
الجزء الثاني: المكالمة اللي كشفت سر عيلة الشاذلي
موبايل أبويا كان بيرن فوق الترابيزة، وكلنا واقفين في الصالة مش قادرين ناخد نفسنا.
النقيب أحمد منصور بص للشاشة، وبعدها بص لأبويا بنظرة غريبة.
سأل محمود الشاذلي:
— تعرف مين اللي بيتصل بيك دلوقتي؟
أبويا ما ردش.
أحمد كرر سؤاله:
— أنا سألتك سؤال واضح. مين صاحب الرقم ده؟
أبويا بلع ريقه وقال بصوت واطي:
— معرفش.
لكن إيده كانت بتترعش، وعرق بارد بدأ يظهر على جبهته.
أحمد طلب من أحد الضباط توثيق المكالمة ضمن إجراءات التحقيق، وبعدها أشار لأبويا إنه ما يلمسش الموبايل.
الرنة فضلت مستمرة ثواني طويلة، وبعدها اختفت.
لكن قبل ما أي حد يتكلم، وصلت رسالة جديدة على الشاشة.
أحمد قرأ الرسالة، وملامحه اتغيرت تمامًا.
قال للضابط اللي جنبه:
— صوّر الرسالة وسجّل وقت وصولها، وخلّيها ضمن الأدلة.
وبعدين بص لي وقال:
— يا مريم، الرسالة دي بتقول: «الملف لازم يختفي قبل الساعة 12 بالليل. بنتك بدأت تعرف الحقيقة».
حسيت إن قلبي وقع في رجلي.
بنتك بدأت تعرف الحقيقة!
يعني الشخص اللي بعت الرسالة عارف إني موجودة هنا، وعارف إن التحقيق بدأ، والأخطر إنه عارف إن فيه ملف مخفي له علاقة بيا.
بصيت لأبويا وقلت:
— إيه الملف ده يا بابا؟ وإيه الحقيقة اللي هما خايفين إني أعرفها؟
أبويا لف وشه بعيد عني.
أمي، نادية، كانت واقفة جنب الكنبة، وبتفرك إيديها في بعض بعصبية.
قربت منها وقلت:
— وإنتِ كمان يا ماما! إنتِ قلتي لي أسأل بابا عن الملف. يعني إنتِ عارفة هو مخبي إيه!
رفعت عينيها ليا، ولأول مرة شفت الخوف الحقيقي في وشها.
قالت بصوت مرتعش:
— يا مريم، في حاجات لما تعرفيها مش هتقدري ترجعي زي الأول.
ضحكت بمرارة وقلت:
— هو أنا لسه هرجع زي الأول بعد اللي شوفته؟ إنتوا سرقتوا عربيتي، واستخدمتوا اسمي في تحويل بمئات الملايين، ولقينا بصمة مزيفة تخصني في إيد أمي! إيه اللي ممكن يكون أسوأ من كده؟!
أمي ما ردتش.
أما أبويا، فصرخ فجأة:
— كفاية! إنتِ مش فاهمة أي حاجة!
رديت عليه وأنا ببص في عينيه:
— أمال فهمني يا بابا! أنا بنتك، ولا بقيت مجرد اسم بتستخدمه في شغلك؟
سكت.
والسكوت ده وجعني أكتر من أي إجابة.
النقيب أحمد تدخل وقال بهدوء:
— إحنا محتاجين نفهم كل حاجة بالترتيب. يا أستاذ محمود، لو فيه مستندات أو ملفات مرتبطة بالتحويلات دي، الأفضل تتكلم عنها بنفسك وتوضح دور كل شخص.
أبويا قعد على الكنبة، وحط إيده على وشه.
لأول مرة، ما كانش باين عليه رجل الأعمال الناجح اللي طول عمره بيحاول يفرض سيطرته على كل اللي حواليه.
كان باين عليه إنه محاصر.
بعد لحظات، رفع رأسه وقال:
— الملف موجود في المكتب اللي فوق.
أحمد طلب من الضباط استكمال التفتيش وفقًا للإذن الصادر، وبعد وقت قصير نزل أحدهم وهو شايل حقيبة جلدية قديمة.
حطها على الترابيزة.
أبويا أول ما شافها، قام من مكانه بسرعة.
— محدش يفتح الحقيبة دي!
ضابط وقف في طريقه، وطلب منه يرجع مكانه.
أحمد بص له وقال:
— ليه؟ إيه اللي جواها؟
أبويا ما ردش.
بدأت إجراءات فحص الحقيبة وتوثيق محتوياتها، ولما اتفتحت، ظهر جواها ملف كبير، ومجموعة عقود، وصور قديمة، وفلاشة صغيرة.
أحمد بدأ يفحص الأوراق واحدة واحدة.
وبعد دقايق، طلع صورة قديمة وحطها قدامي.
بصيت للصورة.
كانت صورة لأبويا وهو شاب، واقف جنب راجل تاني قدام مبنى قديم في القاهرة.
الراجل التاني كان شكله مألوف بشكل غريب.
فضلت أبص له وأنا بحاول أفتكر أنا شوفته فين قبل كده.
وبعدين اتجمدت مكاني.
— استنى… أنا أعرف الراجل ده!
أحمد رفع عينه ليا.
— تعرفيه منين؟
قلت وأنا بشاور على الصورة:
— شوفته في صورة قديمة عند جدي، بس عمري ما عرفت اسمه. كل ما كنت أسأل عنه، بابا كان يغيّر الموضوع.
أبويا نزل عينه للأرض.
أحمد قلب الصورة، ولقى مكتوب على ضهرها اسم وتاريخ.
الاسم كان حسن الدمنهوري.
أما التاريخ، فكان راجع لأكتر من عشرين سنة.
سألت أبويا:
— مين حسن الدمنهوري؟
أبويا فضل ساكت.
لكن أمي هي اللي ردت، بصوت كأنه خارج من مكان بعيد:
— ده كان شريك أبوكي القديم.
لفيت ناحيتها.
— شريكه في إيه؟
قالت:
— في شركة كانت بتشتغل في المقاولات والتوريدات. الشركة دي بدأت صغيرة، وبعد كده دخلت في مشروعات كبيرة. لكن حصلت مشكلة مالية ضخمة، وبعدها حسن اختفى من حياتنا.
أحمد سألها:
— اختفى إزاي؟
نادية اترددت قبل ما تجاوب.
— في يوم، جه البيت واتخانق مع محمود. كان بيتهمه إنه استولى على فلوس الشركة، وإنه زوّر أوراق علشان ينقل ملكية جزء من الممتلكات. بعدها ما شفناهوش تاني.
بصيت لأبويا بعدم تصديق.
— يعني إنت كنت متهم في قضية تزوير من أكتر من عشرين سنة؟
أبويا رد بعصبية:
— دي كانت خلافات شغل، ومفيش حاجة اتثبتت عليَّ!
أحمد قال له:
— إحنا مش بنصدر أحكام هنا يا أستاذ محمود. إحنا بنجمع الأدلة، وأي ادعاء لازم يتراجع في ضوء المستندات.
وبعدين رفع ورقة من الملف.
— لكن الغريب إننا لقينا مستندات حديثة مرتبطة بنفس الشركة القديمة، وبنفس الأسماء تقريبًا.
قربت من الترابيزة.
الورقة كانت عبارة عن عقد تنازل عن حصة في شركة، وعليها توقيع يشبه توقيعي.
لكن التاريخ المكتوب كان من ست سنين، وقت ما كنت لسه بدرس في الكلية العسكرية!
قلت بسرعة:
— التوقيع ده مش توقيعي!




