
الجزء الرابع والأخير: السر اللي قلب حياة العيلة كلها! زينب فضلت باصة للرسالة اللي وصلتلها من الرقم المجهول، وهي حاسة إن كل حاجة كانت فاهمها عن السنين اللي فاتت بدأت تتغير. «لو عايزة تعرفي الحقيقة كاملة، راجعي الملف القديم الخاص بوفاة أحمد. رشدي ما دخلش العيلة بالصدفة».
الجملة الأخيرة كانت أكتر حاجة خوفتها.
أحمد، جوز بنتها الأول وأبو ليلى، كان راجل بسيط وأمين. مات من سبع سنين في حادث أثناء رجوعه من المصنع، وساعتها الكل اعتبر اللي حصل قضاء وقدر.
لكن ليه حد بيربط موته برشدي، مع إن رشدي ما ظهرش في حياتهم غير من تلات سنين؟
هل فيه حاجة حصلت قبل الحادث محدش عرفها؟
ولا فيه شخص بيحاول يستغل الموقف عشان يوقع رشدي؟
زينب قررت إنها مش هتتهم حد من غير دليل.
بصت لمريم وقالت:
— عايزاكي ترجعي البيت وتجيبي كل الأوراق اللي رشدي كان بيطلب منك توقعي عليها، وأي مستندات تخص الحسابات القديمة. ومهما كان اللي هنكتشفه، لازم نعرف الحقيقة كاملة.
مريم هزت راسها، وبعدها بصت ناحية بنتها.
ليلى كانت قاعدة جنب جدتها، ساكتة، وعينيها مليانة تعب.
قربت مريم منها وقالت:
— ليلى، ممكن تيجي معايا؟
البنت مسكت إيد جدتها بقوة.
— أنا عايزة أفضل مع تيتة.
مريم نزلت عينيها، وما حاولتش تجبرها.
لأول مرة، فهمت إن الأمومة مش كلمة بتتقال، ولا مجرد وجود طفل في البيت. الأمومة مسؤولية، وأمان، واحتواء، وإنها كانت بتطلب من بنتها تتحمل حاجات أكبر من سنها عشان هي نفسها ما تواجهش الحقيقة.
قالت مريم بصوت مكسور:
— حاضر يا حبيبتي. هسيبك مع تيتة، ومش هضغط عليكي. بس أوعديني إنك تسمحِيلي أحاول أصلح اللي أنا بوظته.
ليلى ما ردتش، لكنها ما بعدتش وشها عنها.
وكان ده كل اللي قدرت تقدمه في اللحظة دي.
في صباح اليوم التالي، رجعت مريم لبيت أمها ومعاها حقيبة مليانة مستندات قديمة.
زينب كانت مستنياها، ومعاها الأستاذ سامح وخالد المحاسب السابق، بعد الاتفاق على إن مراجعة الأوراق تتم بشكل منظم، وإن أي مستندات مهمة تتسلم للجهات المختصة.
فتحوا الحقيبة، وبدأوا يراجعوا الأوراق واحدة واحدة.
كانت فيه عقود، وكشوف حسابات، ومراسلات قديمة تخص المصنع.
وبعد ساعات من المراجعة، ظهر مستند غريب.
كان عبارة عن اتفاق مالي اتعمل قبل وفاة أحمد بشهور، بين شركة صغيرة لتوريد معدات المصانع وبين جهة مرتبطة بمصنع زينب.
المستند ما كانش دليلًا على ارتكاب جريمة لوحده، لكنه كشف إن أحمد كان قد اعترض على فواتير مش واضحة، وطلب مراجعتها قبل اعتمادها.
خالد قرب الورقة من عينيه وقال:
— أنا فاكر الموضوع ده. كان فيه خلاف قديم على تكلفة معدات جديدة، وأحمد طلب وقتها مراجعة الفواتير لأنه لاحظ إن الأسعار أعلى من المعتاد.
زينب سألته:
— والخلاف ده انتهى إزاي؟
خالد رد:
— على حد علمي، الموضوع اتقفل بعد وفاته. لكن محدش شرح لنا بالتفصيل إيه اللي حصل.
مريم كانت بتسمع الكلام وهي حاسة إن نفسها بيضيق.
— يعني أحمد كان بيكشف مخالفات قبل ما يموت؟
زينب ردت بحذر:
— ده اللي المستندات بتشير إليه، لكن ما نقدرش نربط ده بوفاته من غير دليل واضح.
في اللحظة دي، وصلت رسالة جديدة من الرقم المجهول.
المرة دي، كان فيها اسم شخص ورقم تليفون، ومعاهم عنوان أرشيف قديم تابع للشركة اللي كانت بتورد المعدات.
زينب قررت تتواصل مع محامي المصنع، وتطلب منه التحقق من صحة المستندات والرسالة قبل أي خطوة تانية.
وبعد يومين من الفحص، وصلهم رد مهم.
الشركة القديمة كان عندها بالفعل سجل مراسلات احتفظت بيه بعد إغلاق فرعها، وفيه نسخة من خطاب كتبه أحمد قبل وفاته بأيام.
الخطاب كان واضحًا في نقطة واحدة: أحمد اكتشف اختلافات مالية، وطلب وقف بعض المدفوعات لحين مراجعتها.
لكن ما كانش فيه أي دليل يثبت إن الحادث اللي مات فيه كان مدبرًا، أو إن رشدي له علاقة بوفاته.
زينب ارتاحت شوية، لأنها ما كانتش عايزة تظلم حد باتهام خطير من غير إثبات.
لكن السؤال الأهم فضل موجودًا:
إيه علاقة رشدي بالمستندات دي؟
بعد مراجعة السجلات، اكتشف خالد إن بعض الشركات اللي تعاملت مع المصنع قديمًا رجعت تظهر بأسماء جديدة، وإن جزءًا من التحويلات اللي تمت في عهد رشدي اتوجه لشركات مرتبطة بنفس شبكة الموردين.
الأمر كان محتاج تحقيقًا رسميًا، لكن الصورة بدأت تتضح.
رشدي ما اخترعش كل حاجة من البداية، لكنه استغل ثغرات قديمة في الرقابة على الحسابات، ووسعها خلال فترة إدارته.
وكان بيحاول بيع المصنع قبل ما تتكشف المخالفات، لأن الصفقة كانت هتنقل السيطرة على بعض الأصول وتخلي مراجعة الحسابات القديمة أكثر تعقيدًا.
أما التحويل اللي ظهر باسم أحمد، فاتضح بعد مراجعة البنك إن المبلغ كان مرتبطًا بحساب قديم تمت تسويته بعد وفاته، وإن استخدام اسمه في المستندات اللاحقة محتاج تفسيرًا رسميًا.
لم يثبت حتى تلك اللحظة أن رشدي سرق ميراث ليلى، لكن الأدلة كانت كافية لفتح تحقيق شامل في التعاملات المالية.
زينب ما اكتفتش بالكلام.
قدمت المستندات للمحامي، وطلبت مراجعة مستقلة لكل العمليات الثلاث والعشرين، مع إخطار الجهات المختصة بأي مخالفات تثبتها التحقيقات.
وفي اجتماع مجلس الإدارة التالي، تم تعليق صلاحيات رشدي التنفيذية مؤقتًا لحين انتهاء المراجعة، وتأجيل صفقة البيع.




