روايات وقصص

الجزء الاخير بقلم محمد عبده

ظل آدم يحدق في سلمى وكأنه لم يفهم ما قالته للتو. — ماذا تعنين بأنه زيّف الحادث؟ تنفست سلمى ببطء، ثم قالت: — كريم لم يمت يا آدم. لقد دبّر اختفاءه بنفسه. شعر آدم بصدمة أكبر. — لماذا؟ ولماذا لم يخبرني؟ خفضت سلمى عينيها. — لأنه كان يهرب من أشخاص يسعون لإيذائه.

— أي أشخاص؟
ترددت سلمى قبل أن تجيب:
— قبل اختفائه بأشهر، اكتشف كريم أن هناك أموالًا تختفي من إحدى شركات عائلتكم. مبالغ ضخمة كانت تُحوّل إلى حسابات غير قانونية.
عقد آدم حاجبيه.
— من كان يفعل ذلك؟
— لم يكن يعرف في البداية. لكنه اكتشف الحقيقة لاحقًا.
اقترب آدم منها أكثر.
— من؟
نظرت إليه سلمى مباشرة.
— والدك.
تجمد آدم في مكانه.
— هذا مستحيل.
— كريم قال الشيء نفسه في البداية. لكنه جمع الأدلة بنفسه. وعندما أدرك أن والده متورط، حاول مواجهته.
صمتت للحظة، ثم تابعت:
— لكن والدك لم يكن يعمل وحده.
شعر آدم بأن قلبه بدأ يخفق بسرعة.
— ومن كان معه؟
قالت سلمى بصوت منخفض:
— إيلينا.
لم يستطع آدم الرد.
ظل يحدق فيها، وكأن عقله يرفض استيعاب الكلمات.
— خطيبتي؟
— نعم.
أغمضت سلمى عينيها.
— كريم اكتشف أن إيلينا كانت تتعاون مع أطراف أخرى داخل الشركة. كانت تصلهم بالمعلومات، وتساعدهم في إخفاء تلك التحويلات.
نهض آدم من كرسيه بعصبية.
— لماذا لم يخبرني كريم بكل هذا؟
— لأنه حاول ذلك.
توقفت سلمى لحظة.
— اتصل بك ليلة اختفائه.
تجمد آدم.
بدأت ذكرى قديمة تظهر في ذهنه.
قبل ست سنوات، كان قد تلقى بالفعل اتصالًا من كريم في وقت متأخر من الليل.
لكنه كان في اجتماع، ولم يرد.
وبعد دقائق، وصلت إليه رسالة قصيرة من رقم كريم:
“لا تثق بأحد. سأشرح لك كل شيء غدًا.”
كانت تلك آخر رسالة تلقاها منه.
قال آدم بصوت مرتجف:
— كنت أظن أنه لم يتصل بي إلا مرة واحدة.
— اتصل بك أكثر من مرة.
رفعت سلمى يدها بصعوبة.
— لكن إيلينا كانت تتابع هاتفك في ذلك الوقت. وكانت تعرف أن كريم يحاول الوصول إليك.
شعر آدم بالغثيان.
— وكيف تعرفين كل هذا؟
نظرت سلمى نحو الباب قبل أن تخفض صوتها:
— لأن كريم لم يختفِ من حياتي تمامًا.
اتسعت عينا آدم.
— ماذا؟
— لقد عاش مختبئًا لسنوات.
ثم وضعت يدها على بطنها وقالت:
— وعندما ولد يوسف، ظل كريم يراقبه من بعيد.
سأل آدم بسرعة:
— أين هو الآن؟
أجابت:
— لا أعرف مكانه بالضبط.
— ماذا يعني أنك لا تعرفين؟
— آخر مرة رأيته كانت منذ ثلاثة أسابيع. أخبرني أنه اكتشف أن إيلينا عرفت بوجود يوسف.
توقف آدم عن الحركة.
— إذًا هي كانت تعرف عن ابنه؟
— لم تكن تعرف كل شيء في البداية. لكنها بدأت تبحث عنه منذ فترة.
ثم قالت سلمى:
— ولهذا حاولت الليلة إبعادي قبل أن أتحدث إليك.
أدرك آدم فجأة معنى كل شيء.
المرآة المحطمة.
الجرح في رأس سلمى.
كلماتها عن يوسف.
وخوف إيلينا عندما سمعته.
قال آدم:
— يجب أن نصل إلى يوسف قبلها.
هزت سلمى رأسها.
— ليس هذا فقط.
— ماذا هناك أيضًا؟
أجابته وهي تكاد تبكي:
— كريم ترك لي شيئًا قبل اختفائه الأخير.
— ماذا؟
— ذاكرة إلكترونية صغيرة.
اتسعت عينا آدم.
— أين هي؟
نظرت سلمى إليه بصمت.
ثم قالت:
— في القصر.
شعر آدم بصدمة.
— أين؟
— في مكان لن تفكر إيلينا في البحث فيه.
وقبل أن تكمل، انفتح باب الغرفة فجأة.
دخلت إيلينا.
كانت تحمل باقة من الزهور وابتسامة هادئة على وجهها.
— حبيبي، لماذا لم تخبرني أنك هنا؟
نظر إليها آدم طويلًا.
لأول مرة منذ عامين، لم ير المرأة التي أحبها.
رأى شخصًا آخر تمامًا.
قال بهدوء:
— كنت أتحدث مع سلمى.
ابتسمت إيلينا.
— أتمنى ألا تكون قد أزعجتك بقصصها. إنها متعبة، ومن الطبيعي أن تهذي.
لم يرد آدم.
فقط ظل يراقبها.
ثم لاحظ شيئًا.
كان هناك خدش صغير على يد إيلينا.
نفس شكل الخدوش الموجودة على ذراع سلمى.
قال آدم:
— متى وصلتِ إلى المستشفى؟
أجابته بسرعة:
— منذ دقائق.
ابتسم آدم ابتسامة خفيفة.
— غريب.
— ماذا؟
— لأنني لم أخبرك أصلًا بأي مستشفى نقلنا سلمى إليه.
تغير وجه إيلينا.
ولثانية واحدة فقط، اختفت ابتسامتها.
لكن آدم رأى ذلك.
ورأى الخوف نفسه الذي ظهر في عينيها عندما ذكرت سلمى اسم يوسف.
أخرج هاتفه من جيبه.
— إيلينا، أريد أن أسألك سؤالًا.
— تفضل.
— أين أخي كريم؟
ساد الصمت.
حدقت إيلينا فيه دون أن تنطق.
ثم قالت:
— آدم، كريم غاب منذ ست سنوات.
اقترب منها خطوة.
— هل أنت متأكدة؟
ابتلعت ريقها.
— بالطبع.
ابتسم آدم ببرود.
— إذًا لماذا اتصل بك هاتفه قبل ثلاثة أسابيع؟
تغير لون وجهها بالكامل.
وفي تلك اللحظة، عرف آدم شيئًا واحدًا:
كريم حي.
والأهم من ذلك…
إيلينا تعرف أين هو.
لكن قبل أن يستطيع الضغط عليها، اهتز هاتفه برسالة مجهولة.
فتحها.
كانت صورة لرجل يقف أمام بوابة قديمة.
وتحتها رسالة قصيرة:
“إذا كنت تريد إنقاذ أخيك وابنه، لا تثق بخطيبتك.”
رفع آدم عينيه ببطء نحو إيلينا.
وكانت تقف أمامه، شاحبة الوجه.
ثم وصلت رسالة ثانية:
“والدك لم يكن العقل المدبر.”
“الشخص الذي تبحث عنه موجود داخل منزلك.”
نظر آدم نحو باب غرفة المستشفى.
وفجأة أدرك أن الخطر لم يكن خارج القصر فقط…
بل كان يعيش بينهم منذ سنوات.
ظل آدم يحدق في الرسالة على هاتفه، ثم رفع عينيه نحو إيلينا.
كانت تحاول الحفاظ على هدوئها، لكن أصابعها كانت ترتجف.
قالت:
— ما الذي وصلك؟
أغلق آدم هاتفه ووضعه في جيبه.
— لا شيء مهم.
اقتربت إيلينا منه.
— آدم، أنت تبدو متوترًا جدًا. ربما الأفضل أن نعود إلى المنزل ونترك سلمى ترتاح.
نظر إليها طويلًا.
ثم قال:
— فكرة جيدة.
ابتسمت إيلينا وكأنها ارتاحت.
لكنها لم تكن تعلم أن آدم لم يعد يثق بكلمة واحدة تقولها.
غادرا المستشفى، إلا أن آدم لم يعد معها إلى القصر مباشرة.
طلب من سائقه أن يتوقف في أحد الشوارع الهادئة، ثم قال له:
— انتظر هنا.
دخل آدم إلى سيارة أخرى كانت تابعة لأحد أفراد الحراسة الموثوقين لديه، وأعطاه هاتفه.
— أريدك أن تتبع سيارة إيلينا دون أن تشعر بك.
— إلى أين؟
— إلى أي مكان تذهب إليه.
ثم أضاف:
— ولا تتصل بي إلا إذا حدث شيء طارئ.
في الوقت نفسه، بقيت سلمى في المستشفى تحت رعاية ملائمة.
كان آدم يعلم أن الشخص الذي أرسل الرسائل يريد منه التحرك بسرعة، لكنه كان بحاجة إلى معرفة من يقف وراء كل شيء.
عاد إلى القصر قبل إيلينا.
دخل من الباب الخلفي، وصعد مباشرة إلى الطابق العلوي.
ثم تذكر كلمات سلمى:
“الذاكرة الإلكترونية موجودة في مكان لن تفكر إيلينا في البحث فيه.”
بدأ آدم يستعيد ذكريات طفولته.
مكان كان كريم يختبئ فيه دائمًا عندما كانا صغيرين.
مكان لم يكن يسمح لأحد بدخوله.
غرفة الألعاب القديمة.
فتح آدم الباب.
كانت الغرفة مهجورة منذ سنوات.
الألعاب القديمة مغطاة بالغبار، والصناديق الخشبية مكدسة في الزاوية.
بدأ يبحث.

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى