روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير

الجزء الثاني: اللحظة اللي خلت أبويا يكتشف إنه ماكانش يعرف بنته طول عمره! وقفت قدام المنصة، وسمعت تصفيق الحاضرين وهو بيزيد تدريجيًا. كنت شايفة الوجوه اللي قدامي، لكن عيني وقعت على أبويا تحديدًا. كان واقف في مكانه، لا بيصفق ولا بيتكلم، وكأنه بيحاول يقنع نفسه إن اللي بيحصل مجرد سوء فهم.

 

أما أخويا إيثان، فكان باصص لشارات رتبتي، وبيحرك عينيه بين الأوسمة اللي على صدري وبين الجنرال هارينجتون اللي كان واقف جنبي.

همس لي لما قربت منه للحظة:

«كلير… إنتِ بقيتي عقيد إمتى؟»

بصيت له وقلت بهدوء:

«من فترة.»

اتسعت عيناه.

«من فترة؟! إنتِ بتتكلمي كأنك اترقيتي الأسبوع اللي فات!»

ماقدرتش أمنع ابتسامة صغيرة من الظهور على وشي.

«كنت مشغولة بشغلي يا إيثان.»

لكنه ماكانش راضي عن الإجابة.

«بس إحنا عيلتك! إزاي تخبي عننا حاجة بالحجم ده؟»

بصيت له للحظات، وبعدها قلت:

«أنا ماخبيتش إني في الجيش. إنتوا اللي عمركم ما سألتوا عن شغلي بجد.»

الكلمات دي خلته يسكت.

لكن ماكانش عندي وقت أكمل معاه؛ لأن مقدم الحفل طلب من الجميع الانتباه، وبعدها أعلن إن الجنرال هارينجتون هيلقي كلمة خاصة قبل تكريمي.

صعد الجنرال إلى المنصة، ووقف قدام الميكروفون.

قال بصوت قوي:

«السيدات والسادة، مساء الخير. الليلة دي مش مجرد مناسبة للاحتفال برجال ونساء القوات المسلحة. دي فرصة علشان نكرّم شخص أثبت إن القيادة الحقيقية مش بتتقاس بالكلام، ولا بالمظاهر، ولا حتى بعدد الأوسمة اللي على الزي العسكري.»

سكت لحظة، ثم أكمل:

«القيادة الحقيقية بتظهر وقت ما تكون القرارات صعبة، والمعلومات ناقصة، وأرواح ناس كتير معتمدة على شخص واحد يقدر يتحمل المسؤولية.»

القاعة كلها كانت ساكتة.

«ضيفتنا الليلة خدمت بلدها لمدة عشرين سنة. وخلال السنوات دي، تحملت مسؤوليات ماكانش مسموح لها تتكلم عنها، وشاركت في عمليات معقدة احتاجت إلى دقة شديدة، وحكمة، وشجاعة استثنائية.»

بدأت أسمع همسات بين الحاضرين.

أما أبويا، فكان مركزًا مع كل كلمة.

الجنرال رفع عينيه ناحية الجمهور وقال:

«لكن أهم إنجازاتها مش إنها وصلت لرتبة عقيد، ولا إنها حصلت على ثقة كبار القادة. أهم إنجازاتها إنها عرفت تحافظ على حياة زملائها، وتتحمل مسؤولية قرارات مصيرية في أصعب الظروف.»

ثم التفت ناحيتي ومد إيده.

«العقيد كلير بينيت، اتفضلي.»

صعدت إلى المنصة، وصافحته.

بدأ التصفيق من جديد، وكان أقوى من المرة الأولى.

وبعدها أشار الجنرال إلى شاشة كبيرة خلفنا.

ظهرت عليها خريطة لمنطقة جبلية، ثم مجموعة من الصور والبيانات اللي كان معظمها محجوبًا لأسباب أمنية.

قال الجنرال:

«قبل ما نتكلم عن تفاصيل المهمة، لازم أوضح إن بعض المعلومات المتعلقة بها ما زالت سرية. لكن فيه جزء من القصة نقدر نشاركه الليلة، لأنه يوضح ليه العقيد بينيت تستحق التكريم ده.»

شعرت إن القاعة كلها بقت أكثر تركيزًا.

حتى أبويا، اللي كان دايمًا بيعتبر شغلي مجرد وظيفة مكتبية، قرب خطوة من الشاشة.

تابع الجنرال:

«منذ عدة سنوات، واجهت إحدى وحداتنا موقفًا بالغ الخطورة أثناء تنفيذ مهمة خارجية. انقطعت الاتصالات مع الفريق، وأصبحت المعلومات المتاحة محدودة للغاية. كان أمام القيادة وقت قصير لاتخاذ قرار، وأي خطأ كان ممكن يعرّض حياة عدد كبير من الجنود للخطر.»

توقفت أنفاس بعض الحاضرين مع استمرار كلامه.

«في اللحظة دي، كانت العقيد بينيت مسؤولة عن تنسيق المعلومات وتحليل الموقف، والعمل مع الوحدات المعنية للوصول إلى قرار آمن. ورغم الضغوط الشديدة، تمكنت من تحديد مشكلة جوهرية في المعلومات المتاحة، وأصرت على مراجعتها قبل اتخاذ القرار النهائي.»

بصيت ناحية الشاشة، وافتكرت الليلة دي بكل تفاصيلها.

ليلة ما نمتش فيها تقريبًا.

ليلة كنت فيها قدام شاشات مليانة تقارير، وبحاول أجمع تفاصيل متضاربة علشان أوصل لصورة واضحة.

كنت عارفة إن أي قرار متسرع ممكن تكون عواقبه خطيرة.

وعلشان كده، أصريت إن الفريق يراجع البيانات مرة تانية.

وبالفعل، المراجعة كشفت إن فيه معلومة أساسية كانت غير دقيقة، وإن الاعتماد عليها كان ممكن يوجّه الفريق إلى مسار شديد الخطورة.

ماكانش دوري إني أتصرف بتهور أو أبحث عن بطولة شخصية؛ كان دوري إني أتأكد إن القرار مبني على معلومات سليمة، وإن حياة الناس تفضل هي الأولوية.

قال الجنرال:

«بفضل مراجعة العقيد بينيت، والتنسيق بين الفرق المختصة، اتخذت القيادة قرارًا مختلفًا ساهم في تجنب خسائر كان من الممكن حدوثها، وساعد على عودة أفراد المهمة بأمان.»

ارتفع التصفيق في القاعة مرة تالتة.

لكن المرة دي، كان فيه شيء مختلف في نظرات الناس.

ماكانوش بيصفقوا لمجرد رتبة عسكرية.

كانوا بيصفقوا لعمل حقيقي، ماكانش محتاج استعراضًا علشان يثبت قيمته.

نظرت ناحية عيلتي.

ماديسون كانت ساكتة تمامًا، وملامحها اتغيرت.

إيثان كان واقف وذراعيه متشابكين، وكأنه بيحاول يستوعب إنه ماكانش يعرف أي شيء عن حياة أخته.

أما أبويا…

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى