
في صباح اليوم التالي، لبست هدومي ونزلت من الشقة، واتجهت لمستشفى النخبة بالقاهرة.
كنت راجعة لنفس المكان اللي قضيت فيه أصعب 30 يوم في حياتي، لكن المرة دي مكنتش مريضة ولا محتاجة حد ينقذني.
كنت راجعة أعرف الحقيقة.
أول ما وصلت، استقبلتني مديرة الشؤون القانونية، وطلبت مني أدخل مكتبها.
كان موجود الدكتور شريف عبدالسلام، مدير المستشفى، ومعاه مدير إدارة الجودة وطبيبة من لجنة المراجعة الطبية.
الدكتورة رحبت بيا وقالت:
«أولًا، إحنا بنتمنى لحضرتك الشفاء التام، وعايزين نوضح إن مراجعة ملفك بدأت بعد ظهور بعض الملاحظات اللي محتاجة تفسير».
سألتها مباشرة:
«إيه المستند اللي اتضاف لملفي قبل العملية؟»
مدير الجودة فتح ملفًا كبيرًا، وطلع ورقة عليها توقيع إلكتروني.
قال:
«قبل دخولك العمليات بساعات، اتسجلت ملاحظة إدارية وطبية بتشير إلى ضرورة مراجعة بعض المعلومات المتعلقة بحالتك، وكان فيه طلب باستكمال بيانات معينة قبل اعتماد جزء من الإجراءات».
سألته:
«ومين اللي قدم الطلب ده؟»
رد بعد تردد:
«الدكتور أدهم المنياوي».
حسيت بصدمة، لكن حاولت أتماسك.
قلت:
«يعني جوزي كان بيتدخل في ملف علاجي وأنا مريضة؟»
رد الدكتور شريف:
«إحنا لسه بنراجع طبيعة تدخله، وهل كان في حدود صلاحياته ولا لأ. لكن فيه حاجة أهم ظهرت أثناء المراجعة».
فتح صفحة تانية، وأشار إلى توقيع إلكتروني باسم أدهم.
كان فيه طلب رسمي بتغيير الطبيب المسؤول عن متابعة حالتي، رغم إن أدهم نفسه مكانش الطبيب المعالج ليا.
والأغرب إن الطلب اتقدم في وقت كانت حالتي فيه حرجة جدًا.
سألتهم:
«هو ليه عمل كده؟»
الدكتور شريف رد:
«دي النقطة اللي لسه محتاجين نحقق فيها».
في اللحظة دي، باب المكتب اتفتح.
ودخل أدهم.
كان واضح عليه التوتر، وأول ما شافني وقف مكانه.
قال:
«ملك! إنتِ جيتي هنا ليه؟»
بصيت له وقلت:
«جيت أعرف إنت كنت بتعمل إيه في ملف علاجي وأنا بين الحياة والموت».
حاول يقاطعني، لكن مدير المستشفى طلب منه يقعد.
الدكتور شريف قال له:
«يا دكتور أدهم، إحنا محتاجين تفسير رسمي لبعض التصرفات اللي ظهرت في السجلات».
أدهم بص للورق، وبعدها بص ناحيتي وقال:
«أنا كنت بحاول أحميكي».
ضحكت بمرارة.
«تحميني؟ إنت محاولتش حتى تسأل أنا عايشة ولا لأ!»
أدهم نزل عينه للأرض، وبعد لحظات بدأ يتكلم.
قال إنه قبل دخولي المستشفى بفترة، كان فيه خلاف كبير بينه وبين أحد المسؤولين عن مشروع زراعة الأعضاء، وإنه اكتشف وجود مخالفات إدارية في بعض الملفات.
وكان خايف إن الموضوع يأثر على مستقبله المهني، خصوصًا إنه كان مرشح لمنصب كبير بعد انتهاء المشروع.
وأضاف إنه لما عرف بدخولي المستشفى، كان خايف من ظهور اسمه في أي إجراء متعلق بعلاجي، بسبب حساسية الموقف وتداخل علاقاته المهنية.
لكن كلامه مكنش مقنع.
سألته:
«طيب ليه مجتش تزورني بعد انتهاء العزل؟ وليه مفيش حتى مكالمة واحدة؟»
سكت.
كرر السؤال:
«ليه يا أدهم؟»
رفع عينه وقال:
«كنت عارف إنك لو شفتيني هتسأليني عن المشاكل اللي بتحصل في المستشفى، وأنا مكنتش مستعد أشرحلك أي حاجة».
في اللحظة دي فهمت إن الموضوع مكنش مجرد انشغال.
كان بيهرب من المواجهة، وبيحاول يبعدني عن كل حاجة ممكن تكشف اللي بيحصل.
لكن المفاجأة الحقيقية ظهرت لما مديرة الشؤون القانونية فتحت مستندًا أخيرًا.
كان فيه سجل بتعديل بيانات أحد التقارير الطبية، وتم التعديل باستخدام حساب إداري مشترك بين أكتر من موظف.
والتعديل ده كان محتاج تحقيق مستقل، لأن نتيجته ممكن تأثر على تقييم جودة الإجراءات الطبية.
الدكتور شريف قال بحزم:
«إحنا مش هنوجه اتهام لأي شخص قبل انتهاء التحقيق، لكن كل السجلات الإلكترونية هتتراجع، وأي مخالفة هتتحاسب وفق اللوائح».
أدهم بدأ يتوتر، وقال:
«أنا معنديش علاقة بأي تعديل حصل».
رد مدير الجودة:
«يبقى التحقيق هيثبت ده».
خرجت من المكتب وأنا حاسة إن صدري أخيرًا بقى أخف.
مكنتش عايزة أشوف أدهم بيتعاقب، ولا كنت مستنية أشمت فيه.
كل اللي كنت عايزاه إن الحقيقة تظهر.
بعد أيام، بدأت لجنة التحقيق تستدعي كل الأشخاص اللي ظهرت أسماؤهم في سجلات المشروع، وتم إيقاف بعض الصلاحيات الإدارية مؤقتًا لحين انتهاء المراجعة.
أما أدهم، فاضطر يواجه تحقيقًا مهنيًا بخصوص تصرفاته واستخدام صلاحياته داخل المستشفى.
وفي الوقت نفسه، استمرت إجراءات الطلاق.
حاول يتواصل معايا أكتر من مرة، وبعتلي رسائل طويلة بيقول فيها إنه ندمان، وإنه كان تحت ضغط كبير، وإنه مستعد يصلح كل حاجة.
لكن المرة دي مكنتش برجع أقرأ رسائله حتى.
بعد شهرين، حصلت جلسة الصلح الأخيرة قبل استكمال إجراءات الطلاق.
دخلت القاعة مع سارة، وكان أدهم قاعد مستنيني.
أول ما شافني، وقف وقال:
«ملك، ممكن نتكلم خمس دقايق لوحدنا؟»
بصيت لسارة، وبعدها وافقت.
قعدنا قصاد بعض.
فضل يبص لي شوية، وبعدها قال:
«أنا عارف إني خسرتك، بس عمري ما تخيلت إنك ممكن تسيبيني بالشكل ده».
قلت له بهدوء:
«أنا مسبتكش في يوم وليلة يا أدهم. أنا قضيت ثلاثين يوم مستنياك، وكل يوم كنت بقول يمكن بكرة ييجي. كنت بدافع عنك قدام أمي وصحابي، وكنت بخترعلك الأعذار عشان مكنتش عايزة أصدق إنك ممكن تتخلى عني».
قال بصوت مكسور:
«أنا غلطت، وندمان».
سألته:
«عارف إيه أكتر حاجة وجعتني؟ مش إنك مجتش. إنك خلتني أحس إني لوحدي في الوقت اللي كنت محتاجة فيه جوزي أكتر من أي وقت».
سكت، ومقدرش يرد.
كملت كلامي:
«أنا مكنتش مستنية منك تعالجني، ولا توقف شغلك، ولا تضحي بمستقبلك. كنت مستنية بس تحسسني إني مهمة عندك».
أدهم مد إيده ناحيتي وقال:
«اديني فرصة أخيرة».
رجعت إيدي بهدوء وقلت:
«فيه حاجات لما بتتكسر، ممكن تتصلح، وفيه حاجات لما بتتكسر بتغير نظرتنا للشخص اللي قدامنا للأبد».
وبعدها وقفت.
وقبل ما أخرج، طلعت دبلة جوازي القديمة من شنطتي، وحطيتها على الترابيزة قدامه.
قلت له:
«أنا مش بكرهك يا أدهم، لكن أنا أخيرًا بقيت بحب نفسي كفاية إني ممشيش في طريق بيكسرني».
وخرجت.
بعد فترة، انتهت إجراءات الطلاق، واتقسمت الممتلكات بالطريقة اللي اتفقنا عليها.
أما التحقيق في المستشفى، فاستمر بشكل مستقل، وتمت مراجعة التعديلات والسجلات ومحاسبة المسؤولين عن أي مخالفات ثبتت بالأدلة.
رجعت لشغلي بالتدريج، وبدأت أهتم بصحتي، وأخرج مع صحابي، وأزور أمي.
وفي أول يوم رجعت فيه للمستشفى لإجراء متابعة طبية، وقفت قدام نفس الشباك اللي كنت ببص منه على المطر وأنا مستنية أدهم ييجي.
المكان نفسه، والشباك نفسه، لكن أنا مكنتش نفس الست اللي كانت قاعدة على السرير ومستنية مكالمة.
ابتسمت لنفسي وقلت:
«الحمد لله إني خرجت من المستشفى، والحمد لله إني خرجت من الجوازة دي كمان».
أحيانًا أصعب مرض مش بيكون في الجسم، لكنه بيكون في قلبك لما تكتشف إن أقرب إنسان ليك مش موجود وقت احتياجك ليه.
وأحيانًا النجاة الحقيقية مش إنك تفضل متمسك بحد، النجاة إنك تعرف إمتى تمشي وتحافظ على نفسك وكرامتك.
تمت




