
الجزء التاني: الحقيقة اللي داليا كانت بتحاول تدفنها من عشر سنين
فارس وقف قدامي، وعينيه بتتنقل بين الظرف اللي في إيدي ووشوش الأطفال الخمسة.
وبصوت مخنوق سألني:
«نورهان… الأطفال دول ولادي؟»
السؤال نزل على المكان كله زي الصاعقة.
الناس اللي كانت واقفة حوالينا بدأت تبص لبعضها، وفيه ناس قربت علشان تسمع.
أما داليا الشربيني، فكانت واقفة ووشها متغير، وبتحاول تسيطر على أعصابها.
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقلت:
«إنت محتاج تسألني السؤال ده بعد عشر سنين يا فارس؟»
هز راسه وهو مش قادر يستوعب.
«يعني إيه؟ أنا مش فاهم… إنتِ بتقولي إن دول ولادي فعلًا؟»
بصيت لأولادي، وبعدها رجعت بصيت له.
«أيوه يا فارس، دول ولادك. الخمسة اللي إنت حرمت نفسك منهم بإيدك، واللي كبروا من غير ما يعرفوا أبوهم مين.»
حط إيده على راسه، وكأنه بيحاول يستوعب الكلام.
أما داليا، فتدخلت بسرعة وقالت:
«متصدقهاش يا فارس! دي راجعة بعد عشر سنين علشان تستغل وفاة أبوك وتاخد نصيب من الميراث. هي عمرها ما اتغيرت!»
لفيت ناحيتها وقلت:
«لسه بتكدبي بنفس الثقة القديمة يا داليا؟ واضح إن السنين مغيرتش فيكي حاجة.»
صرخت:
«أنا مش هسمحلك تبوظي العيلة دي!»
ضحكت بهدوء وقلت:
«العيلة دي إنتِ اللي بوظتيها من زمان، وأنا مش جاية أعمل أي حاجة غير إني أقول الحقيقة.»
فتحت الظرف وطلعت أول ورقة.
كانت نتيجة تحليل إثبات النسب.
مديتها لفارس.
مسكها بإيد بتترعش، وبدأ يقرأ السطور أكتر من مرة.
وبعدين رفع عينيه ليا.
«التحليل ده بيقول إن نسبة الأبوة 99.99%…»
قلت له:
«بالضبط.»
قعد على أقرب كرسي، وكأنه رجليه مبقتش قادرة تشيله.
آدم، ابني الكبير، قرب مني وسألني بصوت واطي:
«ماما، هو ده بابا؟»
السؤال ده وجع قلبي أكتر من أي حاجة حصلت في حياتي.
نزلت لمستواه، ومسحت على شعره وقلت:
«أيوه يا حبيبي، ده أبوكم.»
فارس سمع الكلام، ورفع عينيه ناحية آدم.
حاول يقرب منه، لكن آدم رجع خطوة لورا واستخبى جنبي.
المنظر ده كسر حاجة جواه.
قال بصوت مبحوح:
«أنا أبوكم… أنا آسف.»
لكن قبل ما أي حد يرد، داليا خطفت الورقة من إيده وبصت فيها بسرعة.
وبعدين قالت:
«الورقة دي ممكن تكون مزورة! أي حد يقدر يطبع ورقة ويحط عليها اسم معمل!»
طلعت الورقة التانية من الظرف.
كانت إيصال الفندق اللي حصلت فيه الحكاية اللي دمرت جوازي.
وقلت:
«فاكرة الليلة دي يا داليا؟»
اتجمدت مكانها.
فارس بص للإيصال، وبعدها بص لها.
«إيه حكاية الفندق؟»
خدت نفس عميق وبدأت أحكي.
من عشر سنين، كنت حامل في شهري التالت، وكنت مستنية اليوم اللي أقول فيه لفارس إننا هنكون عيلة كبيرة.
لكن في يوم رجع البيت ومعاه صورة ليا وأنا داخلة فندق في القاهرة.
الصورة كانت متاخدة من بعيد، ومكنش ظاهر فيها الشخص اللي معايا.
فارس وقتها مكنش عايز يسمع أي تفسير.
قال إن حد بعتله صور تثبت إني بخونه، وإنه مش مستعد يعيش مع واحدة زيي.
حاولت أشرح له إن الشخص اللي كان معايا هو محامي العيلة، وإننا كنا بنتكلم بخصوص أوراق أرض تخص والده.
لكن داليا ظهرت فجأة، وقالت إنها عندها دليل تاني.
وقدمت إيصال حجز باسم رجل غريب، وادعت إني قضيت معاه ليلة كاملة.
فارس صدقها.
وفي أقل من أسبوع، كنت خارج البيت بشنطة هدومي، وورق الطلاق وصلني بعدها بأيام.
لكن اللي محدش كان يعرفه إنني في نفس الليلة كنت اكتشفت سر خطير.
داليا كانت بتزور توقيع والد فارس على أوراق بيع ممتلكات، وكنت محتفظة بنسخة من المستندات اللي تثبت ده.
ولما واجهتها، هددتني إنها هتدمر حياتي لو اتكلمت.
وبالفعل نفذت تهديدها.
بصيت لفارس وقلت:
«أنا مكنتش في الفندق مع راجل غريب. أنا كنت بحاول أحمي أبوك من عملية نصب كبيرة، والشخص اللي كان معايا كان محامي العيلة، وإيصال الفندق اللي قدمته داليا كان باسم شخص تاني خالص.»
فارس بص لداليا بذهول.
«إنتِ قلتيلي وقتها إنك شفتي نورهان بنفسك!»
داليا بدأت تتلعثم.
«أنا… أنا كنت بحاول أحميك منها.»
رديت عليها:
«تحمِيه مني؟ ولا تحمي نفسك من إن الحقيقة تظهر؟»
طلعت آخر ورقة من الظرف.
كانت إقرار موثق من موظف الاستقبال بالفندق، ومعاه نسخة من سجل النزلاء الأصلي، واللي أثبت إن اسمي مكنش موجود في الحجز من الأساس.
والأهم من كده، إن الشخص اللي كان حاضر مع داليا في الليلة دي هو اللي طلب تجهيز الإيصال المزور.
فارس بدأ يقلب الورق، وكل صفحة كانت بتكشف له كذبة جديدة.
وبعدين رفع عينيه وسألها:
«داليا… قوليلي إن الكلام ده مش حقيقي.»
لكنها فضلت ساكتة.
وفي اللحظة دي، ظهر راجل كبير في السن من وسط الناس.
كان عم صابر، مدير حسابات الحاج عبد الرحمن القديم.
قرب من فارس وقال:
«أنا كنت مستني اليوم ده من سنين يا ابني.»
فارس قام من مكانه.
«إنت عارف حاجة يا عم صابر؟»
هز الراجل راسه وقال:
«أبوك الله يرحمه كان عارف إن فيه ظلم حصل لنورهان. وقبل وفاته بشهور، طلب مني أدوّر على ملف قديم كان مخبيه في خزنة مكتبه.»
وبعدين بص لداليا وأضاف:
«والملف ده فيه اسم الشخص اللي ساعدها في تزوير الأوراق.»
داليا رجعت خطوة لورا.
ولأول مرة من بداية الجنازة، ظهر الخوف الحقيقي في عينيها.
فارس قرب من عم صابر وسأله:
«مين الشخص ده؟»
عم صابر بص ناحيتها، وبعدها قال جملة خلت داليا تحط إيدها على بقها من الصدمة:
«الشخص اللي ساعد داليا يا فارس… مش غريب عن عيلتك. ده واحد من أقرب الناس ليك، وكنت بتثق فيه أكتر من أي حد.»
لكن مين الشخص اللي خان فارس من أقرب الناس ليه؟ وليه الحاج عبد الرحمن احتفظ بالسر ده لحد وفاته؟
يتبع…
الجزء الثالث: الخيانة اللي جت من أقرب الناس
فارس فضل واقف مكانه، وكأنه مش قادر يستوعب آخر جملة قالها عم صابر.
بص له وسأله بعصبية:
«تقصد مين يا عم صابر؟ مين الشخص اللي كان بيساعد داليا؟»
عم صابر سكت شوية، وبعدين قال:
«أخوك يا فارس… شريف المنشاوي.»
الاسم وقع على فارس زي الصاعقة.
شريف كان أخوه الأصغر، والشخص اللي كان بيثق فيه أكتر من أي حد. كان بيعتبره صاحبه قبل ما يكون أخوه، وكان دايمًا بيدافع عنه قدام العيلة.
فارس هز راسه بعدم تصديق.
«مستحيل… شريف ملوش علاقة بالموضوع ده.»
عم صابر رد بهدوء:
«أنا نفسي كنت أتمنى يكون الكلام ده مش حقيقي، لكن أبوك ساب تسجيل بصوته، ومعاه مستندات تثبت كل حاجة.»
داليا بدأت تتحرك ناحية بوابة المقابر، لكن فارس وقفها.
«استني مكانك! محدش هيمشي قبل ما أفهم الحقيقة.»
قالت بعصبية:
«إنت هتصدق كلام راجل كبير في السن، وتنسى كل اللي عملته علشانك؟»
رد فارس لأول مرة بصوت عالي:
«أنا عايز أسمع الحقيقة، مش عايز أسمع تبريراتك!»
عم صابر فتح حقيبته القديمة وطلع منها ظرف بني، مكتوب عليه بخط الحاج عبد الرحمن:
إلى ابني فارس… لا تفتح هذا الظرف إلا عندما تعرف أن نورهان بريئة.
فارس مسك الظرف بإيد مرتعشة.
فتح الورقة وبدأ يقرأ.
وكان مكتوب فيها:
«ابني فارس…
لو الورقة دي وصلت لإيدك، يبقى غالبًا أنا مشيت من الدنيا، ولسه إنت ماعرفتش الحقيقة اللي حاولت أوصلهالك سنين.
أنا ظلمت نورهان بسكوتي، وده أكتر شيء ندمت عليه في حياتي.
البنت دي كانت بتحاول تحمي العيلة، لكن للأسف إحنا صدقنا كلام الناس ورفضنا نسمعها.
شريف كان بيواجه مشاكل مالية كبيرة، وداليا استغلت ضعفه، واتفقوا مع بعض علشان يبعدوا نورهان عنك، ويستولوا على جزء من أملاك العيلة.
أنا اكتشفت الموضوع متأخر، ولما حاولت أواجههم، اتقال لي إن نورهان سافرت ومش عايزة ترجع.
لكن الحقيقة إنها اتطردت وهي حامل، ومحدش فينا حاول يعرف راحت فين أو حصل لها إيه.
سامحني يا ابني، لأني كنت جبان وسكت وقت ما كان لازم أتكلم.»
فارس نزل الورقة من إيده، وعينيه امتلأت بالدموع.
بص لداليا وقال:
«إنتِ وشريف عملتوا فيا كده؟»
داليا ردت بسرعة:
«أنا كنت بحبك يا فارس!»
ضحكت بمرارة وقلت:




