
الجزء الثاني
المحامي حط الملف قدامي، وبص لي قبل ما يتكلم.
«سيادة اللواء… لازم حضرتك تسمعي الكلام ده بنفسك.»
فتحت الملف.
كان فيه بلاغ رسمي من ثمانية شهور.
البلاغ مقدم من جارة اسمها «أميرة».
الساعة كانت تقريبًا 11:40 بالليل.
أميرة قالت إنها سمعت صوت خلاف حاد من داخل بيت طارق، وبعدها بدقائق شافت ملك خارجة من الباب وهي بتعيط.
لكن اللي شد انتباهي إن البلاغ ما كانش بسبب خروج ملك من البيت.
كان بسبب حاجة تانية.
أميرة قالت إنها سمعت ملك وهي بتقول:
«أنا شفت اللي حصل… وهقول لماما.»
توقفت عن القراءة.
رفعت عيني للمحامي.
«شافت إيه؟»
هز رأسه.
«التقرير ما بيقولش بالتحديد. الجارة ما قدرتش تسمع باقي الكلام.»
قلبي بدأ يدق بسرعة.
قلت:
«كمّل.»
المحامي قلب الصفحة.
«بعد الجملة دي، طارق رد عليها بعصبية وقال لها إنها لو اتكلمت، هتندم.»
شدّيت الورقة بين صوابعي.
«وبعدين؟»
«بعدها رانيا تدخلت، وقالت لملك إن ماما مش هتصدقها، وإن الأفضل لها تسكت.»
نظرت إلى الورقة التي كتبتها ملك بنفسها.
رانيا قالت إن ماما مش هتصدقني على أي حال.
نفس الجملة.
نفس المعنى.
من غير ما أعرف، بنتي كانت بتحاول تقول لي الحقيقة من شهور.
لكنها كانت خايفة.
المحامي أكمل:
«الجارة اتصلت بالطوارئ، لكن قبل وصولهم، طارق دخل ملك البيت تاني.»
سألته:
«هل حصل أي إجراء؟»
قال:
«البلاغ اتقفل وقتها باعتباره خلافًا عائليًا، لعدم وجود دليل كافٍ.»
ضحكت ضحكة قصيرة من شدة الصدمة.
«دليل؟ بنت عندها 14 سنة وقتها بتقول إنها شافت حاجة، وجارتها بتبلغ عن استغاثة، واعتبرتوه خلاف عائلي؟»
المحامي ما ردش.
لكن قبل ما أقفل الملف، لقيت صورة مرفقة بالتقرير.
صورة لملك وهي واقفة أمام البيت في نفس الليلة.
كانت لابسة بيجامة فوقها جاكيت خفيف.
وشعرها مبلول.
وعينيها مليانة خوف.
فضلت أبص للصورة.
وبعدين قلت:
«عاوز أعرف كل حاجة عن البلاغ ده.»
المحامي رد فورًا:
«بدأنا بالفعل.»
في اللحظة دي، سمعت صوت من خلفي.
«ماما؟»
لفيت بسرعة.
كانت ملك واقفة عند باب الغرفة.
وشكلها كان لسه ضعيف.
قمت من مكاني وجريت عليها.
«حبيبتي، إنتِ ليه قمتي من السرير؟»
قالت:
«كنت عاوزة أشوفك.»
حضنتها.
لكنها بصت للملف الموجود على الطاولة.
وشها اتغير.
«إنتِ عرفتي؟»
سألتها بهدوء:
«عرفت إيه يا ملك؟»
سكتت.
وبعد ثواني قالت:
«اللي شوفته زمان.»
قلبي وقف تقريبًا.
قعدت جنبها.
«ملك… أنا مش هزعق لك، ومش هلومك، ومهما كان اللي حصل، إنتِ مش غلطانة.»
دموعها نزلت.
وقالت:
«أنا كنت خايفة أقولك.»
«من مين؟»
«من بابا.»
سكتت لحظة.
وبعدين قالت:
«ومن رانيا.»
سألتها:
«إيه اللي حصل؟»
بصت للباب كأنها خايفة حد يسمعنا.
فقفلت الباب.
ورجعت جنبها.
«احكيلي.»
قالت:
«من حوالي تمانية شهور، كنت راجعة من المدرسة بدري.»
«ولما دخلت البيت، سمعت صوت باب الأوضة اللي تحت.»
«أنا كنت فاكرة إن بابا موجود لوحده.»
«لكن لما قربت… سمعت صوت راجل تاني.»
تجمدت.
«راجل؟»
هزت رأسها.
«أيوه.»
«مين؟»
قالت:
«مش عارفة اسمه.»
وبعدين بدأت تحكي.
في اليوم ده، كانت داخلة المطبخ تاخد مية.
لكنها سمعت كلام من غرفة المكتب.
الباب كان مواربًا.
وقفت تسمع.
كان صوت والدها واضح.
وكان معاه رجل آخر.
الرجل كان بيتكلم عن أوراق.
وأرقام.
وحسابات.
ثم سمعت اسمًا تعرفه.
اسمي أنا.
ملك قالت:
«سمعت بابا بيقول إن ماما لو عرفت الحقيقة، كل حاجة هتضيع.»
حسيت ببرودة في جسمي.
«وبعدين؟»
قالت:
«سمعت الراجل التاني بيقول إن لازم الورق يختفي قبل ما ماما ترجع.»
سألتها:
«أي ورق؟»
هزت رأسها.
«مش عارفة.»
ثم قالت شيئًا جعلني أسكت تمامًا.
«بس أنا شفت بابا وهو بيفتح درج المكتب.»
«وكان جواه ظرف كبير.»
«وعليه اسمك.»
أنا؟
ليه يكون عند طارق ظرف باسمي؟
وليه كان بيقول إن كل حاجة هتضيع لو عرفت؟
سألتها:
«إنتِ عملتي إيه بعد كده؟»
قالت:
«جريت على أوضتي.»
«بس بابا شافني.»
«مسكني وسألني كنت بعمل إيه.»
«قلت له إني كنت بدور على الشاحن.»
«صدقك؟»
سكتت.
ثم قالت:
«لا.»
«قال لي إنه عارف إني سمعت.»
شعرت بالغضب، لكني تماسكت.
«وبعدين؟»
قالت:
«قالي لو حكيت لك، مش هتشوفي ماما تاني.»
اتسعت عيناي.
«قال لك كده؟»
هزت رأسها.
«أيوه.»
ثم أضافت:
«عشان كده بدأت أكتب كل حاجة في الورقة.»
«كنت خايفة أنسى.»
مسكت إيدها.
«وعشان كده خبّيتي الورقة في شنطتك؟»
قالت:
«أيوه.»
«بس بابا كان بيدور عليها.»
توقفت.
«إزاي؟»
«كان بيفتش حاجتي كتير.»
«وأنا لما حسيت إنه قرب يلاقيها، كنت بنقلها كل مرة لمكان تاني.»
ثم بصت لي وقالت:
«آخر مرة حطيتها في الجيب الصغير في الشنطة.»
سألتها:
«هو عرف إنها موجودة؟»
هزت رأسها.
«أعتقد.»
«إيه اللي خلاكي تعتقدي كده؟»
قالت:
«قبل ما تخرجي تاخديني، بابا قال لرانيا: لو مها شافت أي ورقة، هنكون انتهينا.»
سكتُّ.
الآن فهمت سبب رسالته.
امسحي أي حاجة ملك كتبتها قبل ما الموضوع يكبر.
هو لم يكن خائفًا من الورقة.
كان خائفًا من أن أبدأ في البحث.
لأن الورقة كانت مجرد بداية.
قلت لملك:
«في حاجة تانية؟»
سكتت فترة طويلة.
ثم قالت:
«أيوه.»
«إيه؟»
«أنا صورت الظرف.»
نظرت إليها.
«إنتِ صورتيه؟»
هزت رأسها.
«بالموبايل القديم اللي بابا ما كانش يعرف عنه.»
ثم قالت:
«والصور موجودة.»
شعرت لأول مرة إن عندنا دليل حقيقي.
قلت:
«فين الموبايل؟»
ملك بصت لي بتردد.
«مش معايا.»
«فين؟»
قالت:
«عند واحدة صاحبتي.»
سألتها:
«اسمها إيه؟»
قالت:
«نور.»
في نفس اللحظة، أخرجت هاتفي.
لكن قبل ما أتصل بها، وصلني إشعار.
رسالة جديدة.
من طارق.
فتحتها.
وكانت أقصر من الرسالة السابقة.
لكنها كانت أخطر.
«مها، ما تدخليش في حاجة مش تخصك. الورق اللي بتدوري عليه مش ملكك.»
رفعت عيني عن الهاتف.
ملك كانت بتبص لي.
سألتني:
«بابا عارف إننا عرفنا؟»
قلت:
«أيوه.»
وبدون ما أظهر خوفي، أغلقت الهاتف.
لكن داخلي كان فيه سؤال واحد:
لو الأوراق مش ملكي… ليه عليها اسمي؟




