روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

الجزء الثاني والاخير
رئيس المباحث بص لعم عبدالرحمن باستغراب، وقال له:

“اتفضل يا عم عبدالرحمن، إحنا سامعينك. إيه السر اللي البنت ما تعرفوش؟”

عم عبدالرحمن بص ليّ بحزن، وبعدها بص لأبويا وأمي، اللي كانوا واقفين قدام باب البيت وملامحهم اتغيرت تمامًا.

أمي حاولت تتدخل بسرعة وقالت:

“ما تسمعوش كلامه! الراجل ده كبير في السن، ومش فاهم هو بيقول إيه!”

لكن رئيس المباحث رفع إيده وقال بصرامة:

“محدش يتكلم غير لما ييجي دوره.”

عم عبدالرحمن أخد نفس طويل، وبعدها قال:

“أنا كنت ساعي البريد المسؤول عن المنطقة دي لمدة أكتر من تلاتين سنة. وكل جواب كان بيوصل للبيت ده، كنت بعرف مين استلمه ومين رفضه. لكن اللي حصل مع نور كان مختلف عن أي حاجة شوفتها في حياتي.”

بصيت له وقلت بقلق:

“تقصد إيه يا عم عبدالرحمن؟”

رد عليّ:

“أول جواب رجع من بيتكم، أنا استغربت. قلت يمكن أهلك مش موجودين. لكن لما الجواب التاني والتالت رجعوا، قررت أروح بنفسي وأسأل.”

وبعدها أشار ناحية أبويا وقال:

“أبوكي هو اللي كان بيرفض يستلم الجوابات. وكان بيقول لي بالحرف: البنت دي مش موجودة هنا، ومش عايزين أي حاجة توصل منها.”

حسيت إن الأرض بتتهز تحت رجلي.

بصيت لأبويا وقلت:

“إنت عملت كده فعلًا؟ أربع سنين كاملة وأنا ببعت لكم جوابات، وإنت كنت بترفض تستلمها؟!”

أبويا حاول يرد، لكن صوته خرج متقطع:

“أنا… أنا كنت بحاول أحمي العيلة.”

ضحكت بمرارة وقلت:

“تحمي العيلة من إيه؟ من بنتكم اللي كانت بتخدم بلدها؟”

ما ردش.

عم عبدالرحمن كمل كلامه:

“لكن فيه حاجة تانية. قبل ما نور تسافر بفترة قصيرة، أبوها جالي بنفسه وطلب مني أساعده في موضوع غريب. قال لي إنه عايز كل المراسلات اللي تخص بنته تتوقف، وإن أي جواب يوصل منها ما يتسلمش لحد.”

رئيس المباحث سأله:

“وإنت وافقت؟”

هز عم عبدالرحمن راسه وقال:

“لا يا بيه. أنا رفضت. لكن بعد فترة اكتشفت إن فيه حد تاني كان بيتدخل في الموضوع، وحد كان بيستخدم اسمي في تسجيلات استلام مش أنا اللي عملتها.”

الناس اللي كانت متجمعة بدأت تهمس لبعضها.

أما أنا، فكنت حاسة إن كل إجابة بتكشف وراها سؤال أكبر.

رئيس المباحث طلب من أحد الضباط يسجل أقوال عم عبدالرحمن، وبعدها التفت لأبويا.

“حضرتك عندك تفسير للكلام ده؟”

أبويا مسح عرقه وقال:

“كل ده سوء تفاهم. إحنا أهلها، ومن حقنا نخاف عليها.”

قلت له وأنا ببص في عينيه:

“الخوف على بنتك يخليك تمنع عنها جواباتها؟ يخليك تقول للناس إنها مجرمة؟ يخليك تخلي الجيران يبصوا ليّ كأني عار عليهم؟”

أمي بدأت تعيط بصوت عالي، لكن المرة دي محدش اتحرك يواسيها.

كانت بتقول:

“أنا أمك يا نور! إزاي تقفي قدام الناس وتحرجينا بالشكل ده؟!”

الكلمة دي وجعتني أكتر من كل اللي سمعته.

مش لأنها أمي، لكن لأنها لسه شايفة إن المشكلة إني كشفت الحقيقة، مش إنها قضت أربع سنين بتشوّه سمعتي.

قلت لها بهدوء:

“أنا ما أحرجتكيش يا أمي. أنا بس رجعت البيت. إنتِ اللي اتصلتي بالشرطة وقلتي إني مجرمة هربانة من السجن.”

رئيس المباحث طلب من أمي تدخل البيت، وطلب من أبويا يفضل مكانه لحد ما يتم التحقق من البلاغ والأوراق.

لكن قبل ما حد يتحرك، أمي قالت فجأة:

“طيب، حتى لو نور كانت في الجيش، ده مش معناه إنها بريئة من كل حاجة!”

كل العيون اتجهت ناحيتها.

رئيس المباحث سألها:

“تقصدِي إيه بالكلام ده؟ عندك دليل على اتهامك؟”

أمي سكتت لحظة، وبعدين بصت لأبويا.

النظرة دي لوحدها كانت كفاية تخليني أفهم إن فيه سر تاني، سر أكبر من حكاية السجن والجوابات.

أبويا قرب منها وهمس بعصبية:

“دلال، اسكتي!”

لكن رئيس المباحث سمعه.

وقال له:

“إنتوا الاتنين هتوضحوا كل حاجة، والكلام اللي بيتقال هنا لازم يكون له دليل.”

في اللحظة دي، عم عبدالرحمن رجع لعربيته، وفتح درج صغير كان محتفظ فيه بملف قديم.

رجع وهو ماسك ظرف أصفر باهت، أطرافه متآكلة من الزمن.

وقال:

“أنا كنت محتفظ بالظرف ده من أربع سنين، لأني حسيت وقتها إن فيه حاجة غلط. الظرف ده وصل ليا بالغلط ضمن المراسلات اللي رجعت من البيت، ولما شفت اسم نور عليه، قررت ما أتخلصش منه.”

مد إيده لرئيس المباحث.

أخد الضابط الظرف، وبص للاسم المكتوب عليه.

كان اسمي أنا.

لكن اللي خلاني أحس بصدمة حقيقية، إن الظرف ما كانش جاي من وحدتي العسكرية.

كان جاي من محامي.

محامي أنا عمري ما شفته، ولا سمعت اسمه قبل كده.

رئيس المباحث فتح الظرف بحذر، وبدأ يقرأ الورقة اللي جواه.

كل ما كان بيقرأ سطر، ملامحه كانت بتتغير أكتر.

وبعد لحظات، رفع عينيه وبص لأبويا وقال:

“إنت كنت عارف إن فيه مستند رسمي باسم بنتك، ومع ذلك أخفيت عنها الموضوع؟”

أبويا رجع لورا خطوة، وقال:

“أنا ما أخفيتش حاجة!”

الضابط رفع الورقة قدام عينيه وقال:

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى