منوعات

القصة كاملة بقلم محمد عبده

الجزء الثاني والاخير
القاضي فضل ماسك الورقة قدامه، وبص لأبويا بنظرة طويلة.

أبويا حاول يحافظ على هدوءه، وقال:

«ممكن أعرف الورقة دي بتقول إيه يا سيادة المستشار؟»

القاضي ما ردش عليه فورًا.

رجع يبص في المستند مرة تانية، وبعدين قال:

«الورقة دي عبارة عن إقرار موثق من جدك، الحاج عبدالرحمن منصور، قبل وفاته.»

أمي بدأت تتحرك في كرسيها بعصبية.

أبويا قال بسرعة:

«جديها كان كبير في السن وقتها، وممكن يكون مش واعي كويس هو بيمضي على إيه.»

رفعت عيني ناحية أبويا.

دي كانت أول مرة أسمعه يتكلم عن جدي بالطريقة دي.

جدي اللي طول عمره كان بالنسبة لي أهدى وأعقل إنسان عرفته.

القاضي رد بهدوء:

«الوثيقة موثقة رسميًا، وموجودة في السجلات من سنين.»

أبويا سكت.

القاضي قلب الصفحة.

وبعدين قال:

«وفيها نص واضح بخصوص ملكية البيت محل النزاع.»

قلبي بدأ يدق أسرع.

بصيت للورقة.

كنت فاكرة إن البيت ده اتساب ليّ كنوع من الميراث وخلاص.

لكن واضح إن الموضوع كان أكبر من كده.

القاضي قال:

«الجد عبدالرحمن منصور نقل ملكية العقار بالكامل إلى حفيدته سلمى منصور.»

أمي شهقت.

أبويا قام من مكانه تقريبًا.

«إيه؟!»

القاضي رفع عينه له.

«اقعد يا أستاذ حسن.»

أبويا قعد ببطء.

أما أنا…

فكنت مش قادرة أتكلم.

القاضي كمل:

«والأهم من كده، إن جدك كتب في الإقرار إنه دفع كامل ثمن العقار من ماله الخاص، وإن أي مصروفات مستقبلية تخص العقار تتحملها المالكة الجديدة.»

أبويا هز راسه بعنف.

«ده مش صحيح! إحنا صرفنا على البيت سنين!»

القاضي بص له.

«عندك إيصالات؟»

أبويا سكت.

«تحويلات بنكية؟»

سكت تاني.

«فواتير باسمك؟»

أبويا بدأ يقلب في الأوراق قدامه.

القاضي قال:

«الادعاء وحده مش كفاية.»

أمي تدخلت لأول مرة:

«بس إحنا كنا بنحافظ على البيت! هي كانت مسافرة طول الوقت ومش موجودة.»

القاضي قال:

«وجودها أو غيابها مش هو محل النزاع. السؤال هو: هل الملكية انتقلت لها بشكل قانوني؟»

سكتت أمي.

القاضي رجع للمستند.

وبعدين قال جملة خلتني أحس إن الأرض اتحركت من تحتي:

«وفيه ملحق تاني للوثيقة.»

بصيت له بسرعة.

«ملحق؟»

هز راسه.

«أيوه.»

قلب الصفحة.

«لكن الملحق ده مش متعلق بالبيت فقط.»

أبويا اتوتر.

والغريب إن توتره كان أكبر بكتير من اللحظة اللي عرف فيها إن البيت باسمي.

بصيت له.

ولأول مرة…

بدأت أشك إن أبويا كان عارف بوجود الورقة دي.

القاضي قال:

«الملحق بيشير إلى مبلغ مالي كبير كان الجد قد وضعه باسم حفيدته.»

أمي بصت لأبويا.

وأبويا بص للأرض.

أنا همست:

«فلوس؟»

القاضي أومأ.

«وكانت هناك تعليمات محددة جدًا بخصوص المبلغ.»

سألت:

«إيه التعليمات؟»

القاضي سكت ثواني.

ثم قال:

«إن المبلغ لا يتم تسليمه لأي شخص آخر، مهما كانت صلته العائلية، إلا بموافقتك الشخصية.»

حسيت إن نفسي وقف.

أنا طول عمري كنت فاكرة إن جدي ساب لي البيت وبس.

كنت عارفة إنه كان بيحبني.

لكن ما كنتش أعرف إنه عمل كل ده من ورا الكواليس.

بصيت لأبويا.

«كنت تعرف؟»

ما ردش.

«يا بابا… كنت تعرف إن جدي سايب لي فلوس؟»

أبويا رفع عينه ناحيتي.

وكانت نظراته مختلفة.

مش غضب.

مش احتقار.

كان فيها خوف.

قال بصوت منخفض:

«أنا… ما كنتش أعرف كل التفاصيل.»

لكن القاضي قاطعه:

«غريب.»

أبويا بص له.

القاضي أشار إلى ورقة أخرى.

«لأن فيه مستند بتاريخ بعد وفاة والدك بشهرين، وبيثبت إنك تقدمت بطلب للاستعلام عن الحساب.»

القاعة كلها سكتت.

بصيت لأبويا وأنا مش مصدقة.

«إنت فتشت ورا فلوس جدي؟»

أبويا حاول يتكلم.

«سلمى، الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة…»

ضحكت ضحكة قصيرة، من غير فرحة.

«أمال عامل إزاي؟»

ما ردش.

أمي بدأت تبكي.

وقالت:

«إحنا كنا محتاجين الفلوس وقتها.»

بصيت لها.

«وما قولتوش ليه؟»

قالت:

«كنتِ بعيدة… وما كناش عارفين هترجعي إمتى.»

رديت بهدوء:

«فبدل ما تسألوني، رفعتوا عليا قضية علشان تاخدوا البيت؟»

ماحدش رد.

القاضي جمع الأوراق قدامه.

وقال:

«لسه فيه نقطة أهم.»

بصيت له.

«إيه؟»

قال:

«الإقرار ده مش هو المستند الوحيد الموجود.»

فتح درج جانبي في مكتبه.

وطلع ظرف بني قديم.

كان عليه ختم رسمي.

وحينما شفت اسم جدي مكتوب على الظرف…

اتجمدت مكاني.

القاضي قال:

«الظرف ده وصل للمحكمة من مكتب المحامي اللي كان بيتابع شؤون جدك.»

ثم نظر إليّ مباشرة.

«وقال إنه كان محتفظ بيه بناءً على تعليمات جدك، وما يسمحش بفتحه إلا لو حصل نزاع على ملكية البيت.»

بصيت لأبويا.

المرة دي…

هو اللي ما قدرش يبص في عيني.

القاضي فتح الظرف.

أخرج ورقة واحدة.

قرأ أول سطر.

ثم توقف.

رفع عينه وقال:

«سلمى… جدك كان متوقع إن اليوم ده يحصل.»

سألته:

«أي يوم؟»

رد:

«اليوم اللي والدك ووالدتك يحاولوا ياخدوا منك البيت.»

أبويا انتفض من مكانه:

«ده افتراء!»

القاضي ضرب بالمطرقة على المنضدة.

«اتفضل اقعد.»

رجع الصمت.

القاضي بدأ يقرأ الرسالة.

لكن قبل ما يكمل…

وقف فجأة.

وبص لأبويا.

وقال:

«فيه اسم شخص تاني مذكور هنا.»

أبويا وشه اصفر.

أنا بصيت للقاضي.

«مين؟»

القاضي رفع الورقة.

وقال:

«محامي والدك القديم.»

ثم أضاف:

«والواضح إن المحامي ده كان طرفًا في اتفاق حصل قبل وفاة جدك بأيام.»

بصيت لأبويا.

وساعتها فهمت…

إن قضية البيت ما كانتش مجرد محاولة للاستيلاء على ملكية.

كان فيه سر قديم.

سر جدي خبّاه.

وأبويا قضى سنين يحاول يدفنه.

لكن السر كان لسه موجود…

في ظرف واحد.

والقاضي كان على وشك يفتحه بالكامل.

التكملة في الجزء الجاي… لأن اللي هتقرأه سلمى في آخر الرسالة هيغير نظرتها لأبوها للأبد.
القاضي فضل ماسك الرسالة بين إيديه.

وأنا كنت قاعدة مكاني، مش قادرة أرمش.

أبويا كان واضح عليه التوتر.

أما أمي، فكانت كل شوية تبص له، وكأنها مستنية منه يتصرف.

القاضي قال:

«الرسالة دي مكتوبة بخط يد الحاج عبدالرحمن منصور، وموقعة منه شخصيًا.»

ثم بدأ يقرأ:

«إلى حفيدتي سلمى…

لو إنتِ بتسمعي الكلام ده، فمعناه إن الخلاف اللي كنت خايف منه حصل بالفعل.»

جسمي كله اتشد.

القاضي كمل:

«أنا عارف إنك هتكوني مستغربة ليه سبت لك البيت، وليه حرصت إن كل ورقة تخصه تكون محفوظة بعيد عن أي حد.»

سكت القاضي لحظة.

ثم أكمل:

«لكن كان لازم أحمي حقك… حتى من أقرب الناس ليك.»

رفعت عيني ناحية أبويا.

هو كان بيبص للأرض.

القاضي تابع:

«يا سلمى، أبوكي طلب مني أكتر من مرة أغيّر ملكية البيت وأخليه باسمه.»

أبويا انتفض.

«ده مش صحيح!»

القاضي رفع عينه له.

«أنا بقرأ رسالة والدك.»

أبويا سكت.

القاضي رجع يكمل:

«وفي كل مرة كنت برفض، كان بيغضب ويقول إن البيت من حقه لأنه ابني.»

أمي بدأت تبكي بصمت.

أنا كنت حاسة إن كل كلمة بتقربني من إجابة سؤال فضّل في دماغي سنين:

ليه أبويا عمره ما حب البيت ده؟

البيت اللي كنت بعتبره أجمل مكان في الدنيا…

أبويا كان دايمًا بيتعامل معاه كأنه عبء.

القاضي تابع:

«لكن اللي أبوكي ما كانش يعرفه، إن البيت لم يكن الشيء الوحيد اللي تركته لك.»

اتنفض قلبي.

الفلوس.

أكيد بيتكلم عن الحساب.

لكن القاضي كمل:

«كنت حاطط مبلغ مالي باسمك، علشان يساعدك في حياتك، لكني كنت عارف إن أبوكي لو عرف، هيحاول يستخدمه بطريقة مش هتكون في مصلحتك.»

أبويا قال بصوت عالي:

«كفاية!»

القاضي بص له بحزم.

«لو سمحت.»

ثم أكمل:

«وفي يوم من الأيام، أبوكي دخل مكتبي ومعاه أوراق طلب مني أوقع عليها.»

بصيت لأبويا.

«إيه الأوراق دي؟»

ما ردش.

القاضي قال:

«كانت أوراق بتدّعي إنك تنازلتي عن ملكية البيت.»

اتجمدت.

«أنا؟!»

القاضي هز راسه.

«أيوه.»

ضحكت من الصدمة.

«بس أنا عمري ما وقعت على أي تنازل.»

القاضي قال:

«وده بالضبط اللي كان جدك عارفه.»

ثم قلب الورقة.

«كتب هنا إنه رفض التوقيع، لأنه كان متأكد إن توقيعك لم يكن موجودًا أصلًا.»

أبويا بدأ يتكلم بسرعة:

«أنا كنت بحاول أحمي البيت!»

بصيت له.

«تحميه من مين؟»

سكت.

«مني؟»

ما ردش.

«ولا من نفسك؟»

أمي قالت:

«سلمى، الموضوع كان أعقد من كده.»

بصيت لها.

«طب احكيلي.»

لكنها ما قدرتش.

القاضي وضع الرسالة على الطاولة.

وقال:

«لسه باقي الجزء الأخطر.»

كل الموجودين سكتوا.

القاضي قرأ:

«يا سلمى… لو وصلتي للنقطة دي، فمعناه إن أبوكي حاول بالفعل استخدام أوراق قديمة لإثبات إن البيت من حقه.»

ثم توقف.

وقال:

«لكن هناك شيء آخر يجب أن تعرفيه.»

رفع عيني من الورقة.

«جدك ذكر إن العقار تم تقييمه قبل وفاته، وإن قيمته وقتها كانت أعلى بكثير مما كان معلنًا.»

أنا ما فهمتش.

«يعني إيه؟»

القاضي شرح:

«كان فيه عرض شراء للعقار قبل وفاة جدك.»

أبويا وشه تغير.

القاضي قال:

«وعرض الشراء كان بمبلغ كبير جدًا.»

بصيت لأبويا.

«إنت كنت عايز تبيع البيت؟»

قال بسرعة:

«لا.»

القاضي قلب ورقة أخرى.

«الغريب إن فيه خطاب عرض شراء باسم والدك.»

أبويا سكت.

أمي بدأت تبص له بصدمة.

أنا حسيت إن رجلي بتترعش.

«يعني كنت ناوي تبيع بيت جدي من غير ما أعرف؟»

أبويا قال:

«كنت محتاج الفلوس.»

«ليه؟»

ما ردش.

القاضي قال:

«لأن ده هو الجزء اللي لازم تعرفيه.»

ثم أخرج مستندًا آخر.

«والدك كان عليه ديون.»

أمي غطت وشها بإيديها.

أنا بصيت لأبويا.

«قد إيه؟»

القاضي قال الرقم.

كان مبلغًا ضخمًا.

فهمت فجأة.

القضية كلها.

محاولة إثبات إن البيت بتاعهم.

محاولة تحميلهم للمصاريف.

الضغط عليّ.

كل ده كان هدفه واحد:

بيع البيت وسداد الديون.

لكن ليه استنوا كل السنين دي؟

وليه رفعوا القضية دلوقتي؟

القاضي قلب آخر صفحة.

وفجأة توقف.

ثم قال:

«وفيه سبب تاني لرفع القضية في التوقيت ده تحديدًا.»

بصيت له.

«إيه هو؟»

القاضي رفع مستند جديد.

«والدك وقّع بالفعل على عقد بيع مبدئي للعقار.»

أبويا قال:

«ده مش عقد نهائي!»

القاضي رد:

«لكن فيه توقيعك كشاهد.»

أنا بصيت لأمي.

ثم لأبويا.

وقلت:

«مين المشتري؟»

القاضي سكت.

ثم قال اسمًا جعل أمي تقوم من مكانها فجأة.

«شركة النور للتطوير العقاري.»

أمي شهقت:

«لا…»

أنا بصيت لها.

«إنتِ تعرفيهم؟»

ما ردتش.

القاضي نظر إليها مباشرة.

«واضح إن حضرتك تعرفي أكتر مما قلتي.»

أمي بدأت تبكي.

وأبويا قال:

«منى… اسكتي.»

في اللحظة دي فهمت إن أمي كانت تعرف.

لكنها كانت بتخبي حاجة أكبر.

حاجة ما كانتش تخص البيت بس.

القاضي جمع الأوراق.

وقال:

«قبل ما نكمل، عندي سؤال واحد للسيدة منى.»

أمي رفعت رأسها.

القاضي قال:

«ليه اسم حضرتك موجود في التحويل البنكي المرتبط بالصفقة؟»

القاعة كلها سكتت.

وأنا…

حسيت إن نفسي اتقطع.

لأن أمي ما أنكرتش.

بس قالت جملة واحدة:

«لأن الفلوس… ما كانتش علشان أبوكي.»

ثم بصت لي مباشرة.

«كانت علشانك إنتِ.»

ولأول مرة، بدأت أشك إن أمي رغم كل اللي حصل… كانت بتحاول تحميني بطريقتها.

لكن ليه؟

وإيه علاقة الفلوس بيا؟

والأهم…

إيه السر اللي جدي طلب من أمي تخبيه عني طول السنين دي؟

التكملة في الجزء الجاي…
القاعة كلها سكتت.

أنا فضلت باصة لأمي، مش قادرة أستوعب كلامها.

«الفلوس… كانت علشاني أنا؟»

أمي هزت راسها، ودموعها نزلت على خدها.

«أيوه يا سلمى.»

أبويا لف ناحيتها بعصبية.

«منى، ما تتكلميش.»

لكنها المرة دي ما سكتتش.

بصت له وقالت:

«أنا سكت كفاية.»

القاضي قال:

«اتفضلي كمّلي.»

أمي مسحت دموعها.

«قبل وفاة أبوك بشهور، جديك عرف إنك ناوية تكملي خدمتك مهما حصل. وكان عارف إنك ممكن تتعرضي للخطر.»

بصيت لها باستغراب.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى