
لما جوزي وقف قدام المحكمة وقال إني ست معنديش فلوس، ولا شغل، ولا أي حق في الشركة اللي هو بناها… كان واثق إن كل حاجة انتهت لصالحة.
لكن بعد دقائق، السجلات الأصلية كشفت الحقيقة:
أنا كنت أملك 61% من الشركة.
والأغرب من كده كله… إن أبويا، الراجل اللي دفنته من 11 سنة، دخل قاعة المحكمة فجأة، وفي إيده دفتر جلدي قديم.
—
في صباح يوم خميس ممطر، كانت قاعة المحكمة في وسط القاهرة مليانة عن آخرها.
صحفيين، موظفين من الشركة، محامين، وأشخاص جُم لمجرد إن قضية طلاقي تحولت لحكاية الناس كلها بتتكلم عنها.
جوزي، كريم المنشاوي، كان واحد من أشهر رجال الأعمال في مجال النقل والشحن.
خلال سنين قليلة، قدر يحول شركة صغيرة إلى واحدة من أكبر شركات النقل في مصر، وبقى اسمه بيتردد في الصحف والمجلات باعتباره رجل أعمال ناجح وصاحب إمبراطورية ضخمة.
أما أنا، مريم المنشاوي، فكنت دايمًا بتظهر جنبه في المناسبات الرسمية، حفلات الشركات، افتتاحات المشروعات، وحملات التبرعات.
الصحف كانت بتكتب عني ببساطة:
“زوجة رجل الأعمال كريم المنشاوي.”
وأنا عمري ما صححت لهم.
بعد ما خلفنا توأمنا آدم وياسين، اللي كان عمرهم وقتها 8 سنين، اختفيت تقريبًا من الحياة العامة.
قعدت في البيت، اهتميت بولادي، وفضلت بعيدة عن الإعلام.
لكن سكوتي خلّى كل الناس تكتب حكايتي بطريقتها.
محامي كريم كان بيقول قدام المحكمة إني ست معتمدة بالكامل على جوزها.
وإن كل ثروته اتبنت بمجهوده هو وحده.
وإنني دلوقتي بحاول آخد فلوس وشركة ملهاش أي علاقة بيا، وبستخدم أولادي كورقة ضغط في الطلاق.
كريم دخل المحكمة ومعاه 3 محامين.
وكان معاهم كمان سارة فؤاد، مديرة العلاقات العامة في الشركة…
والست اللي كان ناوي يتجوزها أول ما طلاقنا يخلص.
المحامي الرئيسي، حسام الدمنهوري، كان مجهز ملف كامل.
كان هدفه يثبت إن كريم هو صاحب كل الأصول المهمة، وإن أنا معنديش أي دخل ثابت، ولا خبرة مهنية، ولا قدرة مالية تسمحلي أوفر لأولادي نفس مستوى الحياة اللي اتعودوا عليه.
دخل القاضي المستشار أحمد سالم في موعده بالضبط.
لكن كرسيي كان فاضي.
كريم بص في ساعته، وابتسم بسخرية.
وقال بصوت مسموع:
— مريم عمرها ما فهمت إن وقت الناس التانية له قيمة.
سارة ضحكت ضحكة صغيرة.
المحامي حسام لسه هيبدأ يطلب من المحكمة حضانة الأولاد بشكل أساسي لصالح كريم…
وفجأة…
باب القاعة اتفتح.
دخلت وأنا ماسكة إيد آدم وياسين.
الاتنين كانوا لابسين جاكتات غامقة، ووشوشهم باين عليها التوتر.
ولا واحد فيهم ساب إيدي لحد ما وصلنا لمكاننا.
سارة بصت لنا، وقالت بصوت عالي بما يكفي إن اللي قاعدين حوالينا يسمعوها:
— هي جابتهم معاها للمحكمة فعلًا؟
القاضي بص لها مباشرة.
— أي مقاطعة تانية يا مدام سارة، وهتستني بره القاعة.
ابتسامتها اختفت فورًا.
بصيت للقاضي وقلت:
— آسفة يا سيادة المستشار على التأخير.
وبعدين شرحت له إن الولدين أصروا يكونوا موجودين.
القاضي رد بهدوء:
— الأطفال عادةً مكانهم مش داخل جلسات من النوع ده.
هزيت رأسي وقلت:
— أنا متفقة مع حضرتك… لكن أبوهم قال لهم إني سبت البيت، وإن معنديش القدرة أصرف عليهم، وإنهم قريب هيعيشوا معاه ومع مدام سارة.
وسكت لحظة، وبعدين قلت:
— هما يستحقوا يسمعوا الحقيقة من الكبار… والكبار هنا ملزمين يقولوا الحقيقة زي ما هي.
كريم اتشد في مكانه.
وشه اتغير.
القاضي طلب من أحد أفراد الأمن يقعد الولدين في مكان قريب، وبعدها سمح للمحامي يكمل.
لمدة حوالي عشرين دقيقة، المحامي حسام اتكلم عن ثروة كريم.
اتكلم عن البيت الكبير.
والمدارس الخاصة.
والحسابات البنكية والاستثمارات.
وكل حاجة تخص حياتنا.
وبعدين وصل للنقطة اللي كان مستنيها.
قال إنني لم أقدم أي مساهمة مالية حقيقية في تكوين ثروة كريم.
ولما خلص كلامه، القاضي بص ناحيتي.
— مدام مريم، مين المحامي اللي بيمثلك النهارده؟
رديت بهدوء:
— أنا همثل نفسي يا سيادة المستشار.
كريم رجع بضهره على الكرسي، وابتسم ابتسامة انتصار.
لكن القاضي شال نظارته، وبص لي بجدية.
— هل حضرتك مدركة خطورة الاتهامات المالية ومطالبات الحضانة اللي اتقالت ضدك؟
قلت:
— أيوه يا سيادة المستشار.
وسكت لحظة.
ثم قلت:
— وعندي طلب واحد بس… إني أبدأ بمستندات ملكية شركة المنشاوي للنقل والخدمات اللوجستية.
كريم اتجمد.
المحامي حسام بص له بسرعة.
أما أنا، ففتحت شنطتي الجلد.
وطلعت منها ظرف مقفول بالشمع.
حطيته قدام القاضي.
فتحه بنفسه.
كان جواه مجموعة مستندات قديمة جدًا.
أوراق تأسيس الشركة.
عقود.
إيصالات تحويل.
وسجل الملكية الأصلي.
القاضي بدأ يقرأ أول مستند.
وبعدين التاني.
وبعدين قلب الصفحة اللي بعدها.
وفجأة…
وقف.
رفع عينه ببطء ناحية كريم.
وقال:
— أستاذ كريم… ممكن تفسرلي حاجة؟
كريم بلع ريقه.
القاضي رفع الورقة قدامه.
— ليه اسم مريم المنشاوي موجود هنا باعتبارها المالكة الأصلية لـ 61% من أسهم الشركة؟
القاعة كلها سكتت.
حتى الصحفيين وقفوا عن الكتابة.
كريم بص للمحامي بتاعه.
المحامي نفسه كان باين عليه الذهول.
أما أنا…
فكنت عارفة إن دي لسه البداية.
لأن الشركة اللي كريم قال قدام المحكمة إنه بناها لوحده…
قبل ما يبقى عندها عربية نقل واحدة…
كانت بدأت من فلوسي أنا.
من حوالي 12 سنة، كنت ورثت مبلغ 180 ألف جنيه عن جدتي، الحاجة زينب عبد الرحمن.
كريم وقتها كان عنده فكرة مشروع للنقل والشحن.
هو كان صاحب الفكرة.
لكن أنا اللي حطيت رأس المال.
وأنا اللي تفاوضت على أول العقود.
وأنا اللي عملت أول دراسة مالية للمشروع، وأنا قاعدة على ترابيزة السفرة في شقتنا الصغيرة.
ولما الشركة بدأت تكبر، كريم قال لي إن المستثمرين بيفضلوا يشوفوا رجل أعمال واحد واضح في الواجهة.
قال لي:
— وجودك بعيد عن الصورة هيخلي الناس تثق في الشركة أكتر.
أنا صدقته.
بعدت عن الإعلام.
بعدت عن الاجتماعات.
وسيبت له الواجهة.
لكن في حاجة واحدة عمري ما عملتها…
أنا ما تنازلتش عن أسهمي.
ولا في يوم وقعت ورقة بتقول إن الـ61% بقوا ملكه.
والآن…
كل المستندات الأصلية كانت فوق ترابيزة المحكمة.
لكن اللي محدش كان يعرفه…
إن المستندات دي مش أخطر حاجة كنت مخبياها.
لأن بعد دقائق قليلة…
كانت أبواب المحكمة هتتفتح مرة تانية.
والراجل اللي هيدخل منها…
كان المفروض إنه مات واتدفن من 11 سنة.
وكان ماسك في إيده…
دفتر جلدي قديم عليه اسم أبي.
فضلت القاعة كلها ساكتة.
القاضي كان لسه ماسك مستندات ملكية الشركة، وكريم واقف قدامه مش عارف يقول إيه.
المحامي حسام حاول يتدخل:
— سيادة المستشار، إحنا محتاجين وقت عشان نراجع المستندات دي ونتأكد من صحتها.
القاضي رد بحزم:
— هتراجعها، لكن قبل ما نكمل… عايز أعرف إزاي اسم مدام مريم موجود كمالكة لـ61% من الشركة، في الوقت اللي حضرتك بتقول فيه إنها عمرها ما ساهمت في تأسيسها.
كريم فتح بقه، لكنه ماطلعش صوت.
وفي اللحظة دي…
سمعنا صوت خطوات جاية من ناحية باب المحكمة.
خطوة…
ورا خطوة…
وبعدين الباب اتفتح.
دخل راجل كبير في السن، لابس بدلة رمادي غامق، وماسك في إيده دفتر جلدي بني قديم.
أول ما شوفته…
نفسي اتقطع.
إيدي بدأت ترتعش.
آدم وياسين بصوا لي باستغراب.
— ماما… مين الراجل ده؟
ماقدرتش أرد.
لأن الراجل كان شبه صورة أبويا اللي محتفظة بيها من سنين.
نفس العينين.
نفس طريقة المشي.
نفس العلامة الصغيرة فوق حاجبه الأيسر.
لكن ده مستحيل.
أبويا حسن عبد الرحمن مات من 11 سنة.
أنا بنفسي حضرت جنازته.
شفت قبره.
وشفت الناس وهي بتعزيني فيه.
سنين كاملة وأنا عايشة وأنا مقتنعة إن أبويا مات.
الراجل وقف عند باب القاعة، وبص ناحيتي.
وبصوت هادي قال:
— مريم.
رجلي ماعادش شالتني.
وقفت مكاني وأنا بحدق فيه.
كريم بص له، وبعدين بص لي.
— مين ده؟
الراجل قرب خطوتين.
وقال:
— أنا أبوها.
القاعة انفجرت في همهمات.
صحفي قام من مكانه.
واحد تاني بدأ يصور بالموبايل.
القاضي ضرب بالمطرقة على المنصة.
— هدوء في القاعة!
لكن أنا ماكنتش سامعة أي حاجة.
كل اللي كنت شايفاه هو أبويا.
الراجل اللي دفنته من 11 سنة…
واقف قدامي حي.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
قلت بصوت متقطع:
— بابا؟
ابتسم ابتسامة صغيرة.
— أيوه يا بنتي.
جريت عليه.
ولأول مرة من 11 سنة، حضنت أبويا.
ماعرفتش أقول حاجة.
فضلت أبكي بس.
هو حط إيده على رأسي وقال:
— سامحيني يا مريم.
بعد لحظات، القاضي طلب منه يقف قدامه.
— حضرتك مين بالضبط؟
أبويا أخرج بطاقة هوية وبعض الأوراق.
— اسمي حسن عبد الرحمن، وأنا والد مريم.
القاضي قلب في الأوراق.
— لكن حسب المستندات الموجودة أمام المحكمة، السيد حسن عبد الرحمن متوفى منذ 11 سنة.
أبويا رد:
— ده اللي الناس كلها كانت فاكرينه.
كريم قال بعصبية:
— الكلام ده مستحيل!
أبويا بص له.
— مستحيل؟ ولا الحقيقة مش على هواك؟
كريم سكت.
القاضي قال:
— أنا محتاج تفسير واضح.
أبويا حط الدفتر الجلدي على منصة القاضي.
— التفسير موجود هنا.
القاضي فتح الدفتر.
وكان أول شيء مكتوب في الصفحة الأولى:
“شركة المنشاوي للنقل والخدمات… الملكية الحقيقية والاتفاقات الأصلية.”
كريم شحب.
المحامي حسام قرب من موكله وهمس:
— إنت تعرف الراجل ده؟
كريم ما ردش.
القاضي قلب الصفحة.
وكان فيها تاريخ يرجع لقبل تأسيس الشركة بأيام قليلة.
أبويا بدأ يتكلم:
— قبل ما الشركة تبدأ، مريم كانت لسه بنت صغيرة بالنسبة لعالم البيزنس. كان عندها فلوس ورثتها من جدتها، لكن كان عندها كمان ثقة زيادة في الناس.
