
الجزء الثاني: الحقيقة اللي قلبت حياة رجل الأعمال رأسًا على عقب
القاعة كلها سكتت فجأة، وكأن كل اللي موجودين حبسوا أنفاسهم في نفس اللحظة.
مجدي كان واقف قدامي، عينيه بتتنقل بين وشي ووش ليلى، ومش قادر يخفي الارتباك اللي بدأ يظهر عليه.
حاول يبتسم قدام الحضور، وقال بصوت متوتر:
«نور؟ إنتِ بتعملي إيه هنا؟ والبنت دي… بنتك؟»
بصيت له بهدوء وقلت:
«أيوه يا مجدي، دي بنتي. البنت اللي ولدتُها في المستشفى من سبع سنين، في الليلة اللي قررت فيها تسيبني وأنا في حالة حرجة، عشان تروح لسالي وتستقبل ابنك منها».
سمعت همسات بتنتشر في القاعة، وبعض الحضور بدأوا يبصوا لسالي، اللي كانت قاعدة في الصف الأول ووشها بقى شاحب.
مجدي قرب مني خطوة وقال بصوت منخفض:
«مش هنا يا نور. إحنا لازم نتكلم لوحدنا».
هزيت راسي وقلت:
«الغريب إنك فاكر دلوقتي إن فيه كلام لازم يتقال على انفراد. من سبع سنين، لما كنت محتاجاك جنبي، ما فكرتش حتى تسألني إذا كنت هقدر أعدّي الليلة دي ولا لأ».
نزلت عيني على ليلى، ولقيتها بتبص لي باستغراب.
همست لي:
«ماما، هو ده بابا؟»
السؤال نزل على قلبي زي السكين.
كنت طول السنين اللي فاتت بحاول أحمي بنتي من اللحظة دي، لكني عمري ما تخيلت إنها هتعرف الحقيقة بالشكل ده، وسط مئات الغرباء.
ركعت قدامها، ومسكت إيديها الصغيرة وقلت:
«أيوه يا حبيبتي، ده باباكي».
فضلت ساكتة ثواني، وبعدها رفعت عينيها ناحية مجدي.
ما جريتش عليه، وما حاولتش تحضنه، زي ما كنت متوقعة من طفلة بتشوف أبوها لأول مرة.
كل اللي عملته إنها سألته سؤال واحد.
«إنت كنت عارف إني موجودة؟»
مجدي فتح بقه عشان يرد، لكن الكلمات ما خرجتش.
بص لي، وكأنه مستني مني أساعده أو أقول أي حاجة تنقذه من الموقف.
لكني ما اتدخلتش.
كان لازم يواجه الحقيقة بنفسه.
بعد لحظات، قال:
«أنا… ما كنتش أعرف إن عندي بنت».
ليلى عقدت حواجبها، نفس الحركة اللي كانت بتخليه يتجمد كل ما يبصلها.
وقالت ببراءة:
«بس إنت اسمك مجدي الشافعي، وأنا اسمي ليلى الشافعي. إزاي ما كنتش تعرف؟»
الجملة البسيطة دي خلت القاعة كلها تسكت من جديد.
مجدي بلع ريقه، وبص لي وكأنه أخيرًا بدأ يفهم حجم اللي حصل.
أما أنا، فرفعت الميكروفون وقلت:
«أنا ما جيتش هنا عشان أفضح حد، ولا عشان أطلب فلوس أو أسترد مكانة ضاعت مني. أنا جيت عشان بنتي تعبت واجتهدت، ومن حقها تستلم جائزتها من غير ما تحس إنها لازم تخجل من الحقيقة».
وبعدين التفت لمديرة المسابقة وقلت:
«لو سمحتِ، بنتي كسبت الجائزة دي بمجهودها، وأتمنى إن الحفل يكمل عادي».
مديرة المسابقة كانت واقفة في حيرة، لكنها هزت راسها باحترام.
مجدي مد إيده ناحية ليلى وقال:
«ممكن أتكلم معاكي شوية؟ أنا أبوكي يا ليلى».
ليلى بصت لإيده، لكنها ما مسكتهاش.
بدل كده، سألتني:
«ماما، هو كان فين لما كنت بعيط بالليل وأنا تعبانة؟ وفين كان لما كنت بروح المدرسة وأشوف كل أصحابي مع باباهم؟»
ما قدرتش أرد فورًا.
لأن الأسئلة دي ما كانتش محتاجة إجابات مني.
كانت محتاجة إجابات من الراجل اللي وقف قدامها سبع سنين كاملة من غير ما يعرف حتى إنها موجودة.
مجدي نزل إيده ببطء، وبان عليه إنه لأول مرة في حياته مش عارف يتصرف إزاي.
وفجأة، سالي قامت من مكانها.
قالت بصوت حاد:
«كفاية بقى! مش معقول هنحوّل حفل أطفال لمشكلة عائلية قدام الناس كلها».
بصيت لها وقلت:
«إنتِ آخر واحدة من حقها تطلب مني أسكت».
وشها احمر من الغضب، لكنها ما ردتش.
كملت وأنا باصة في عينيها:
«إنتِ كنتِ صاحبتي. كنتِ بتدخلي بيتي، وبتاكلي من أكلي، وكنتِ عارفة كل تفاصيل حياتي. ومع ذلك، اخترتي تبقي مع جوزي، ولما كنت بولد بنته، خليتيه يسيبني لوحدي».
سالي هزت راسها بعصبية.
«إنتِ مش فاهمة اللي حصل وقتها».
قلت لها:
«يمكن. لكن فيه حاجة واحدة أنا فاهمها كويس. إنك كنتِ عارفة إني مراته، وإنه كان عنده بنت بتتولد في نفس اللحظة اللي كنتِ إنتِ فيها بتستقبلي ابنك».
مجدي رفع صوته لأول مرة:
«سالي، كفاية!»
لفت له بسرعة، وكأنها ما صدقتش إنه وقف ضدها.
لكن قبل ما أي حد يتكلم، ظهر رجل كبير في السن من بين الحضور.
كان الأستاذ فؤاد الشافعي، والد مجدي ورئيس مجلس إدارة مجموعة الشافعي.
طلع على المسرح بخطوات بطيئة، ووقف جنب ابنه.
بص ليلى لفترة طويلة، وبعدها بص لمجدي وقال:
«إيه اللي بيحصل هنا؟ وإيه حكاية البنت دي؟»
مجدي رد بصوت مضطرب:
«دي بنتي يا بابا».
الأستاذ فؤاد اتجمد مكانه.
«بنتك؟ وإنت بتقول الكلام ده دلوقتي ليه؟»
مجدي بص له بعجز.
«أنا ما كنتش أعرف إنها موجودة».
لكن والده ما اقتنعش بسهولة.
لف ناحيتي وسألني:
«يا بنتي، الكلام ده حقيقي؟»
قلت:
«أيوه. ليلى بنت مجدي. وأنا ما أخفيتش عنه وجودها عمدًا، لكن بعد اللي حصل في المستشفى، طلبت الطلاق، وسافرت بعيد، وبدأت حياتي من جديد».
فؤاد فضل ساكت، وبعدها وجه كلامه لابنه:




