قصص وروايات

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

الجزء الثاني

فضل آدم واقف قدامي في وضع التحية العسكرية، والقاعة كلها غرقت في صمت غريب.

أبويا كان باصص له ومش مصدق اللي شايفه، ومحمود وشه اتقلب، ونهى كانت بتبص مرة لجوزها ومرة ليا، وكأنها بتحاول تفهم إيه اللي بيحصل.

أبويا كان أول واحد قدر يتكلم.

قال بصوت متردد: “آدم… إنت بتعمل إيه؟”

آدم نزل إيده بهدوء، ووقف باستقامة، وبص لأبويا باحترام وقال:

“بؤدي التحية لواحدة من أهم الشخصيات اللي اتعاملت معاها في ملف تأمين أنظمة الاتصالات البحرية.”

أبويا عقد حواجبه وقال: “تقصد مريم؟”

آدم رد من غير تردد: “أيوه يا فندم، أقصد مريم.”

محمود ضحك ضحكة مصطنعة وقال: “أكيد فيه سوء تفاهم. دي مريم أختي، شغلها كله على الكمبيوتر من البيت، وإحنا أصلًا مش عارفين هي بتعمل إيه!”

آدم لف ناحيته وقال بهدوء: “واضح إنكم مش عارفين فعلًا.”

وبعدين رجع بصلي وقال:

“أستاذة مريم، أتمنى تكوني بخير. لسه فاكر المراجعة الفنية اللي حضرتيها من ست شهور. تدخل فريقك وقتها ساعد في اكتشاف ثغرات خطيرة كان ممكن تتسبب في تعطيل منظومة اتصالات كاملة.”

أبويا حط إيده على الترابيزة وسأل بسرعة:

“يعني إيه الكلام ده؟”

آدم رد: “يعني إن الفريق اللي كانت بتشرف عليه مريم ساهم في تأمين أنظمة حساسة، وإن شغلهم كان على مستوى احترافي عالي جدًا. واسمها كان موجود في التقرير الفني النهائي باعتبارها المسؤولة عن الإشراف على الاختبارات.”

نهى بصتلي بدهشة: “مريم… إنتِ عمرك ما قلتيلي الكلام ده!”

ابتسمت ابتسامة صغيرة وقلت: “قلتلِك قبل كده إني بشتغل في مجال الأمن السيبراني، لكن محدش كان مهتم يسمع.”

أمي تدخلت بسرعة، وكأنها بتحاول تنقذ الموقف:

“يا حبيبتي إحنا بس كنا بنهزر معاكي. إنتِ عارفة إن محمود دمه خفيف.”

بصيتلها وقلت: “هو أنا اللي ضحكت؟”

سكتت أمي.

آدم طلب الإذن من صاحب القاعة إنه يقعد معانا، وبعدها سحب كرسي وقعد جنبي.

محمود كان واضح إنه مش قادر يستوعب إن الشخص اللي دخل القاعة بزيه الرسمي وخلّى أبويا يفتخر بيه طول الليلة، اختار يقعد جنبي أنا.

فقال بسخرية: “طيب بما إن مريم طلعت شخصية مهمة أوي، يا ترى بتقبض كام بقى؟”

آدم بصله وقال: “مش من حقي أتكلم عن مرتبها أو تفاصيل تعاقدها، لكن أقدر أقولك إن طبيعة مسؤولياتها أكبر بكتير من مجرد وظيفة عادية.”

وبعدين أضاف: “وفيه حاجة مهمة لازم تعرفوها. في شغلنا، مش كل شخص بيظهر على الشاشات أو بيتكلم عن إنجازاته بيكون هو صاحب الإنجاز الحقيقي. أحيانًا أهم الناس هم اللي محدش يعرف أسماءهم.”

الكلام ده خلّى أبويا ينزل عينيه ناحية طبقه.

لكن محمود مكانش مستعد يستسلم.

قال: “يعني إنتوا بتدفعوا فلوس لناس تقعد في البيت وتقول إنها بتحمي البلد؟”

المرة دي ما قدرتش أسكت.

بصيتله وقلت: “محمود، أنا عمري ما قللت من شغلك، ولا سخرت من خدمتك، رغم إني كنت أقدر أتكلم عن مواقف كتير. لكن إنت من أول ما وصلت، ما عملتش غير إنك تحاول تهينني.”

وبعدين كملت: “أنا مش محتاجة أشرحلك شغلي علشان أحصل على احترامك.”

آدم أومأ برأسه موافقًا على كلامي.

وفي اللحظة دي، أبويا قرر يغيّر الموضوع.

رفع كوباية العصير وقال: “المهم، إحنا عيلة واحدة، وكلنا بنخدم بلدنا بطريقتنا.”

لكن قبل ما يكمل، آدم قال جملة خلت كل الموجودين يرجعوا يبصوا لي تاني:

“على فكرة يا فندم، أنا كنت حابب أستغل وجود مريم النهارده علشان أبلغها إن فيه ترشيح رسمي ليها للمشاركة في مشروع جديد، بعد النجاح اللي حققته في المهمة الأخيرة.”

نهى فتحت عينيها بدهشة.

وأمي سألت: “مشروع جديد؟”

آدم رد: “أيوه، مشروع على مستوى كبير، ومش أي حد يقدر يشارك فيه.”

وبعدين بصلي وقال: “طبعًا القرار يرجع ليكي، لكن الإدارة الفنية شايفة إن وجودك أساسي.”

ابتسمت وقلت: “أنا محتاجة أراجع التفاصيل الأول، وبعدها هرد.”

آدم قال: “وده بالضبط اللي متوقعينه منك.”

لأول مرة في حياتي، حسيت إن حد بيتكلم معايا باعتباري إنسانة لها قيمة، مش باعتباري البنت اللي لازم تبرر وجودها في كل تجمع عائلي.

لكن المفاجأة الحقيقية لسه ما حصلتش.

بعد حوالي عشر دقايق، أبويا طلب من آدم إنه يروح معاه ناحية مدخل القاعة علشان يتكلموا بعيد عن الناس.

أنا ما كنتش سامعة كلامهم، لكن شفت أبويا بيشاور ناحيتي أكتر من مرة.

وبعد شوية رجع آدم لوحده.

قرب مني وقال بصوت منخفض:

“مريم، فيه حاجة لازم تعرفيها.”

سألته: “خير؟”

بص ناحية أبويا ومحمود، وبعدين قال:

“أبوك طلب مني من شوية إني أتكلم معاكي وأقنعك تساعدي محمود في مشكلة كبيرة هو واقع فيها.”

اتجمدت مكاني.

بصيت لآدم وسألته: “مشكلة إيه؟”

رد بهدوء:

“واضح إن أخوكي مش بس كان بيحاول يقلل منك النهارده… ده كمان محتاج مساعدتك في موضوع ممكن تضر مستقبله كله.”

في اللحظة دي، اختفت ابتسامتي.

لأن محمود طول عمره كان بيعتبرني فاشلة، ومش محتاج يسمع مني كلمة.

فإيه اللي حصل فجأة وخلاه محتاج مساعدتي؟

وليه أبويا اختار يخبي الموضوع عني؟

لكن اللي عرفته بعد كده كان أكبر بكتير من مجرد مشكلة وظيفية…

الجزء الثالث

بصيت لآدم وأنا مش قادرة أخفي دهشتي، وسألته:

“محمود محتاج مساعدتي أنا؟ بعد كل اللي عمله معايا؟”

آدم سحب كرسي وقعد جنبي، وقال بصوت منخفض:

“أنا مش عارف تفاصيل كل حاجة، لكن من كلام والدك فهمت إن محمود متورط في مشكلة تخص بيانات إلكترونية وتقارير رسمية، وإن فيه تحقيق داخلي بدأ بالفعل.”

حسيت إن قلبي اتقبض.

سألته: “وإيه علاقتي أنا بالموضوع؟”

رد: “والدك قال إن عندك خبرة في أنظمة الحماية الإلكترونية، وإنك ممكن تعرفي تساعديه.”

ضحكت بسخرية وقلت: “غريبة! طول السنين اللي فاتت كانوا شايفين شغلي وهم، ودلوقتي فجأة افتكروا إني بفهم في الكمبيوتر!”

آدم ما ضحكش، لكنه قال: “مريم، أنا عارف إن اللي حصل النهارده ضايقك، لكن لازم تفصلي بين مشاعرك وبين خطورة الموضوع. لو أخوكي مظلوم، التحقيق هيظهر ده. ولو غلطان، لازم يتحمل نتيجة تصرفاته.”

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى