
الجزء الثاني
أدهم كان واقف في قاعة المؤتمرات، ماسك ورقة الطلاق، ومش قادر يستوعب اللي مكتوب قدامه.
زمايله بدأوا يلاحظوا التغيير اللي حصل في وشه، واحد منهم قرب منه وسأله:
«فيه إيه يا أدهم؟ إنت كويس؟»
طوى أدهم الورق بسرعة وحطه في الملف اللي قدامه، وقال بعصبية:
«مفيش حاجة، مجرد مشكلة عائلية وهتتحل».
لكنه من جواه كان في حالة غضب شديدة.
طلع تليفونه واتصل برقمي القديم، لكن الرقم كان خارج الخدمة.
اتصل تاني، وبعدها بعت رسائل كتير، لكن مفيش أي رد.
في اللحظة دي قرر يتصل بسارة، المحامية اللي اسمها كان مكتوب في أوراق الدعوى.
أول ما ردت عليه، قال بصوت حاد:
«إنتِ إيه اللي بتعمليه ده؟ ملك فين؟ وإزاي ترفعي قضية طلاق من غير ما نتكلم؟»
ردت سارة بهدوء:
«موكلتي اتخذت قرارها، وأي كلام بينك وبينها هيكون عن طريقي».
ضحك أدهم بسخرية وقال:
«قرارها؟ دي مراتي، وأنا عارف إنها لسه تعبانة ومش في وعيها الكامل. خليها ترتاح كام يوم وأنا هتصرف».
سارة ردت عليه بحزم:
«ملك واعية كويس جدًا، ويمكن أكتر منك كمان. وعلى فكرة، هي مش طالبة منك غير حقوقها القانونية».
قفل أدهم المكالمة وهو متعصب.
كان متخيل إن ملك هتفضل مستنياه، وإن غيابه عنها مجرد موقف عابر هتسامحه عليه زي مواقف كتير قبل كده.
لكن المرة دي كانت مختلفة.
في صباح اليوم التالي، استدعاه مدير المستشفى، الدكتور شريف عبدالسلام، لمكتبه.
أدهم دخل وهو متوقع إن الموضوع له علاقة بمشروع زراعة الأعضاء، لكنه اتفاجئ بوجود مسؤول الشؤون القانونية ومدير إدارة الجودة.
الدكتور شريف أشار له بالجلوس وقال:
«يا أدهم، إحنا وصلنا طلب رسمي لمراجعة بعض السجلات الإدارية الخاصة بمشروع زراعة الأعضاء».
أدهم عقد حاجبيه وسأل:
«مراجعة إيه؟»
رد مدير الجودة:
«فيه شكوى بتتعلق بتطبيق قواعد العزل والتصاريح الاستثنائية، وفيه طلب لمراجعة سجلات بعض الأطباء المشاركين في المشروع».
أدهم حاول يحافظ على هدوئه وقال:
«أنا ملتزم بكل اللوائح، ومفيش أي مخالفة حصلت مني».
مدير الجودة فتح ملف قدامه وقال:
«إحنا مش بنتهمك بحاجة، لكن لازم نراجع البيانات ونتأكد من سلامة الإجراءات».
خرج أدهم من المكتب وهو حاسس إن فيه حاجة مش طبيعية بتحصل.
أما أنا، فكنت قاعدة في شقتي الجديدة، بحاول أرجع لحياتي واحدة واحدة.
جسمي كان لسه ضعيف، وكنت بتعب من أقل مجهود، لكن نفسيتي بدأت تتحسن.
وفي اليوم ده، سارة اتصلت بيا وقالت:
«ملك، محتاجة أقابلك. فيه حاجة مهمة ظهرت أثناء مراجعة الملف الطبي بتاعك».
قلبي اتقبض.
سألتها:
«إيه اللي حصل؟»
قالت:
«مش هقدر أشرحلك في التليفون. تعالي المكتب».
بعد ساعة كنت قاعدة قدامها.
فتحت ملف المستشفى، وطلعت صورة من تقرير العملية وتقارير المتابعة، وبعدها أشارت إلى جزء محدد في الصفحة.
قالت:
«إنتِ فاكرة إن المشكلة كلها إن أدهم مجاش يشوفك؟»
قلت:
«أيوه، مش ده السبب اللي خلاني أطلب الطلاق؟»
هزت رأسها وقالت:
«فيه حاجة تانية، ودي أخطر».
بدأت تشرح لي إن تقرير دخولي المستشفى كان فيه ملاحظة طبية مهمة جدًا، بتوضح إن حالتي كانت متدهورة بشكل غير متوقع، وإن التأخير في التدخل الطبي كان ممكن يسبب مضاعفات خطيرة.
لكن المفاجأة كانت في سجل الموافقات الطبية الملحق بالملف.
ظهر إن فيه إشعارًا رسميًا اتبعت للطبيب المسؤول عن متابعة حالتي، وتم تسجيل الاطلاع عليه في النظام.
والاسم اللي ظهر في سجل الاطلاع كان اسم أدهم المنياوي.
فضلت باصة للشاشة مش مصدقة.
سألت سارة:
«يعني هو كان عارف إني في حالة خطيرة؟»
ردت:
«السجل بيثبت إن حسابه فتح الإشعار، لكن لازم نعرف تفاصيل الصلاحيات وطبيعة الإشعار قبل ما نحكم إنه قرأ محتواه بالكامل».
حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.
كنت طول الوقت فاكرة إنه بعيد عني بسبب ظروف الشغل، لكن دلوقتي فيه احتمال إنه كان عارف بخطورة حالتي، ومع ذلك مظهرش.
سارة كملت كلامها:
«وفيه حاجة كمان. إدارة المستشفى بدأت تراجع السجلات بناءً على طلبك، وظهر إن فيه مستندات محتاجة تدقيق بخصوص إجراءات الموافقات الطبية».
سكت شوية، وبعدها سألتها:
«يعني إيه؟ فيه حاجة غلط في علاجي؟»
قالت:
«لسه منقدرش نقول كده، لكن لازم نطلب نسخة كاملة من الملف، ونتأكد إن كل الإجراءات تمت بشكل سليم».
رجعت البيت وأنا دماغي مشغولة.
وفي نفس الليلة، جالي اتصال من رقم غريب.
رديت، وسمعت صوت أدهم.
قال بصوت هادي بشكل غريب:
«ملك، أنا عايز أشوفك ونتكلم».
قلت ببرود:
«مفيش كلام بينا».
قال بسرعة:
«إنتِ فاهمة الموضوع غلط. أنا كنت مضغوط جدًا، وكان عندي مسؤوليات كبيرة، ومكنتش متخيل إنك هتاخدي الموضوع بالشكل ده».
ضحكت ضحكة قصيرة وقلت:
«ثلاثين يوم يا أدهم، مش تلات ساعات. ثلاثين يوم وأنا بين الحياة والموت، وإنت كنت بتحتفل وبتتصور وتستلم جوائز».
سكت لحظة، وبعدها قال:
«أنا عارف إني غلطت، بس الموضوع مش بالبساطة اللي إنتِ متخيلاها».
سألته:
«طيب إيه اللي كان أهم من إنك تطمن على مراتك؟»
اتردد شوية، وبعدها قال جملة خلتني أحس إن فيه حاجة أكبر مستخبية:
«أنا مكنتش عايز أدخل عليكي المستشفى في الفترة دي، لأن فيه موضوع لو كنت عرفتك بيه وقتها، كان ممكن يدمّر حياتنا».
اتجمدت مكاني.
سألته:
«موضوع إيه؟»
لكنه رفض يرد.
قال بس:
«قابليني مرة واحدة، وهتفهمي كل حاجة».
قفلت المكالمة من غير ما أجاوبه.
وفي صباح اليوم التالي، وصلني اتصال من إدارة المستشفى.
الموظفة قالت لي إنهم محتاجين حضوري لمناقشة نقطة مهمة ظهرت أثناء مراجعة ملف علاجي.
سألتها:
«هل الموضوع متعلق بالدكتور أدهم المنياوي؟»
سكتت لحظة، وبعدها قالت:
«أيوه يا فندم، وفيه مستند إضافي اتضاف لملف حضرتك قبل دخولك العمليات بساعات».
وقتها عرفت إن الحكاية لسه مخلصتش.
لأن المستند ده كان ممكن يثبت إن غياب أدهم عن سريري مكنش أسوأ حاجة عملها…
لكن إيه اللي كان مكتوب في المستند؟ وليه أدهم كان خايف إني أعرف الحقيقة؟
يتبع…
الجزء الثالث والأخير




