
### الجزء التاني: الورق اللي قلب حياتهم في لحظة
فضلت واقفة في مكاني، ببص لأحمد وأمه، وبحاول أستوعب إزاي الناس اللي كنت فاكرة إنهم بقوا عيلتي، شايفين إن من حقهم يقرروا مصيري ويتصرفوا في فلوس أبويا من غير حتى ما يرجعولي.
أما أحمد، فكان بيتصرف كأن الموضوع انتهى خلاص، وإن وجود أمه معانا في البيت بقى أمر واقع.
قال وهو بيقعد على الكنبة:
— بصي يا مريم، خلينا نكون واضحين من الأول. أنا مش ناوي أرجع للشغل تاني. أنا تعبت من إني كل يوم أصحى بدري وأقضي يومي كله تحت رحمة مدير. دلوقتي أنا متجوز واحدة من عيلة مقتدرة، ومن الطبيعي إن حياتنا تتغير للأحسن.
بصيتله وقلت:
— تتغير للأحسن بالنسبة لمين يا أحمد؟ إنت سبت شغلك من غير ما تقولي، ومامتك سابت شغلها، وبعدين قررتوا إن أبويا هو اللي يصرف عليكم. هو أنا اتجوزتك علشان تبقى مسؤولية جديدة على أهلي؟
وشه اتغير، ورد بعصبية:
— إنتِ ليه بتحسسيني إني بشحت؟ إحنا عيلة واحدة دلوقتي، والفلوس اللي عند أبوكي مش هتروح معاه القبر! بدل ما تفضلي تحوشي وتخافي على الفلوس، ساعدي جوزك يبني مستقبله.
حماتي هزت راسها موافقة، وقالت:
— كلامه صح يا بنتي. الست الشاطرة هي اللي تريح جوزها، مش اللي تحاسبه على كل جنيه. وبعدين أنا مش غريبة، أنا أمه، ومن حقي أعيش مع ابني وأفرح بيه.
رديت عليها:
— طبعًا من حق حضرتك تشوفي ابنك وتكوني قريبة منه، لكن ده مش معناه إنك تقرري تسيبي شقتك وتنقلي عندنا من غير ما نتفق.
قامت من مكانها وهي بتتمتم:
— يا ساتر يا رب! لسه مكملناش يوم على الفرح، وبدأت المشاكل. أهو ده اللي كنت خايفة منه يا أحمد، مراتك هتخليك تسمع كلامها وتنسى أمك!
أحمد قام وقف قدامي وقال بنبرة تهديد مبطنة:
— أنا مش هسمح إنك تفرقي بيني وبين أمي. لو إنتِ فعلًا بتحبيني، يبقى لازم تقبلي إنها تعيش معانا، وتفهمي إن أبوكي لازم يقف جنبنا.
في اللحظة دي، حسيت إن قلبي اللي كان متعلق بيه من سنتين بدأ يبعد عنه.
مش علشان الفلوس، لكن علشان اكتشفت إن الراجل اللي كنت فاكرة إنه بيحبني، ما كانش شايفني شريكة حياته، كان شايفني باب مفتوح على ثروة أهلي.
ومع ذلك، ما صرختش، ولا دخلت في خناقة.
بصيتله وقلت بهدوء:
— حاضر يا أحمد، طالما إنت شايف إن دي الطريقة الصح، خلينا نتكلم كلنا مع أبويا ونشوف رأيه.
أول ما سمع كلمة «أبويا»، ابتسامته رجعت لوشه.
قال بسرعة:
— أهو ده الكلام! كلميه النهارده، وخليه ييجي يتعشى معانا. وأنا هشرحله خطتي، وهو أكيد هيفرح إن بنته متجوزة راجل عنده طموح.
حماتي كمان فرحت، وبدأت تتكلم عن الحاجات اللي نفسها تشتريها.
— بالمرة يا مريم، قولي لأبوكي إني نفسي أغيّر عفش الشقة اللي هننقل فيها. الشقق اللي عنده أكيد محتاجة شوية تجديد، وأنا بحب البيت يكون واسع وشيك.
بصيتلها وقلت:
— حاضر يا طنط، هكلمه.
دخلت أوضتي وقفلت الباب ورايا.
أول ما بقيت لوحدي، طلعت موبايلي واتصلت بأبويا.
رد عليا بعد الرنة التانية، وصوته كان مليان فرحة.
— صباح الخير يا عروسة! عاملة إيه يا حبيبتي؟ طمنيني، أحمد معاملته معاكي كويسة؟ اتفطرتوا؟ ولا لسه فرحانين ومش عارفين تاكلوا من الفرحة؟
حاولت أتكلم بشكل طبيعي، لكن صوتي خانني.
— صباح الخير يا بابا. أنا محتاجة أشوفك النهارده، وفي موضوع مهم لازم نتكلم فيه.
سكت لحظة، وبعدين صوته اتغير.
— مالك يا مريم؟ إنتِ بتعيطي؟ حصل إيه يا بنتي؟
قلتله:
— مش عايزة أتكلم في التليفون. ممكن تيجي تتعشى معانا النهارده؟
رد من غير تردد:
— أنا عندك في أي وقت يا حبيبتي. قوليلي الساعة كام، وأنا هكون موجود.
قفلت المكالمة، ومسحت دموعي، وخرجت للصالة.
أحمد كان قاعد مع أمه، وبيتكلموا عن الشقق اللي عند أبويا، وعن الفلوس اللي ممكن يطلبوها منه علشان يبدأ مشروع جديد.
لما شافوني، أحمد سألني:
— كلمتيه؟
— أيوه، بابا جاي يتعشى معانا النهارده.
ابتسم وقال:
— ممتاز! أنا هجهزله خطة واضحة، علشان يفهم إننا مش بنطلب صدقة. إحنا بنتكلم عن استثمار في مستقبلنا.
ما علقتش.
لكن جوايا كنت عارفة إن العشا ده مش هيكون زي أي عشا تاني.
الساعة سبعة مساءً، رن جرس الباب.
أحمد جري يفتح، ووشه مليان ابتسامات.
— أهلًا وسهلًا يا عمي! نورت بيتك!
دخل أبويا بهدوء، لابس قميصه البسيط المعتاد، وماسك شنطة جلد بنية قديمة كان بيحط فيها أوراق شغله.
أحمد أخد منه الشنطة بسرعة، وقال:
— اتفضل يا عمي، حضرتك لازم ترتاح. مريم قالتلي إنك مشغول جدًا، بس إحنا محتاجين ناخد من وقتك شوية.
أبويا ابتسم، وبعدين بصلي.
كانت نظرة واحدة كفاية علشان يفهم إن فيه حاجة غلط.
قرب مني وباس راسي وقال:
— إزيك يا حبيبتي؟
همستله:
— الحمد لله يا بابا.
قعدنا على السفرة، وحماتي كانت عاملة نفسها ست البيت من زمان. حطت الأكل قدامنا، وفضلت تتكلم عن تعبها في تجهيز الشقة القديمة، وإنها خلاص كبرت ومش قادرة تشتغل.
وبعد شوية، أحمد قرر يدخل في الموضوع مباشرة.
قال وهو بيحط قدام أبويا ورقة مطبوعة:
— بص يا عمي، أنا كنت عايز أتكلم مع حضرتك في موضوع مهم. زي ما إنت عارف، أنا ومريم بقينا أسرة واحدة، ومن الطبيعي إننا نفكر في مستقبلنا. أنا قررت أسيب شغلي علشان أركز في الاستثمار، وماما كمان محتاجة ترتاح من تعب السنين.
أبويا سابه يكمل، من غير ما يقاطعه.
أحمد كمل بحماس:
— أنا عامل دراسة لمشروع ممكن يحقق أرباح ممتازة، لكن محتاج رأس مال في البداية. وأنا شايف إن حضرتك ممكن تساعدنا بمبلغ مبدئي، مثلًا نص مليون جنيه، وبعدها الأرباح هتكون كفاية إننا نعتمد على نفسنا.
رفعت عيني وبصيت لأحمد.
نص مليون جنيه!
كان بيتكلم عن مبلغ كبير بمنتهى السهولة، كأنه بيطلب تمن وجبة عشا.
أما حماتي، فدخلت في الكلام وقالت:
— وطبعًا يا حاج محمود، إحنا مش هننسى وقفتك معانا. أنا زي بنتك، ومريم بقت مرات ابني، يعني بقينا أهل. وإحنا كمان شايفين إن من الأفضل إن الشقق اللي عند حضرتك تتوزع بشكل يريح العيلة كلها. شقة لينا، وشقة ليكم، وشقة نخليها للاستثمار.
أبويا حط الشوكة على السفرة، وبص لها بهدوء.
— هو أنا فهمت صح يا حاجة سعاد؟ إنتِ شايفة إن الشقق بتاعتي المفروض تتقسم بالطريقة دي؟
ابتسمت وهي بتقول:
— إحنا مش بنفرض حاجة يا حاج، إحنا بس بنتكلم كعيلة. وبعدين حضرتك عندك خير كتير، وربنا يزيدك، وإحنا مش عايزين غير إن كلنا نعيش مرتاحين.
أبويا هز راسه ببطء، وبعدين بص لأحمد.
— وإنت يا أحمد، لما قررت تسيب شغلك، كنت متفق مع بنتي على القرار ده؟
أحمد اتردد لحظة، لكنه رد بسرعة:
— بصراحة يا عمي، أنا كنت شايف إن دي فرصة مناسبة. مريم مش محتاجة تشتغل، وأنا كمان مش مضطر أشتغل طول ما عندنا الإمكانيات دي.
أبويا سأله:
— يعني إنت سبت شغلك علشان تعتمد على فلوس مراتي وأهلها؟
أحمد اتضايق من السؤال وقال:
— يا عمي، حضرتك بتفهم الموضوع غلط. أنا مش عايز أعتمد على حد طول عمري، أنا بس محتاج بداية تساعدني أقف على رجلي.
أبويا فضل ساكت ثواني.
وبعدين فتح شنطته الجلد البنية، وطلع منها ملف كبير، وحطه قدامه على السفرة.
ابتسامة أحمد بدأت تختفي.
أما حماتي، فبصت للملف باستغراب، وسألته:
— إيه الورق ده يا حاج؟
أبويا فتح الملف، وطلع منه مجموعة مستندات مرتبة، وقال:
— قبل ما نتكلم عن نص مليون جنيه، أو عن الشقق اللي بتتكلموا عنها، أنا شايف إن لازم نوضح كام حاجة الأول.
وبعدين التفت ناحيتي وقال:
— يا مريم، فاكرة الاتفاق اللي عملناه قبل فرحك بشهر؟
هزيت راسي وقلت:
— أيوه يا بابا، فاكراه كويس.
أحمد بصلي بقلق.
— اتفاق إيه؟ إنتوا كنتوا بتخططوا لإيه من ورايا؟
أبويا ما ردش عليه مباشرة. طلع أول ورقة من الملف، وحطها قدام أحمد، وقال:
— اقرا الورقة دي كويس يا ابني، وبعدها نتكلم.
أحمد مسك الورقة، وبدأ يقرا أول سطر.
في البداية كان وشه عادي، لكن كل ما عينه تتحرك من سطر للتاني، ملامحه كانت بتتغير.
ولما وصل لآخر الصفحة، إيده بدأت ترتعش.
حماتي قربت منه وسألته:
— فيه إيه يا أحمد؟ الورقة مكتوب فيها إيه؟
لكنه ما ردش.
رفع عينه ناحية أبويا، وقال بصوت متقطع:
— حضرتك… حضرتك تقصد إيه بالكلام ده؟
أبويا رجع ضهره لورا، وقال بمنتهى الهدوء:
— أقصد إن كل واحد فينا لازم يتحمل نتيجة قراراته، وإن فلوس بنتي وحقوقها مش مجال للتجارب، ولا وسيلة حد يعيش على حسابها.
وبعدين طلع ورقة تانية من الملف، وحطها فوق الأولى.
وقال:
— ودي بقى، الورقة اللي بعدها، هي اللي هتوضحلكم ليه كان لازم أعمل الاتفاق ده من البداية.
حماتي خطفت الورقة من قدام أحمد، وبدأت تقراها بسرعة.
وبمجرد ما شافت السطر اللي في نص الصفحة، شهقت وحطت إيدها على صدرها.
— يا نهار أبيض! إنت عملت كده ليه يا حاج محمود؟!
أبويا بص لها وقال:




