
الجزء الثاني فضلت باصة للمستند قدامي، من غير ما ألمسه. القاضي سليم منصور كان ساكت. وأبويا واقف مكانه، وشه شاحب بشكل عمري ما شفته عليه قبل كده. أما أمي، فكانت بتبص له مرة، وللقاضي مرة تانية. قلت بهدوء: “هو المستند ده فيه إيه؟” القاضي رد: “ده عقد ملكية أصلي.” مد إيده وحط الورقة قدامي. “والأهم من كده… العقد ده بيثبت إن جدك، قبل وفاته، نقل ملكية المزرعة ليكي بشكل رسمي.”
بصيت لأبويا.
“أنا عارفة.”
أبويا انتفض.
“إنتِ عارفة؟!”
هزيت راسي.
“جدي قالي قبل ما يموت.”
لأول مرة، أمي اتكلمت.
“كان مريض ومش في كامل وعيه.”
القاضي قلب صفحة.
“الغريب إن شهادة الطبيب اللي تابع حالته بتقول عكس كده.”
سكتت أمي.
القاضي أكمل:
“جدك وقع العقد أمام موثق رسمي، وكان بكامل أهليته القانونية.”
ثم رفع ورقة تانية.
“ودي صورة من سجل الملكية.”
حطها فوق الأولى.
“والملكية اتسجلت باسم حفيدته مريم حسن منصور.”
أبويا شد نفس طويل.
“بس إحنا اللي كنا بنعتني بالبيت!”
بصيت له وقلت:
“وأنا اللي كنت بدفع المصاريف.”
ضحك بسخرية.
“منين؟ إنتِ كنتِ في الجيش!”
القاضي بص له.
“الأستاذ حسن… خلينا نتكلم بالأدلة.”
ثم أشار لملف تاني.
“هنا عندنا كشف حساب.”
فتح الملف.
“تحويلات منتظمة كل سنة، من حساب مريم منصور، لتسديد ضرائب العقار ورسوم الصيانة.”
أبويا بلع ريقه.
أمي بدأت تهز راسها.
“مستحيل…”
القاضي قال:
“والتحويلات مستمرة من سنة 2013 لحد الشهر الماضي.”
فضلت ساكتة.
أنا ما كنتش محتاجة أتكلم.
الأرقام كانت بتتكلم بدالي.
لكن أبويا ما استسلمش.
قال بعصبية:
“حتى لو هي دفعت الضرايب، ده ما يثبتش إنها كانت موجودة أو بتعتني بالمزرعة!”
القاضي رفع عينيه إليه.
“صحيح.”
وبعدين ابتسم ابتسامة خفيفة.
“وعشان كده عندنا دليل تاني.”
فتح درج مكتبه.
وأخرج مجموعة صور.
حط أول صورة قدامنا.
كانت صورة للمزرعة.
ثم صورة تانية للسطح.
ثم صورة ثالثة للعدادات.
ثم رابعة لعمال الصيانة.
قال:
“الصور دي اتصورت بشكل دوري على مدار السنوات الماضية.”
أبويا بص لها.
“مين اللي صورها؟”
القاضي رد:
“شركة صيانة كانت مريم متعاقدة معاها.”
اتسعت عينا أمي.
“هي كانت بتعمل كل ده من غير ما تقول لنا؟”
بصيت لها.
“إنتوا ما كنتوش بتسألوا عني.”
سكتت.
الجملة أصابتها في مكان ما كنتش أقصد ألمسه.
لكنها كانت الحقيقة.
طوال 12 سنة، ما سألونيش أنا عايشة إزاي.
ولا فين.
ولا رجعت من المهمة الأخيرة بإصابة ولا لأ.
كل اللي عرفوه عني إنني رفضت أرجع.
لكن الحقيقة إنني كنت برجع كل سنة…
من غير ما أدخل بيتهم.
كنت أقف بعيد عن المزرعة، أدفع المصاريف، وأمشي.
لأن آخر حاجة كنت محتاجاها بعد كل اللي شفته في خدمتي…
كانت معركة مع أهلي.
القاضي وضع يده على المستند.
وقال:
“لكن في حاجة أهم من كل ده.”
بصيت له.
“إيه هي؟”
قال:
“والدك ووالدتك مش بس رفعوا دعوى للمطالبة بتقسيم العقار.”
قلب الصفحة.
“هما قدموا إفادة رسمية بتقول إنك هجرتيه.”
سكت لحظة.
“وإنهم أنفقوا عليه من مالهم الخاص.”
ثم رفع ورقة أخرى.
“وطلبوا من المحكمة نقل الملكية إليهما باعتبارهما القائمين على العقار.”
ضحكت ضحكة قصيرة من شدة الدهشة.
“يعني كانوا عايزين ياخدوا البيت بحجة إنهم هم اللي حافظوا عليه؟”
القاضي قال:
“بالضبط.”
أبويا تدخل:
“إحنا كنا فاكرين إنها مش هترجع!”
الكلمة خرجت منه من غير ما يفكر.
القاعة كلها سكتت.
حتى أمي بصت له بصدمة.
أما أنا…
فثبت نظري عليه.
“إنت قلت إيه؟”
أبويا اتوتر.
“أنا… قصدي…”
القاضي قاطعه:
“أستاذ حسن، كمل كلامك.”
لكن أبويا سكت.