بص لكريم.
— خصوصًا في جوزها.
كريم اعترض:
— سيادة المستشار، الكلام ده ملوش علاقة بالقضية!
القاضي رد:
— لما يبقى عندنا نزاع على ملكية الشركة، يبقى له علاقة مباشرة.
أبويا كمل:
— كريم ماكانش هو اللي بدأ المشروع لوحده. مريم حطت رأس المال. لكن كان فيه سبب تاني خلى ملكيتها تتسجل بنسبة 61%.
القاضي سأله:
— إيه السبب؟
أبويا فتح الدفتر على صفحة تانية.
— لأن الـ39% الباقيين كانوا مقابل الإدارة والتشغيل… لكن بشرط واضح.
القاضي قرأ الشرط بصوت مسموع:
— “لا يجوز نقل أو بيع أو رهن أو تحويل أي نسبة من ملكية الشركة دون موافقة كتابية من مريم عبد الرحمن.”
القاعة كلها سكتت.
أنا بصيت لكريم.
— عمرك قلت لي إن الشرط ده موجود؟
كريم ما ردش.
أبويا قال:
— لأنه كان عارف.
المحامي حسام وقف.
— سيادة المستشار، إحنا بنعترض على الدفتر باعتباره مستند غير رسمي.
أبويا ابتسم.
— عشان كده جبت النسخة الأصلية.
وأخرج من حقيبته ملفًا آخر.
كان فيه ختم قديم، وتوقيعات، وإيصالات بنكية.
القاضي بدأ يفحص الأوراق.
ثم سأل:
— أين كانت هذه المستندات طوال هذه السنوات؟
أبويا أخذ نفسًا عميقًا.
— كانت معايا.
— ولماذا لم تظهر من قبل؟
بص لي.
وبعدين قال:
— لأن ظهورها كان هيعرّض بنتي للخطر.
أنا حسيت بقشعريرة.
— خطر من مين؟
أبويا ماجاوبش فورًا.
لكن عينيه راحت ناحية كريم.
قلبي وقع.
كريم وقف بسرعة.
— الكلام ده اتهامات خطيرة!
أبويا رد بهدوء:
— ولسه ماوصلناش لأخطر حاجة.
القاضي قال:
— وضح قصدك.
أبويا فتح آخر جزء من الدفتر.
وكانت فيه قائمة بأسماء وتواريخ ومبالغ مالية.
أرقام ضخمة.
تحويلات.
حسابات.
وأسماء أشخاص مرتبطين بالشركة.
وبين كل الصفحات…
كان فيه اسم واحد بيتكرر باستمرار.
كريم المنشاوي.
القاضي بدأ يقلب الصفحات.
ثم توقف عند صفحة معينة.
وجهه اتغير.
— أستاذ كريم… إيه تفسيرك للتحويل ده؟
كريم قرب من الورقة.
وبمجرد ما شاف الرقم…
رجع خطوة للخلف.
المحامي حسام بص له بصدمة.
أنا بصيت لأبويا.
— بابا… إيه اللي مكتوب هنا؟
قال:
— ده المبلغ اللي اتسحب من أموال الشركة قبل 11 سنة.
سألته:
— مين سحبه؟
أبويا ما ردش.
بس حط إصبعه على السطر.
كان اسم الشخص واضحًا.
كريم المنشاوي.
والتاريخ…
كان قبل يوم واحد من التاريخ اللي أعلنوا فيه وفاة أبويا.
رفعت عيني لأبويا.
— يعني إيه؟
قرب مني وقال بصوت منخفض:
— يعني يا بنتي… أنا ما متش في اليوم اللي قالوه لك.
تجمدت.
— أمال إيه اللي حصل؟
بص لكريم مرة تانية.
— أبوكي اختفى… لأن حد حاول يخليه يختفي للأبد.
القاعة كلها سكتت.
حتى كريم ماقدرش يتكلم.
وفي اللحظة دي، القاضي طلب من الأمن يقفل أبواب القاعة.
وقال:
— محدش يخرج من هنا قبل ما أفهم بالضبط إيه اللي حصل من 11 سنة.
لكن قبل ما أبويا يكمل…
كريم ابتسم لأول مرة من بداية الجلسة.
ابتسامة غريبة جدًا.
وبص لي وقال:
— أبوكي قال لك نص الحقيقة بس.
ثم التفت للقاضي.
— لو عايز تعرف مين صاحب الـ61% الحقيقي…
سكت لحظة.
— لازم تسأله الأول مين اللي وقّع مكان مريم يوم نقل ملكية الشركة.
أنا حسيت إن الدم اتسحب من وشي.
لأنني عمري ما وقعت على أي نقل ملكية.
لكن أبويا فجأة قفل الدفتر وقال:
— وده بالضبط السبب اللي خلاني أرجع بعد 11 سنة.
ثم فتح صفحة أخيرة…
وعليها توقيع يحمل اسمي.
توقيعي أنا.
لكنني لم أوقعه أبدًا.
نكمل من لحظة ظهور التوقيع المزور، ونكشف جزء جديد من الخدعة من غير ما نكشف كل الأسرار مرة واحدة.
فضلت باصة على الورقة وأنا مش قادرة أصدق عيني.
التوقيع اللي عليها كان شبه توقيعي بدرجة تخوف.
نفس الميل.
نفس طريقة كتابة حرف الميم.
حتى النقطة الصغيرة اللي كنت بحطها بعد اسمي.
لكن المشكلة الوحيدة…
إني عمري ما وقعت الورقة دي.
رفعت عيني لأبويا.
— ده مش توقيعي.
قال بهدوء:
— عارف.
كريم ضرب بإيده على الترابيزة.
— كفاية بقى! إحنا في محكمة، مش في فيلم!
القاضي بص له بصرامة.
— آخر تحذير يا أستاذ كريم.
المحامي حسام حاول ياخد الورقة من قدام القاضي، لكن القاضي منعه.
— محدش يلمس أي مستند.
وبعدين بص لي.
— مدام مريم، هل حضرتك متأكدة إن التوقيع ده مش توقيعك؟
قلت من غير تردد:
— متأكدة مليون في المية.
أبويا قال:
— لأنها كانت في البيت معايا في اليوم اللي اتعملت فيه الورقة.
كريم رفع حاجبه.
— مستحيل.
أبويا بص له.
— إنت أكتر واحد عارف إنه مش مستحيل.
القاضي سأل:
— إيه اللي حصل في اليوم ده؟
أبويا سكت ثواني، وكأنه بيرجع بذاكرته لسنين طويلة.
وبعدين قال:
— قبل 11 سنة، الشركة كانت بدأت تكبر بسرعة. مريم كانت صاحبة النصيب الأكبر، وكريم كان عايز يسيطر على كل حاجة.
كريم قاطعه:
— أنا كنت بطور الشركة!
أبويا رد:
— وأنا ماقلتش غير كده.
ثم فتح الدفتر.
— لكن المشكلة إن المستثمرين الجدد طلبوا إن الملكية تكون واضحة، وكريم كان عارف إن وجود مريم بنسبة 61% معناه إن محدش يقدر يتصرف في الشركة من غير موافقتها.
القاضي سأله:
— وماذا فعل؟
أبويا قال:
— حاول يقنعها تبيع له جزء من أسهمها.
ضحكت بمرارة.
— فاكرة الكلام ده.
كريم بص لي.
— إنتِ وافقتِ.
قلت:
— وافقت أتنازل عن الإدارة، مش الملكية.
أبويا هز رأسه.
— بالضبط.
وبعدين قال:
— ولما مريم رفضت تتنازل عن أسهمها، بدأت المشاكل.
القاضي سأل:
— وما علاقة اختفائك؟
أبويا بص لي مباشرة.
— أنا كنت أول واحد اكتشف إن فيه تحويلات مالية بتخرج من الشركة من غير علم مريم.
أنا شهقت.
— إنت اكتشفت ده إمتى؟
— قبل اختفائي بأسبوعين.
كريم وقف.
— دي أكاذيب!
القاضي ضرب بالمطرقة.
— اجلس.
أبويا كمل:
— كان فيه حسابات جانبية، وشركات صغيرة بتتعامل مع شركة النقل، لكن أصحابها الحقيقيين كانوا أشخاص قريبين جدًا من كريم.
المحامي حسام قال:
— بدون دليل، ده مجرد كلام.
أبويا ابتسم.
— الدليل في الصفحة 37.
القاضي قلب الصفحة.
وكانت فيها أسماء شركات ومبالغ وتواريخ.
ثم سأل:
— هل هذه الشركات كانت تتعامل مع Whitmore… أقصد شركة المنشاوي للنقل؟
أبويا قال:
— أيوه.




