
الجزء الثاني: حماتي دخلت المركز وقررت ترتيب الإدارة! تاني يوم الصبح، وصلت مركز المنشاوي التخصصي للأسنان قبل الساعة سبعة، زي عادتي. كنت متوقعة إن اللي حصل في البيت مجرد تباين في وجهات النظر بيني وبين فوزية وكريم، وإن الأمور ممكن تهدى بعد ما يفهموا إني أفضل ألا يتداخل العمل الشخصي مع الإدارة المهنية.
لكن أول ما دخلت من الباب الرئيسي، حسيت إن فيه حركة غير معتادة.
موظفة الاستقبال كانت واقفة متوترة، وموظفين كتير متجمعين قدام مكتب الحسابات، بيتكلموا بصوت هادي.
ناديت على نهى، مديرة الاستقبال، وسألتها:
«فيه إيه يا نهى؟ هو حصلت مشكلة؟»
بصتلي بتردد وقالت:
«بصراحة يا دكتورة مريم، مدام فوزية وصلت من بدري، وطلبت من الأستاذ سامح، كبير المحاسبين، إنه يعاونها في مراجعة بعض الملفات المالية. ولما رفض لحد ما يتأكد من حضرتك، حدث نقاش بينهم ودّي لكنه كان حاد شوية!»
حسيت بقلق بسيط في عروقي.
سامح كان شغال مع أبويا من أكتر من خمسة عشر سنة، وكان من أكتر الناس أمانة وإخلاصًا في المركز. وهو اللي ساعدني أرتب الحسابات بعد وفاة أبويا، وكان عارف تفاصيل كل جنيه دخل المركز أو خرج منه.
مشيت بسرعة ناحية مكتب الحسابات.
وأول ما وصلت، سمعت صوت فوزية الجاد جاي من جوه.
«أنا قلتلك تراجع الحاجات دي وتخلص بدري! إنت مش فاهم إننا بنحاول نطور الإدارة؟»
دخلت المكتب، ولقيت سامح واقف قدام مكتبه، وشه متوتر لكنه ثابت في مكانه، بينما حماتي قاعدة على كرسيه، وقدامها مجموعة من الملفات.
رفعت صوتها أول ما شافتني:
«كويس إنك جيتي يا مريم. وفّري علينا نقاشات طويلة، وخلّي الموظف ده يتعاون معانا في تسليم العهدة المؤقتة.»
رفعت إيدي وقلت بهدوء وحزم:
«محدش هيسلم حاجة من غير تنسيق معي يا فوزية! إنتِ مالكيش صفة رسمية لتغيير نظام العمل في المركز.»
قامت من مكانها، وبصتلي بغضب لطيف.
«إنتِ بتتكلمي معايا بالطريقة دي؟ أنا بساعدكم كمديرة تنفيذية جديدة مقترحة!»
رديت عليها من غير ما أرفع صوتي:
«مين عيّنك؟ فين قرار التعيين؟ وفين موافقة الإدارة على نقل الصلاحيات؟»
ضحكت بسخرية وقالت:
«إنتِ فاكرة إن الأمور ماشية بالأوراق الرسمية بس؟ فيه ترتيبات تانية، وإنتِ هتفهمي قريب.»
وبعدين لفتت ناحية سامح وقالت:
«إنت محتاج تراجع موقفك، وتقدر تاخد وقتك وترتاح!»
في اللحظة دي، سامح بصلي وقال:
«يا دكتورة، أنا مش هسلم أي ملفات مالية أو بيانات سرية لأي شخص من غير تفويض رسمي. ده واجبي، حتى لو تطلب الأمر مراجعة موقفي.»
حسيت باحترام كبير ناحيته.
وقلت لفوزية:
«سمعتي؟ الراجل بيحافظ على أسرار المركز وحقوقه، وده شيء المفروض نشكره عليه، مش نضغطه بالشكل ده.»
لكن حماتي ما كانتش مستعدة تتراجع.
فتحت شنطتها، وطلعت ورقة مطبوعة، ورمتها على المكتب قدامي.
«اتفضلي! دي ورقة تثبت إن كريم بقى له دور في الإدارة المالية والتجارية. وبصفتنا بنساعد في التطوير، من حقنا إعادة هيكلة الموظفين.»
مسكت الورقة وبدأت أقرأها.
كانت عبارة عن خطاب داخلي مكتوب عليه اسم المركز، وفيه كلام عن تعيين كريم مسؤولًا عن التطوير التجاري.
لكن مفيش توقيعي، ولا توقيع إدارة معتمدة، ولا أي ختم قانوني يثبت إن القرار صدر من جهة مختصة.
رفعت عيني وقلت:
«الورقة دي ملهاش أي قيمة إدارية لو مفيش سند رسمي بيديكي الحق في إصدارها.»
خبطت فوزية بإيديها على المكتب.
«إنتِ هتندمي على أسلوبك المتحفظ ده! كريم جوزك، والبيت واحد. يعني من حقنا نشارك في تنظيم شغلك.»
بصيت لها بصدمة.
«شؤون البيت حاجة، وملكية المركز حاجة تانية خالص. جوازي من كريم مش معناه إنه بقى مالك للمركز، ولا معناه إنك بقيتي مسؤولة عن موظفيني.»
كريم دخل المكتب في اللحظة دي، وكان واضح من تعبير وشه إنه سمع جزءًا من الكلام.
قرب مني وقال بصوت هادي:
«مريم، خلينا نتكلم بعيد عن الموظفين. إنتِ مكبّرة الموضوع ليه؟ إحنا بنحاول نخفف عنك المسؤولية.»
رديت عليه:
«لو كنت فعلًا عايز تخفف عني المسؤولية، كنت تناقشت معاي قبل ما تحاول تغيّر إدارة المركز.»
اتغيرت ملامحه، وبص ناحية أمه.
فوزية تدخلت بسرعة:
«خلاص يا كريم، سيبها. واضح إنها مفضلة تشتغل بالطريقة القديمة.»
وبعدين بصتلي وقالت ببرود:
«عندك وقت لحد آخر النهار عشان تفكري بهدوء. يا إما نتعاون في الإدارة، يا إما هتتحملي نتيجة التمسك برأيك.»
خرجت من المكتب وهي بتشد شنطتها، وكريم مشي وراها.
أما أنا، ففضلت واقفة مكاني، بحاول أستوعب طريقة نقاشهم الغريبة.
بعد ما اتأكدت إن سامح بخير، طلبت منه يقفل الملفات المالية ويحافظ على نسخها الاحتياطية، من غير ما ينقل أي بيانات أو يغيّر أي سجلات.



