قصص وروايات

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

هزيت رأسي وقلت: “أنا مش هساعد حد يخفي غلطة، لكن لو فيه حاجة أقدر أعملها بشكل قانوني علشان الحقيقة تظهر، هعملها.”

في اللحظة دي، محمود قرب مننا.

كان واضح عليه التوتر، رغم إنه بيحاول يخفيه.

قال: “مريم، ممكن أتكلم معاكي دقيقتين؟”

بصيتله وقلت: “اتفضل.”

قعد قدامي، وحط موبايله على الترابيزة، وبدأ يتكلم بصوت منخفض:

“بصي، أنا عارف إن اللي حصل من شوية ماكانش لطيف، بس إنتِ أختي في الآخر.”

رديت بهدوء: “كمّل.”

قال: “فيه مشكلة في شغلي. حصلت تغييرات في سجلات إلكترونية خاصة ببعض القضايا، ولقوا إن حساب المستخدم بتاعي هو اللي نفّذ التعديلات.”

سألته: “وإنت عملت التعديلات دي؟”

اتوتر وقال: “أنا ما عملتش حاجة بالشكل اللي هما بيقولوه. أنا كنت بستخدم النظام عادي، وممكن حد يكون دخل على حسابي.”

قلتله: “بلغت مسؤول الأمن المعلوماتي؟”

قال: “أيوه، لكن الموضوع كبر، وطلبوا مني أقدم تفسير رسمي.”

بصيتله وقلت: “طيب، فين المشكلة؟ لو إنت ما عملتش حاجة، قدم الأدلة.”

قرب مني وقال: “أنا محتاجك تراجعي السجلات وتثبتي إن حد دخل على حسابي.”

رديت فورًا: “أنا مش موظفة في جهة عملك، ومش من حقي أدخل على أنظمتكم أو أراجع بيانات من غير تصريح رسمي.”

محمود اتنهد وقال: “يعني مش هتساعديني؟”

قلتله: “هساعدك بالطريقة الصح. خلي جهة التحقيق تطلب مراجعة فنية مستقلة، وأنا ممكن أساعد في توضيح الإجراءات العامة أو ترشيح مختص محايد، لكن مش هلمس أي بيانات من غير تفويض.”

في اللحظة دي، أبويا وصل عندنا.

قال بعصبية: “يا مريم، دي مشكلة أخوكي! مش وقت الكلام الرسمي ده.”

بصيتله وقلت: “يا بابا، أنا مش هخاطر بشغلي ولا هخالف القانون علشان أي حد، حتى لو كان أخويا.”

أبويا رفع صوته: “إنتِ طول عمرك بتكبري المواضيع!”

لكن آدم تدخل وقال: “مريم كلامها صحيح. أي مراجعة للأنظمة لازم تتم بتصريح رسمي، وبطريقة تحفظ الأدلة.”

محمود بص لآدم بضيق وقال: “إنت واقف في صفها ليه؟”

آدم رد بثبات: “أنا مش في صف حد. أنا في صف الإجراءات الصحيحة.”

ساد الصمت مرة تانية.

وبعدها حصل شيء ما كنتش متوقعاه.

أمي قربت مننا، ومسكت إيدي وقالت:

“يا مريم، عشان خاطري، ساعدي أخوكي. إنتِ عارفة إنه مستقبله كله ممكن يضيع.”

بصيتلها وقلت: “طب وأنا يا ماما؟ لما كنت بدفع مصاريف علاجك، ولما كنت بحل مشاكل محمود، ولما كنت بسافر علشان أقف جنب نهى، حد فيكم فكر في مستقبلي؟”

أمي سكتت.

كملت كلامي: “أنا مش زعلانة علشان محدش مدحني، أنا زعلانة لأنكم اعتبرتوا سكوتي وضعف، واعتبرتوا مساعدتي واجب، ولما احتجت كلمة حلوة منكم ما لقيتش.”

نهى كانت واقفة بعيد، ودموعها بدأت تظهر في عينيها.

قربت مني وقالت: “مريم، أنا آسفة. أنا كنت شايفة كل حاجة، وكنت بسكت.”

بصيتلها وقلت: “سكوتك كان بيوجعني أكتر من كلام محمود.”

نهى نزلت عينيها، وما قدرتش ترد.

بعد دقائق، استأذنت من الموجودين وخرجت من القاعة.

آدم لحقني عند الباب وقال: “هتروحي فين؟”

قلت: “هرجع القاهرة. مش قادرة أكمل الليلة دي.”

قال: “أنا هوصلك.”

رفضت في البداية، لكنه أصر إنه يطمن عليا، وبعدها اتفقنا إنه يتواصل معايا لما يرجع.

وأنا في الطريق، موبايلي رن.

كان رقم غير مسجل.

رديت، وسمعت صوت رجل بيقول:

“مساء الخير يا أستاذة مريم، أنا العقيد حسام من إدارة التفتيش والمتابعة. وصلنا اسم حضرتك من خلال النقيب آدم الشناوي.”

اتعدلت في الكرسي وسألته: “خير يا فندم؟”

قال: “إحنا محتاجين نتواصل معاكي بخصوص موضوع أخوكي، لكن فيه معلومة ظهرت أثناء المراجعة الفنية الأولية، وخلتنا نطلب رأي متخصص.”

سألته: “إيه المعلومة دي؟”

سكت ثواني، وبعدها قال:

“التعديلات اللي اتعملت على سجلات القضايا ما حصلتش من جهاز أخوكي بس… فيه محاولة لاستخدام بيانات دخول مرتبطة بحساب تاني.”

حسيت بقلق شديد.

سألته: “حساب مين؟”

جاء رده صادمًا:

“حساب تابع لشخص من داخل عيلتكم، والشخص ده كان على علم بالتفاصيل قبل بداية التحقيق.”

قفلت عيني للحظة.

لأن أول اسم جه في بالي كان اسم شخص واحد.

لكن لما عرفت مين صاحب الحساب، اكتشفت إن المشكلة أكبر بكتير من اللي محمود حكاهولي…

الجزء الرابع والأخير

فضلت ساكتة للحظات بعد ما سمعت كلام العقيد حسام.

وبعدين سألته: “ممكن أعرف اسم صاحب الحساب يا فندم؟”

رد بهدوء: “لسه مش هنقدر نعلن الاسم قبل استكمال الفحص، لكن عندنا مؤشرات قوية إن فيه شخص تاني كان بيستخدم بيانات الدخول بطريقة غير مصرح بيها.”

قلتله: “أنا مستعدة أساعد في حدود اختصاصي، لكن لازم كل حاجة تتم بشكل رسمي.”

قال: “وده المطلوب بالضبط. هنحدد لحضرتك موعد لاجتماع فني بحضور المختصين.”

قفلت المكالمة، وفضلت طول الطريق بفكر في الموضوع.

مين الشخص اللي ممكن يكون متورط؟

وهل محمود فعلًا ضحية حد استغل حسابه، ولا كان عارف أكتر مما قال؟

بعد يومين، رحت الاجتماع في القاهرة، وكان موجود العقيد حسام، وعدد من مسؤولي المراجعة الفنية، ومعاهم ممثل من جهة عمل محمود.

بدأوا يعرضوا ملخص النتائج الأولية.

اكتشفوا إن فيه تعديلات اتعملت على سجلات إلكترونية في أوقات مختلفة، وإن بعض العمليات اتنفذت باستخدام بيانات دخول أكتر من حساب.

لكن المفاجأة كانت إن الحساب التاني مش تابع لمحمود.

كان تابع لشخص عنده صلاحيات إدارية واسعة داخل جهة العمل.

العقيد حسام قال:

“إحنا محتاجين نفهم هل التعديلات دي تمت نتيجة اختراق، ولا فيه شخص استخدم صلاحياته بشكل غير قانوني.”

طلبت منهم يعرضوا سجلات الدخول المتاحة، وبدأت أراجع التوقيتات وتسلسل العمليات، بموجب التصريح الرسمي.

بعد ساعات من الفحص، لاحظت حاجة مهمة.

فيه عمليات اتنفذت في توقيتات كان محمود فيها خارج مقر العمل، لكن ده لوحده ما يثبتش إنه بريء، ولا يثبت إن حسابه اتعرض للاختراق.

طلبت مراجعة سجلات الأجهزة، وسجلات الاتصال، وتاريخ تغيير كلمات المرور.

وبعد مراجعة إضافية، ظهرت مشكلة أخطر.

كان فيه جهاز إداري اتستخدم في تعديل البيانات، رغم إن صاحبه أكد إنه ما دخلش عليه في اليوم ده.

قلت للعقيد حسام:

“لازم نوقف أي استنتاج لحد ما نراجع الجهاز نفسه. السجلات الحالية بتقول إن فيه استخدام غير معتاد للصلاحيات، لكن لسه محتاجين نحدد مين نفذ العمليات فعليًا.”

هز رأسه وقال: “إحنا هنكمل الفحص.”

وفي نهاية الاجتماع، طلب مني أقدم تقريرًا فنيًا مستقلًا عن النتائج اللي ظهرت، من غير ما أوجه اتهام لأي شخص.

وافقت.

بعد أسبوع، اتصل بيا محمود.

كان صوته مختلف تمامًا عن المعتاد.

قال: “مريم، أنا عايز أشكرك.”

سألته: “على إيه؟”

قال: “التحقيق أثبت إن فيه شخص تاني استخدم بيانات دخولي، وإن التعديلات ما كانتش كلها من عندي.”

سكت شوية، وبعدين كمل:

“بس فيه حاجة لازم تعرفيها. أنا كنت عارف إن فيه مشكلة في النظام من فترة، وسكت علشان ما أدخلش نفسي في مشاكل.”

قلتله: “يعني كنت عارف إن فيه خلل، وما بلغتش عنه؟”

قال بصوت منخفض: “أيوه.”

رديت: “محمود، حتى لو ما كنتش أنت اللي عدلت السجلات، سكوتك عن مشكلة بالشكل ده كان تصرف غلط.”

قال: “عارف.”

ولأول مرة، ما حاولش يبرر لنفسه.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى