روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

الجزء الثاني

في نفس اللحظة اللي كان فيها جاسر بيحتفل مع سالي داخل القصر، كانت نور قاعدة في مكان مختلف تمامًا، مكان عمره ما خطر على باله إنها ممكن تروح له.

بعد حوالي 40 دقيقة، وصلت العربية إلى مطار خاص على أطراف القاهرة.

كان في استقبالها رجل في الخمسينات من عمره، لابس بدلة رسمية، وأول ما شافها قرب منها بسرعة وقال باحترام:

— حمد لله على السلامة يا فندم. إحنا كنا مستنيين حضرتك من بدري.

نزلت نور من العربية بصعوبة، وساعدت ملك وآدم ينزلوا وراها.

آدم بص للمكان باستغراب وسأل:

— ماما، إحنا جايين المطار ليه؟ هو إحنا هنسافر؟

ابتسمت نور وقالت:

— أيوه يا حبيبي، بس مش سفر بعيد. هنروح مكان نرتاح فيه شوية.

دخلوا مبنى خاص، وهناك كان في مجموعة من المحامين والموظفين واقفين في انتظارها.

تقدم منها رجل في أواخر الأربعينات، اسمه المستشار شريف عزام، وقال:

— مساء الخير يا مدام نور. أنا آسف جدًا على اللي حصل، لكن خلينا نبدأ فورًا قبل ما جوز حضرتك يتصرف في أي أصول أو يحاول ينقل ملكيات.

جلست نور على كرسي مريح، وحطت إيدها على بطنها وقالت:

— أنا مش عايزة أضيع وقت في الكلام. عايزة أعرف هل المستند الأصلي لسه موجود؟

فتح شريف حقيبته وأخرج ملفًا كبيرًا.

— موجود يا فندم، ومحفوظ في مكان آمن، ومعاه كل الملاحق والتوقيعات.

مدت نور إيدها وأخذت الملف.

كانت أول ورقة فيها مؤرخة من 12 سنة.

في الوقت ده، كان جاسر لسه داخل القصر مع سالي.

كانت سالي بتلف في الصالة الكبيرة، وبتبص على الأثاث والتحف واللوحات المعلقة على الحيطان.

قالت بإعجاب:

— أخيرًا بقيت لوحدي في المكان ده! أنا من أول مرة دخلته وأنا بحلم أعيش فيه.

ضحك جاسر وقال:

— اعتبريه بيتك من النهارده. كل حاجة هنا تحت أمرك.

اقتربت منه وسألته:

— طب ونور؟ مش ممكن ترجع تعمل مشاكل أو تطالب بحاجة؟

هز جاسر كتفه باستهانة.

— نور؟ دي مش هتقدر تعمل أي حاجة. هي طول عمرها معتمدة عليا، ومتعرفش حتى تدير حساب بنكي لوحدها.

ضحكت سالي وقالت:

— أنا بس عايزة أتأكد إنك خلصت من حياتك القديمة نهائي.

رد جاسر بثقة:

— اطمني. أنا حتى بدأت أكلم المحامي عشان أنهي إجراءات الطلاق.

لكن في نفس الوقت، كان محامي نور بيفتح الملف قدامها.

قال شريف:

— حضرتك فاكرة الاتفاق اللي اتعمل يوم تأسيس المجموعة؟

أومأت نور.

— طبعًا فاكرة. كان يوم ما جاسر جه لي وقال إنه محتاج تمويل عشان يبدأ مشروع النقل الجوي.

قلب شريف الورقة الأولى وقال:

— وقتها حضرتك قدمتِ التمويل الأساسي، وسجلتي الشركة الأم باسمك، ووافق جاسر على إدارة المجموعة بعقد محدد الصلاحيات.

تدخل رجل آخر من الموجودين وقال:

— مش بس كده. فيه بند واضح بيحدد إن أي محاولة للاستيلاء على أصول المجموعة أو التصرف فيها خارج الاتفاق، ممكن تؤدي إلى سحب صلاحيات الإدارة بعد مراجعة قانونية.

بصت نور للورقة طويلًا.

افتكرت اليوم اللي وقعت فيه الاتفاق.

وقتها كان جاسر لسه شاب عنده طموح كبير، ومفيش حد من البنوك كان موافق يموله.

نور هي اللي وقفت جنبه.

هي اللي قدمت رأس المال، وهي اللي استخدمت علاقات عائلتها عشان تفتح له أبواب كانت مقفولة.

لكنها عمرها ما طلبت منه يشكرها أو يعترف بفضلها.

كانت فاكرة إنهم شركاء في الحياة والنجاح.

لحد ما اكتشفت إنه بيغدر بها وبيخطط يخرجها من البيت.

قالت نور بهدوء:

— أنا مش عايزة أنتقم منه لمجرد إنه سابني. أنا عايزة أحمي حقوق أولادي، وأضمن إن محدش يقدر يحرمهم من مستقبلهم.

رد شريف:

— وده حقك القانوني. لكن لازم تعرفي إن جاسر ممكن يحاول ينكر الاتفاق أو يدعي إنه وقّع من غير ما يفهم كل التفاصيل.

ابتسمت نور ابتسامة خفيفة.

— هو اللي اختار ينسى، مش أنا.

ثم طلبت من الرجل المسؤول عن المطار تجهيز الهليكوبتر.

وبعد قليل، كانت نور وأطفالها في طريقهم إلى فيلا عائلتها القديمة في الإسكندرية، وهي فيلا كبيرة كانت مملوكة لوالدها الغائب.

قبل ما تتحرك الطائرة، رن موبايلها.

كان جاسر.

نظرت إلى الشاشة، ثم ردت.

جاء صوته غاضبًا:

— إنتِ فين دلوقتي؟ وإيه حكاية إنك بتتحركي بهليكوبتر؟

ردت نور بهدوء:

— وإنت عرفت منين إني بتحرك بهليكوبتر؟

سكت لحظة، ثم قال:

— متلعبيش معايا يا نور. أنا عايزك توقعي على ورق الطلاق بكرة، وتتنازلي عن أي مطالبات تخص الشركات.

ضحكت نور ضحكة قصيرة وقالت:

— إنت مستعجل أوي يا جاسر.

— طبعًا مستعجل! أنا مش فاضي أضيع وقتي في المشاكل دي.

ردت عليه:

— بكرة الصبح هيوصلك محاميّ، ومعاه نسخة من المستند اللي إنت مضيت عليه بإيدك من 12 سنة.

تغير صوته فجأة.

— مستند إيه؟

قالت نور:

— حاول تفتكر يوم تأسيس الشركة يا جاسر.

ثم أغلقت المكالمة.

وقف جاسر في منتصف الصالة، والموبايل في إيده، وملامح وشه اتغيرت.

سالي لاحظت ارتباكه وسألته:

— مالك؟ مين اللي كلمك؟

رد وهو بيحاول يخفي قلقه:

— نور… بتتكلم عن ورق قديم.

لكن سالي قربت منه وقالت:

— ورق إيه؟ هو إنت مخبي عليا حاجة؟

قبل ما يرد، رن موبايله مرة تانية.

كانت المكالمة من مدير المجموعة المالي.

رد جاسر بعصبية:

— أيوه يا فؤاد، خير؟

جاءه صوت الرجل متوترًا:

— يا فندم، إحنا عندنا مشكلة كبيرة. المستشار القانوني طلب تجميد بعض القرارات الإدارية لحين مراجعة مستندات الملكية.

صرخ جاسر:

— مين سمح له يعمل كده؟ أنا صاحب الشركة!

رد المدير بتردد:

— هو بيقول إن فيه تعليمات صادرة من المالك المسجل للشركة الأم.

تجمد جاسر في مكانه.

— المالك مين؟

سكت المدير لثوانٍ، ثم قال:

— مدام نور السيوفي يا فندم.

في اللحظة دي، سقطت الكوباية من إيد جاسر واتكسرت على الأرض.

أما سالي، فكانت واقفة ورا الكنبة، بتبص له بصدمة.

لأول مرة من سنين، بدأ جاسر يشعر إن القصر اللي كان فاكر إنه ملكه، والشركات اللي كان بيتباهى بيها، ممكن يكونوا مش بتوعه زي ما كان متخيل.

لكن المفاجأة الأكبر كانت لسه مستنياه…

لأن نور لم تكن قد أظهرت له حتى الآن المستند الثاني، الذي يحمل توقيعه، ويكشف شرطًا لم يكن يتوقعه أبدًا!

يتبع في الجزء الثالث…

الجزء الثالث

فضل جاسر واقف في نص الصالة، مش قادر يستوعب الكلام اللي سمعه من مدير المجموعة.

نور السيوفي هي المالكة المسجلة للشركة الأم؟

إزاي ده حصل؟ وإمتى؟

بص لسالي اللي كانت واقفة قدامه، وقال بعصبية:

— إنتِ واقفة بتبصيلي ليه؟ اتصلي بالمحامي حالًا!

ردت سالي بقلق:

— هو إيه اللي بيحصل يا جاسر؟ مش إنت قلتلي إن كل الشركات والعقارات باسمك؟

صرخ فيها:

— قولتلك اتصلي بالمحامي!

مسكت موبايلها وطلبت رقم المحامي الخاص بجاسر، وبعد دقائق رد عليها.

كان صوت الرجل متوترًا.

— أستاذ جاسر، أنا محتاج أقابلك في أسرع وقت.

— قابلني حالًا. وعايزك تفهمني إيه اللي بيحصل في الشركة.

— الموضوع أكبر مما تتصور. أنا راجعت بعض المستندات، واكتشفت إن عقد تأسيس الشركة الأم بيمنح مدام نور حقوق ملكية وإدارة واسعة جدًا.

جاسر ضرب بإيده على الترابيزة.

— مستحيل! أنا اللي بنيت الشركة دي!

رد المحامي بحذر:

— أنت اللي أدرت الشركة ووسعت نشاطها، لكن التمويل الأساسي والملكية القانونية ليهم وضع مختلف تمامًا.

— يعني إيه الكلام ده؟

— يعني لازم نشوف العقد الأصلي قبل ما نقدر نحدد موقفك القانوني.

أغلق جاسر المكالمة، وبدأ يدور في ذاكرته عن اليوم اللي وقّع فيه العقود القديمة.

من 12 سنة، كان شابًا عنده حلم كبير، لكن مفيش حد مستعد يغامر معاه.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى