

ـ يعني أنا ليا نصيب كبير في الشركة؟

ـ مش بس كده. فيه مستند تاني بيثبت إن والدك نقل أسهمه ليكي قبل وفاته، بشرط إنك تستلميها بنفسك لما تكملي 30 سنة.

سألته:

ـ وعماد عرف إزاي إن النهارده عيد ميلادي؟

رد فؤاد:

ـ لأنه كان متابع كل حاجة تخص والدك من سنين.

آدم بص له.

ـ كمل.

فتح فؤاد ظرفًا قديمًا وأخرج منه ورقة مكتوبة بخط والدي.

أول ما شفت الخط، عيني دمعت.

كانت الرسالة بتقول:

«إلى ابنتي ليلى…

لو وصلتك الرسالة دي، يبقى أخيرًا جه الوقت اللي تعرفي فيه الحقيقة.

أنا ما سبتلكيش فلوس وبس، أنا سبتلك أمانة لازم تحافظي عليها.

خلي بالك من الشخص اللي دخل بيتنا بعد غيابي، لأنه مش الشخص اللي بيظهر قدامك.

وفيه طفل اتربى بعيد عن أهله، ولو عرفتي مكانه، هتعرفي ليه كل ده حصل».

وقفت عند آخر سطر.

ـ طفل؟ هو يقصد يوسف؟

آدم رد:

ـ غالبًا.

فؤاد أخرج صورة تانية من الملف، وكانت صورة لطفل صغير واقف قدام بيت قديم.

بصيت للصورة، وفجأة حسيت إني شفت المكان ده قبل كده.

قلت بسرعة:

ـ أنا أعرف البيت ده!

آدم قرب الصورة مني.

ـ متأكدة؟

ـ أيوه. ده البيت القديم اللي كنا بنروحه زمان في إسكندرية. بابا كان بياخدني هناك كل صيف، وكان بيقول إن البيت ده ملك صديق عزيز عليه.

فؤاد بص لآدم بصدمة.

ـ ده نفس العنوان اللي موجود في ملف اختفاء يوسف!

آدم وقف من مكانه.

ـ جهز العربية. إحنا مسافرين إسكندرية الليلة.

لكنني مسكت إيده وقلت:

ـ استنى. أنا جاية معاك.

بص لي بجدية.

ـ المكان ممكن يكون مش آمن.

رديت بثبات:

ـ دي حياة أبويا، ودي عيلتي. مش هفضل قاعدة مستنية حد يحكيلي عنها.

ابتسم لأول مرة من وقت ما فتحنا الملف.

ـ كنت عارف إنك هتقولي كده.

خرجنا من الفندق، لكن قبل ما نركب العربية، وصل لآدم اتصال من رقم مجهول.

رد، وسمعنا صوت راجل بيقول:

ـ أستاذ آدم، لازم ترجع فورًا. فيه حد دخل بيت والدك القديم، وساب رسالة مخصوص ليك.

آدم سأل بحدة:

ـ مين؟

الراجل رد:

ـ مش عارفين، لكن الرسالة مكتوب فيها اسم ليلى المنشاوي.

آدم بص لي، ووشه اتغير.

وبعد لحظات وصلتنا صورة الرسالة على الموبايل.

كانت مكتوبة بخط واضح:

«لو عايز تعرف الحقيقة عن يوسف، اسأل ليلى عن السر اللي أمها مخبياه عنها من يوم ولادتها».

حسيت إن الدم انسحب من وشي.

بصيت لآدم وقلت:

ـ أمي؟! إيه علاقة أمي بكل ده؟

لكن قبل ما يرد، وصلني اتصال من أمي.

رديت بسرعة.

سمعت صوتها وهي بتعيط وبتقول:

ـ ليلى، ارجعي البيت فورًا… لازم أقولك الحقيقة قبل ما عماد يعرف إنك عرفتي!

وبعدها سمعت صوت عماد في الخلفية بيصرخ:

ـ اقفلي التليفون يا منى!

وانقطع الاتصال.

وفي اللحظة دي، أدركت إن أمي مش مجرد شاهدة على السر… ممكن تكون هي الشخص الوحيد اللي يعرف الحقيقة كاملة!

يتبع…
الجزء الرابع

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى