
الجزء الثاني والاخير
رفعت عيني ناحية العربية وأنا مش قادرة أتحرك.
الشباك نزل بالكامل…
وفجأة ظهر وش راجل في أواخر الخمسينات.
شعره كان فيه خصلات بيضا، وملامحه هادية بشكل غريب، لكن عينيه كان فيهم حاجة خلتني أحس إني شفته قبل كده.
فتح باب العربية ونزل.
وقف قدامي ثواني من غير ما يتكلم.
وبعدين قال:
“مريم؟”
اتجمدت مكاني.
قلت بتوتر:
“إنت تعرفني؟”
بصلي وكأنه بيتأكد من حاجة كان شاكك فيها من سنين.
وقال:
“أنا اسمي حاتم الشاذلي.”
الاسم وقع عليّ كأنه صدمة.
حاتم الشاذلي؟
كان واحد من أكبر رجال الأعمال في إسكندرية.
لكن إيه علاقته بيا؟
وقبل ما أسأله، قال:
“اركبي.”
رجعت خطوة لورا.
قلت بسرعة:
“لا، شكرًا… أنا هتصرف.”
ابتسم ابتسامة صغيرة وقال:
“لو كان عندك مكان تروحيه، مكنتيش هتكوني واقفة هنا لوحدك في نص الليل.”
سكت.
لأنه كان عنده حق.
وبعدين بص لبطنّي.
نظراته اتغيرت فجأة.
وقال:
“إنتِ حامل؟”
إيدي راحت تلقائيًا على بطني.
قلت:
“أيوه.”
اتنهد ببطء.
وبص بعيد للحظة، كأنه كان بيحاول يخفي صدمة كبيرة.
وبعدين قال:
“يبقى لازم تركبي معايا.”
قلت بخوف:
“ليه؟”
بصلي وقال جملة خلت قلبي يقف.
“لأن حملك ده ممكن يكون السبب الوحيد اللي يقدر ينقذك من اللي جوزك بيخطط له.”
حسيت بقشعريرة في جسمي.
قلت:
“إنت بتتكلم عن إيه؟”
لكنه ما ردش.
فتح باب العربية وقال:
“اركبي، وأنا هشرحلك كل حاجة.”
كنت مترددة.
لكن في النهاية ركبت.
—
طول الطريق، مكنتش قادرة أتكلم.
العربية كانت فخمة جدًا، والسواق ساكت، وحاتم قاعد قدامي وبيتكلم في التليفون بصوت منخفض.
بعد حوالي نصف ساعة، وصلنا لفيلا ضخمة على أطراف برج العرب.
أول ما دخلنا، واحدة ست كبيرة في السن جريت ناحيتي.
ولما شافتني…
اتوقفت مكانها.
بصت في وشي، وبعدين حطت إيدها على قلبها.
وقالت:
“يا نهار أبيض…”
بصت لحاتم وقالت:
“هي دي؟”
رد عليها:
“أيوه.”
قربت مني وهي بتبصلي باهتمام شديد.
وقالت:
“اسمك مريم؟”
هزيت رأسي.
قالت وهي دموعها بدأت تنزل:
“يبقى أخيرًا لقيتك.”
اتوترت أكتر.
قلت:
“لقيتوني؟! أنا مش فاهمة حاجة.”
حاتم أشار لي أقعد.
وقعد قدامي.
وبصلي في عيني وقال:
“من 12 سنة، كان عندي أخ أصغر اسمه سامح.”
سكت لحظة.
“سامح كان متجوز واحدة اسمها نادين.”
اتغيرت ملامحه.
“نادين كانت حامل في أول طفل ليهم.”
بصيت له باستغراب.
فكمل:
“لكن قبل الولادة بشهرين، حصل حادث على طريق القاهرة إسكندرية الصحراوي.”
اتنهد.
“سامح ونادين ماتوا.”
شهقت.
قلت:
“والطفل؟”
بصلي مباشرة.
وقال:
“الطفل اختفى.”
سكت المكان كله.
قلت:
“اختفى إزاي؟”
قال:
“العربية اتحرقت، والناس اللي وصلوا للحادث قالوا إن مفيش طفل.”
وبعدين مال للأمام وقال:
“لكننا كنا متأكدين إن الطفل كان موجود.”
حسيت بقلبّي بدأ يدق بسرعة.
قلت:
“وإيه علاقة ده بيا؟”
حاتم فتح درج صغير جنب الكرسي.
وأخرج منه صورة قديمة.
حطها قدامي.
مسكت الصورة.
كانت صورة لراجل وست واقفين جنب بعض.
وفي إيد الست ورقة صغيرة.
قلبت الصورة.
وكان مكتوب على ظهرها اسم…
“مريم.”
رفعت عيني له بسرعة.
قلت:
“إيه ده؟”
قال:
“أخويا قبل ما يموت بأيام كان بيقول إن لو حصل له حاجة، لازم أدور على بنت اسمها مريم.”
قلت:
“بس أنا مالي بكل ده؟”
قال:
“لأن سامح كان عنده بنت صغيرة من زواج سابق.”
توقفت أنفاسي.
“بنت اسمها مريم.”
اتجمدت.
قلت:
“أنا؟”
حاتم هز رأسه ببطء.
“إحنا مش متأكدين بنسبة مية في المية.”
وبعدين أضاف:
“لكن فيه تحليل DNA اتعمل من كام سنة، والنتيجة كانت مخفية.”
قلت:
“فين التحليل؟”
قبل ما يرد…
رن تليفونه.
بص للشاشة.
ملامحه اتغيرت تمامًا.
رد.
فضل ساكت حوالي عشر ثواني.
وبعدين قال:
“متأكد؟”
الطرف التاني رد.
حاتم قام واقف فجأة.
وقال:
“خليها معاك، ومتخليش حد يعرف إنها هنا.”
قفل المكالمة.
بصلي.
وقال:
“مريم… لازم تعرفي الحقيقة قبل ما ترجعي لجوزك.”
قلت:
“أنا مش هرجع له.”
قال:
“الموضوع مش عن الرجوع.”
قرب مني.
“محمود مش طردك عشان الست دي حامل.”
اتصدمت.
قلت:
“يعني إيه؟”
رد بصوت منخفض:
“هو كان عارف إنك حامل.”
حسيت إن الدم انسحب من وشي.
قلت:
“مستحيل.”
قال:
“مش بس كان عارف…”
وسكت.
ثم أضاف:
“هو كان مستني الحمل ده من زمان.”
وقبل ما أقدر أتكلم، سمعت صوت عربية بتقف قدام الفيلا.
حاتم بص ناحية الباب.
وبعدين قال:
“وصلوا.”
قلت بخوف:
“مين؟”
بصلي وقال:
“جوزك… وحماتك.”
ثم أضاف:
“ومعاهم محامي.”
لكن اللي ماكنتش أعرفه إنهم ماجوش عشان يرجعوني…
جايين عشان ياخدوا مني الطفل بأي طريقة.
يتبع…
اتجمدت مكاني أول ما سمعت كلام حاتم.
“جوزك وحماتك جايين هنا؟!”
هز رأسه.
“أيوه.”
“بس إزاي عرفوا مكاني؟”
حاتم بص للسواق وقال:
“اقفل البوابة.”
وبعدين رجع بصلي وقال:
“واضح إن في حد كان بيتابعك من أول ما خرجتي من بيت محمود.”
حسيت بقشعريرة في جسمي.
يعني حتى بعد ما طردني… كان لسه بيراقبني؟
سألته:
“هو عايز إيه مني؟”
حاتم رد بمنتهى الهدوء:
“الطفل.”
حطيت إيدي على بطني.
“بس ده ابنه!”
قال:
“وده بالضبط سبب إن الموضوع خطير.”
قبل ما أقدر أسأله، سمعنا خبط قوي على البوابة الخارجية.
وبعدها صوت محمود:
“مريم! افتحي الباب!”
اتخضيت.
صوته كان مختلف.
مش صوت الراجل البارد اللي طردني.
كان فيه توتر واضح.
حاتم أشار لي أقعد.
وقال:
“إنتِ مش هتقابليه لوحدك.”
دخل رجل في الأربعينات، لابس بدلة سوداء، ومعاه ملف كبير.
حاتم قال:




