
### الجزء الثاني: الحقيقة اللي حاولت أهرب منها
فضلت واقف جنب مكتب التمريض، وكل دقيقة كانت بتمر عليّا كأنها ساعة كاملة.
كنت بحاول أقنع نفسي إن وجود ليلى في المستشفى مجرد صدفة، وإن الطفل اللي سمعتها بتتكلم عنه ملوش أي علاقة بيا أو بالماضي اللي حاولت أنساه.
لكن قلبي كان بيقول لي إن فيه حاجة مش طبيعية.
بعد حوالي عشر دقايق، خرجت ممرضة من باب الحضانة، وكانت شايلة ملف أزرق في إيدها. بصت حواليها، ولما شافتني واقف، سألتني:
— حضرتك لسه مستني الدكتورة ليلى؟
هزيت راسي وقلت:
— أيوه، لو سمحتِ، أنا محتاج أتكلم معاها ضروري.
ردت بهدوء:
— الدكتورة مشغولة دلوقتي مع طفل حالته محتاجة متابعة دقيقة. أول ما تخلص، هبلغها إن حضرتك موجود.
سألتها من غير ما أفكر:
— الطفل ده عنده إيه؟
الممرضة بصت لي باستغراب.
— حضرتك قريبه؟
اترددت شوية، وبعدين قلت:
— لأ، بس أنا أعرف الدكتورة من زمان.
ابتسمت ابتسامة بسيطة وقالت:
— ربنا يشفيه ويطمن أهله عليه.
ومشيت.
فضلت واقف مكاني، لكن كلمة «أهله» فضلت تتردد في ودني.
مين أهل الطفل ده؟
وليه ليلى كانت متوترة بالشكل ده؟
وفجأة، افتكرت آخر مرة اتقابلنا فيها.
قبل ثمانية شهور، كنت أنا وليلى بنجهز لجوازنا.
كنا عارفين بعض من سنين، وكنت دايمًا بفتخر إنها اختارتني من بين كل الناس. كانت دكتورة ناجحة، محترمة، وبتحب شغلها، ومع ذلك كانت بتلاقيني وقت ما أحتاجها.
كنت شايف إن حياتنا ماشية زي ما تمنينا.
لحد اليوم اللي عرفت فيه إنها حامل.
في البداية، اتصدمت، لكن الصدمة اتحولت لغضب لما افتكرت إننا ما كناش متجوزين رسميًا وقتها، وإننا كنا متفقين نستنى لحد ما نخلص تجهيزات الجواز.
واجهتها، وسألتها عن الحمل.
افتكرت إنها هتشرح لي حاجة تطمني، أو هتقول إن فيه خطأ في التحاليل.
لكنها بصت لي بعينين مليانين دموع وقالت:
— عمر، أنا محتاجة منك تسمعني للآخر، وبعدها احكم عليّا زي ما إنت عايز.
ما سمعتهاش.
كنت متأكد إن فيه حاجة غلط، وبدل ما أديها فرصة تشرح، بدأت أوجه لها اتهامات قاسية.
قلت لها إني مش ممكن أكون أب لطفل مش عارف حكايته، وإنها لازم تقول لي مين الراجل التاني.
ليلى فضلت ساكتة للحظات، وكأنها مش مصدقة الكلام اللي سمعته مني.
وبعدين قالت بصوت مكسور:
— إنت فعلًا فاكر إني ممكن أعمل فيك كده؟
رديت بعصبية:
— أمال عايزاني أفهم إيه؟!
قربت مني خطوة، وقالت:
— أنا مش هترجاك تصدقني، بس في يوم هتعرف الحقيقة بنفسك، وساعتها مش عايزاك تيجي تقول لي إنك كنت مضغوط أو إنك اتسرعت.
كان المفروض أسألها عن الحقيقة.
كان المفروض أهدى وأسمعها.
لكن كبريائي كان أقوى من عقلي.
أنهيت علاقتنا في نفس اليوم، ورفضت حتى إني أسمع منها أي تفسير تاني.
وبعدها بفترة قصيرة، اتعرفت على مريم، ومع الوقت قررت أخطبها، وأنا بحاول أقنع نفسي إن اللي حصل مع ليلى بقى مجرد صفحة واتقفلت.
لكن الحقيقة إن الصفحة دي ما اتقفلتش أبدًا.
