
الجزء الثاني
ظللت أحدق في أبي لعدة ثوانٍ.
— “فخ؟”
لم يجبني مباشرة.
أخذ رشفة من قهوته، ثم وضع الفنجان ببطء على الطاولة.
— “ليان، أريدك أن تجيبي عن سؤال واحد فقط.”
— “ما هو؟”
— “هل أخبرك ياسر بأي شيء عن مشاريعه الأخيرة قبل الطلاق؟”
فكرت للحظة.
— “كان يتحدث عن صفقة ضخمة. قال إنها ستغير مستقبل الشركة.”
— “هل أخبرك بقيمة الصفقة؟”
— “لا.”
هز أبي رأسه.
— “وهل طلب منك توقيع أي أوراق خلال الشهر الماضي؟”
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
— “نعم.”
رفع أبي عينيه نحوي.
— “ماذا وقعتِ؟”
بدأت أتذكر.
قبل ثلاثة أسابيع، وضع ياسر أمامي مجموعة من المستندات وقال إنها مجرد إجراءات روتينية لتحديث بعض بيانات الشركة.
كنت وقتها مشغولة بإجراءات الطلاق، ولم أقرأ التفاصيل.
قلت:
— “قال إنها أوراق خاصة بالشركة. لم أكن أعتقد أنها مهمة.”
تنهد أبي.
— “وهذا بالضبط ما كنت أخشاه.”
نهض من مكانه واتجه إلى خزانة صغيرة في زاوية المطبخ.
أخرج منها ملفًا بنيًا سميكًا.
ثم وضعه أمامي.
— “افتحيه.”
فتحت الملف.
في الصفحة الأولى كان هناك اسم شركة لم أره من قبل.
شركة المنصورية للاستثمارات.
نظرت إلى أبي باستغراب.
— “ما علاقة هذه الشركة بياسر؟”
— “هذا ما سنكتشفه.”
قلبت الصفحة.
ثم توقفت.
كان هناك توقيع يشبه توقيعي تمامًا.
لكنني لم أتذكر أنني وقعت على هذا المستند.
— “هذا ليس توقيعي.”
قال أبي بهدوء:
— “أعرف.”
رفعت رأسي إليه.
— “ماذا تقصد؟”
— “أقصد أن شخصًا ما استخدم توقيعك.”
شعرت بأن الهواء اختفى من الغرفة.
— “لكن لماذا؟”
جلس أبي أمامي.
— “لأن هناك تحويلات مالية تمت باسمك.”
قلبت الأوراق بسرعة.
أرقام.
حسابات.
شركات.
تحويلات بمبالغ ضخمة.
ثم رأيت الرقم الذي جعل يدي ترتجف.
1,200,000 دولار.
— “يا إلهي…”
قال أبي:
— “هذا ليس كل شيء.”
أخرج ورقة أخرى.
— “هناك مبلغ أكبر.”
نظرت إليها.
3,400,000 دولار.
شعرت بالدوار.
— “أبي… أنا لم أفعل هذا.”
— “أعرف.”
— “لكن كيف؟”
نظر إليّ طويلًا قبل أن يقول:
— “لأنني بدأت أشك في ياسر منذ ستة أشهر.”
ساد الصمت.
— “ستة أشهر؟”
— “نعم.”
— “ولم تخبرني؟”
خفض أبي عينيه.
— “كنت أحتاج إلى دليل.”
ثم أضاف:
— “ولو أخبرتك قبل أن أتأكد، ربما كنت ستواجهينه، وكان سيعرف أننا نراقبه.”
بدأت الدموع تتجمع في عيني.
— “إذن كنت تعرف أن شيئًا سيحدث اليوم؟”
— “كنت أعرف أن شيئًا سيحدث قريبًا.”
— “لكن كيف عرفت أن عليّ تغيير البطاقات تحديدًا؟”
ابتسم أبي ابتسامة حزينة.
— “لأنني حصلت على معلومة صباح اليوم.”
اقتربت منه.
— “من أين؟”
فتح هاتفه وأراني رسالة.
كانت من رقم مجهول.
قرأتها أكثر من مرة.
ثم شعرت بقلبى يتوقف.
“بعد انتهاء الطلاق مباشرة، سيستخدم ياسر بطاقات ليان لتنفيذ الدفعة الأخيرة. إذا لم تمنعوه اليوم، ستتحمل هي المسؤولية.”
حدقت في أبي.
— “من أرسلها؟”
— “لا أعرف.”
— “وهل تثق به؟”
— “لا.”
ثم قال شيئًا جعل الدم يتجمد في عروقي:
— “لكن الشخص الذي أرسلها يعرف تفاصيل لا يعرفها إلا ثلاثة أشخاص.”
— “من هم؟”
صمت أبي.
ثم قال:
— “أنا.”
توقفت أنفاسي.
— “ياسر.”
ثم نظر إليّ مباشرة.
— “وأنتِ.”
لم أستطع الكلام.
فجأة، رن هاتف أبي.
نظر إلى الشاشة.
تغير وجهه.
— “إنها الشرطة.”
أجاب المكالمة.
استمع لبضع ثوانٍ دون أن يتحدث.
ثم أغلق الهاتف.
— “ماذا حدث؟”
نظر إليّ وقال:
— “ياسر لم يغادر النادي.”
— “وماذا فعل؟”
— “طلب مقابلة مدير النادي.”
— “لماذا؟”
— “لأنه يقول إن البطاقات رُفضت بسبب خطأ مصرفي.”
تنفست براحة قصيرة.
لكن أبي لم يبدُ مرتاحًا.
قال:
— “وهناك مشكلة أكبر.”
— “ما هي؟”
— “الشرطة عثرت على شيء في سيارة ياسر.”
سألته بصوت مرتجف:
— “ماذا؟”
قال أبي:
— “نسخة من جواز سفرك.”
تجمدت في مكاني.
— “جواز سفري؟ لماذا كان معه؟”
لم يجب أبي.
ثم وصلت رسالة جديدة إلى هاتفه.
قرأها.
هذه المرة لم يتكلم.
— “أبي؟”
رفع عينيه نحوي.
كان وجهه شاحبًا.
— “ليان… يجب أن نغادر هذا المنزل الآن.”
— “لماذا؟”
أراني الشاشة.
كانت الرسالة قصيرة:
“لقد عرفتم متأخرين جدًا.”
وفي اللحظة نفسها…
انطفأت أنوار المنزل.
ثم سمعنا صوت ارتطام قوي عند الباب الخارجي.
مرة.
ثم مرة ثانية.
اقترب أبي مني وهمس:
— “لا تفتحي الباب.”
لكن قبل أن أستطيع الرد، جاء صوت من الخارج:
— “ليان… أنا ياسر. افتحي الباب. نحن بحاجة إلى أن نتحدث.”
نظرت إلى أبي.
فقال بهدوء:
— “هذا ليس ياسر.”
ثم أضاف:
— “وياسر الحقيقي الآن في مكان آخر.”
الجزء الثالث
ثبتُّ في مكاني، وأنا أحدق في الباب.
كان صوت الرجل من الخارج مطابقًا تقريبًا لصوت ياسر.
— “ليان، افتحي الباب. أريد أن نتحدث فقط.”
وضعت يدي على فمي حتى لا يسمع ارتجاف أنفاسي.
همست:
— “كيف عرفت أنه ليس ياسر؟”
أشار أبي إلى هاتفه.
— “لأن الشرطة قالت إن ياسر لا يزال داخل النادي.”
ثم اقترب من الباب دون أن يلمسه.
— “والأهم من ذلك… ياسر الحقيقي لا يعرف أنني أعرف.”
فجأة، جاء صوت طرق قوي.
— “ليان! افتحي!”
ثم صمت.
وبعد ثوانٍ، سمعنا صوت سيارة تبتعد بسرعة.
انتظر أبي حتى تأكد من اختفائها، ثم أخرج هاتفًا آخر من جيبه واتصل بشخص ما.
— “بدأوا التحرك.”
صمت قليلًا.
ثم قال:
— “نعم، هي معي.”
نظرت إليه بدهشة.
— “من كنت تكلم؟”
— “شخص سيساعدنا.”
— “أبي، أريد الحقيقة كاملة.”
جلس أمامي وقال:
— “حسنًا. لكن يجب أن تكوني مستعدة لسماع شيء لن يعجبك.”
جلست.
قال:
— “قبل عام تقريبًا، بدأت أراقب بعض التحويلات المالية المرتبطة بشركة ياسر.”
— “لماذا؟”
— “لأن إحدى الشركات التي كان يتعامل معها ظهرت في تحقيق قديم عن غسل الأموال.”
شهقت.
— “هل كان ياسر يغسل الأموال؟”
— “ليس بالضرورة.”
ثم وضع ملفًا آخر أمامي.
— “لكن شخصًا كان يستخدم شركته.”