رجعت للحاضر على صوت باب الحضانة وهو بيتفتح.
خرجت ليلى، وكانت لابسة بالطو أبيض، وشعرها مربوط للخلف، وعلى وشها علامات إرهاق واضحة.
كانت بتتكلم مع ممرضة، وبتديها تعليمات عن متابعة حالة الطفل.
وفجأة، رفعت عينيها وشافتني.
سكتت في نص كلامها.
الممرضة بصت لها، وبعدين بصت لي، وقالت:
— دكتورة ليلى، حضرتك تعرفي الأستاذ؟
ليلى ما ردتش فورًا.
فضلت باصة لي، بنظرة عمري ما شفتها منها قبل كده.
ما كانتش نظرة حب، ولا حتى كراهية صريحة.
كانت نظرة إنسانة شافت الشخص اللي وجعها، بعد ما قضت شهور طويلة بتحاول تتعافى من اللي عمله فيها.
قالت للممرضة:
— أيوه، أعرفه.
وبعدين طلبت منها تراجع المؤشرات الحيوية للطفل، قبل ما تلتفت لي وتقول ببرود:
— إنت بتعمل إيه هنا يا عمر؟
حاولت أتكلم، لكن الكلمات اتلخبطت في بقي.
قلت أخيرًا:
— أنا جاي أزور خطيبتي، وشفتك بالصدفة.
ردت بسرعة:
— كويس. يبقى الزيارة خلصت، وتقدر ترجع لها.
كلامها وجعني، لكني كنت عارف إني ما عنديش حق ألومها.
قلت لها:
— ليلى، أنا محتاج أتكلم معاكي.
ضحكت ضحكة قصيرة، من غير أي فرحة.
— محتاج تتكلم معايا؟ بعد ثمانية شهور؟
نزلت عيني، وقلت:
— عارف إني غلطت.
ردت بحزم:
— لأ يا عمر، إنت مش فاهم إنت عملت إيه.
حاولت أقرب منها، لكنها رفعت إيدها تمنعني.
— مش هنا. أنا في شغلي، وعندي طفل محتاجني.
وبعدين اتحركت ناحية باب الحضانة.
لكن قبل ما تدخل، وقفت فجأة، وكأنها افتكرت حاجة.
لفت ناحيتي وقالت:
— على فكرة، إنت لسه بتفتكر إنك كنت الضحية في الحكاية دي؟
رفعت رأسي وبصيت لها.
ما عرفتش أرد.
قالت وهي بتبص في عيني مباشرة:
— لما تعرف الحقيقة كاملة، هتفهم إنك ما ظلمتنيش أنا وبس.
وبعدين دخلت الحضانة وقفلت الباب وراها.
فضلت واقف مكاني، وجملتها بتدور في دماغي.
ما ظلمتنيش أنا وبس.
مين كمان ظلمته؟
وإيه اللي كانت مخبياه عني؟
بعد حوالي نص ساعة، كنت لسه في الممر لما ممرضة خرجت من الحضانة ونادت باسمي.
— أستاذ عمر؟
قمت بسرعة.
— أيوه، أنا.
قالت:
— الدكتورة ليلى طلبت مني أدي لحضرتك الورقة دي، وقالت إنك هتفهم كل حاجة لما تقراها.
مدت إيدها وناولَتني ظرفًا أبيض صغيرًا.
كان مكتوب عليه اسمي بخط ليلى.
إيدي بدأت ترتعش وأنا بفتح الظرف.
جواه كان فيه جواب من ورقتين، ومعاه صورة صغيرة لمستند طبي.
بدأت أقرأ أول سطر:
«عمر،
لو الورقة دي وصلت لإيدك، يبقى أخيرًا بقى فيه سبب يخليك تسمع الحقيقة اللي رفضت تسمعها يوم ما وقفت قدامك وطلبت منك تديني فرصة أشرح.
أنا مش بكتب لك علشان أرجعك لحياتي، ولا علشان أطلب منك تسامحني.
أنا بكتب لك لأن فيه حقيقة تخص طفل، والطفل ده مالوش ذنب في أي حاجة حصلت بينا».
وقفت عن القراءة.
طفل؟
قلبي بدأ يدق بسرعة، وبصيت على المستند الطبي المرفق بالجواب.
كان فيه تاريخ، وبيانات طبية، ومعلومات عن الحمل والولادة المبكرة.
لكن قبل ما أقدر أفهم كل التفاصيل، عيني وقعت على السطر اللي تحت.
السطر اللي خلاني أحس إن رجلي مش شايلاني.
كان مكتوب فيه:
«يوم ما اتهمتني إني حامل من راجل تاني، كنت بحاول أقول لك إن الطفل ده ابنك إنت يا عمر… لكنك مشيت قبل ما تسمع باقي الكلام».
وقعت الورقة من إيدي.
فضلت باصص لها على الأرض، ومش قادر أستوعب اللي قريته.
ابني؟
هل ممكن أكون أب لطفل عمره دلوقتي شهور، وأنا ما أعرفش عنه أي حاجة؟
وهل الطفل اللي جوه الحضانة هو ابني فعلًا؟
رفعت عيني ناحية الباب المقفول، وحسيت لأول مرة إن الخوف اللي جوايا أكبر بكتير من أي ندم حسيت بيه في حياتي.
لكن الجواب ما كانش خلصان.
كان لسه فيه صفحة تانية.
ولما انحنيت والتقطتها من الأرض، اكتشفت إن الحقيقة اللي مستنياني في السطور الجاية أخطر بكتير من مجرد طفل اتولَد من غير ما أعرف عنه.
لأن ليلى كانت كاتبة في آخر الصفحة الأولى:
«فيه سبب واحد خلاني ما حاولتش أوصلك بعد ما سبتني، وسبب تاني خلاني أقرر إني لازم أقول لك الحقيقة دلوقتي… والسببين دول مرتبطين باللي حصل ليلة ما عرفت إني حامل».
يتبع في الجزء الثالث…
### الجزء الثالث: السر اللي خبّته ليلى لمدة 8 شهور
فضلت ماسك الجواب وإيدي بتترعش، وعقلي مش قادر يستوعب اللي قريته.
ابني؟
يعني كل الشهور اللي فاتت كنت عايش حياتي بشكل طبيعي، بخطط لجوازي من مريم، بينما ممكن يكون عندي طفل من الست اللي اتهمتها بالخيانة ومشيت من حياتها من غير ما أسمعها؟
رجعت أقرأ السطور مرة تانية، يمكن أكون فهمت غلط، لكن الكلام كان واضح.
ليلى كانت بتقول إن الطفل ابني.
رفعت عيني ناحية باب الحضانة، وقررت إني مش همشي قبل ما أعرف الحقيقة كاملة.
لكن قبل ما أتحرك، سمعت صوت مريم بينادي عليّا من آخر الممر.
— عمر! إنت هنا؟ أنا بدور عليك من بدري!
لفيت ناحيتها بسرعة، وحاولت أخبي الجواب في جيبي.
قربت مني وهي بتبص لوشي باستغراب.
— مالك؟ إنت شاحب كده ليه؟ حصلت حاجة؟
قلت بسرعة:
— لأ، مفيش حاجة. بس قابلت دكتورة أعرفها من زمان.
ابتسمت وقالت:
— طب يلا نرجع الأوضة. ماما مستنيانا، والدكتور قال إني ممكن أخرج كمان شوية.
هزيت راسي، لكن رجلي ما اتحركتش.
بصت لي مريم بتركيز، وبعدين سألتني:
— عمر، إنت بتخبي عني حاجة؟
السؤال خلاني أتوتر أكتر.
كنت طول عمري بعتبر نفسي شخص صريح، لكن في اللحظة دي اكتشفت إني مش قادر أقول لخطيبتي إن فيه احتمال يكون عندي طفل من امرأة تانية.
قلت لها:
— محتاج أخلص موضوع هنا الأول. ارجعي الأوضة وأنا هحصلك.
ملامحها اتغيرت.
— موضوع إيه اللي ظهر فجأة؟ وإنت أصلًا تعرف الدكتورة دي منين؟
سكت لحظات، وبعدها قلت:
— دي ليلى منصور.
أول ما سمعت الاسم، ابتسامتها اختفت.
كانت تعرف إن ليلى هي المرأة اللي كنت مرتبط بيها قبلها، وإن علاقتنا انتهت بشكل مفاجئ، لكني عمري ما حكيت لها كل التفاصيل.
قالت بصوت هادي، لكنه مليان شك:
— هي هنا ليه؟ وإنت عايز منها إيه؟
بصيت ناحية باب الحضانة وقلت:




