روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

## الجزء الثاني: اليوم اللي اتكسرت فيه كل حاجة

في صباح يوم الخميس، صحيت على وجع شديد في بطني، وكان مختلف عن أي وجع حسيت بيه قبل كده.

حاولت أقوم من السرير، لكن الألم زاد لدرجة إني مسكت في طرف الكومودينو وندهت على كريم.

«كريم… اصحى، أنا تعبانة أوي».

فتح عينه بالعافية وبص في الساعة، وبعدها قال بضيق:

«إيه يا مريم؟ هو إحنا مش اتفقنا إن ميعاد الولادة لسه؟».

رديت وأنا بحاول أتماسك:

«مش عارفة، بس الوجع مش طبيعي، لازم نروح المستشفى».

قام من السرير، لكنه بدل ما يساعدني ألبس أو يجهز نفسه، فضل يدور على موبايله، وبعدها خرج من الأوضة وهو بيتكلم مع حد.

سمعته بيقول:

«منار، معلش، ممكن تروحي تشوفي ماما؟ أنا عندي ظرف طارئ».

في اللحظة دي، رغم الألم، حسيت بغصة في قلبي.

حتى وأنا على وشك الولادة، كان لسه بيفكر في منار وأهله قبل ما يفكر في مراته.

بعد حوالي نص ساعة، قدرت أوصل للمستشفى بمساعدة أختي، اللي جات بسرعة أول ما كلمتها.

الأطباء كشفوا عليّا، وبعدها قرروا إن الولادة لازم تحصل فورًا.

كنت محتاجة عملية قيصرية، لأن حالة التوأم كانت محتاجة تدخل سريع.

قبل ما يدخلوني غرفة العمليات، مسكت إيد الممرضة وسألتها:

«جوزي وصل؟».

بصت في الورق وقالت:

«لسه يا مدام، بس ماتقلقيش، إحنا معاكي».

حاولت أبتسم، لكن دموعي نزلت لوحدها.

بعد ساعات طويلة، سمعت أخيرًا صوت طفلين بيعيطوا.

ولد وبنت.

اتنين صغيرين كانوا سبب إني أنسى كل التعب والخوف اللي عشته.

سميت الولد يوسف، والبنت ليلى.

كنت عايزة كريم يكون أول شخص يشوفهم معايا، وكنت متخيلة إنه أول ما يدخل هيحضني ويشكر ربنا على سلامتنا.

لكن الساعات عدت، ومحدش جه.

اتصلت بيه أكتر من مرة، وماردش.

وبعدها بعت رسالة قصيرة:

«التوأم وصلوا بالسلامة. أنا محتاجاك جنبي».

قرأ الرسالة، لكنه ما ردش.

وفي آخر الليل، عرفت من أختي إنه كان قاعد مع منار ووالدته في البيت، وإنه قال لهم إنه مش قادر يسيبهم لوحدهم بسبب بعض المشكلات العائلية.

ماقدرتش أصدق.

أنا مراته، وأم ولاده، ولسه خارجة من عملية كبيرة، وهو اختار يقضي وقته معاهم!

تاني يوم الصبح، كنت لسه بتعاني من ألم العملية، وبحاول أرضع بنتي، لما باب الأوضة اتفتح.

دخل كريم.

لكن بدل ما يقرب من السرير ويسألني عن صحتي، كان ماسك ملف بني في إيده.

دخل بخطوات سريعة، وحط الملف على الترابيزة اللي جنبي.

قلت له بصوت ضعيف:

«إنت جيت أخيرًا… تعالى شوف ولادك».

بص ناحية سرير الأطفال للحظة، وبعدها رجع بص لي وقال:

«مش جاي عشان كده يا مريم».

اتجمدت مكاني.

سألته:

«أمال جاي ليه؟».

فتح الملف وطلع منه شوية أوراق.

كانت أوراق طلاق.

قال بمنتهى البرود:

«أنا قررت أنهي الجوازة دي. الموضوع بقى ملوش لازمة، وإحنا الاتنين مش مناسبين لبعض».

فضلت باصة له وأنا مش مستوعبة اللي بيقوله.

قلت:

«إنت جايلي المستشفى، بعد ما ولدت ولادك بيوم واحد، عشان تطلقني؟».

رد من غير ما يرمش:

«أنا مش هفضل عايش في جوازة مفيهاش تفاهم. وبصراحة، إنتِ عمرك ما عملتي حاجة مهمة في حياتك غير إنك بتشتكي من الشغل والتعب».

الجملة دي وجعتني أكتر من ألم العملية.

مش لأنه بيطلقني، لكن لأنه كان بيتكلم عني كأني إنسانة مالهاش أي قيمة.

بصيت له وقلت:

«أنا كنت مستنياك تكون جنبي وقت ولادتي، مش تيجي تحط قدامي أوراق طلاق».

رد ببرود:

«أنا مش مسؤول عن توقعاتك يا مريم. وبعدين منار كانت واقفة جنب أهلي في أصعب وقت، ودي إنسانة بتعرف قيمة العيلة».

سألته وأنا بحاول أمنع دموعي:

«وإنت شايف إن دي طريقة تتعامل بيها مع أم ولادك؟».

ماجاوبش.

لمّ الأوراق وحطها قدامي وقال:

«اقريهم ووقعي، والمحامي هيتولى باقي الإجراءات».

وبعدها خرج من الأوضة.

فضلت باصة للباب المقفول، وحاسة إن آخر خيط كان رابطني بالإنسان ده اتقطع.

لكن الغريب إني ماعيطتش المرة دي.

يمكن لأن الصدمة كانت أكبر من الدموع.

ويمكن لأني أخيرًا فهمت إن سكوتي طول السنين ماكانش دليل قوة زي ما كنت فاكرة، لكنه سمح للناس إنها تقلل مني وتتصرف وكأن وجودي مش فارق.

بعد خروجه، طلبت من أختي تجيب لي شنطتي الصغيرة.

فتحت درج جانبي وطلعت تليفون تاني، كنت محتفظة بيه للشغل.

اتصلت برقم المحامي المسؤول عن ممتلكاتي.

أول ما رد، قلت له:

«أستاذ سامح، محتاجة منك تراجع أوراق بيت عيلة محمود بالكامل، وتجهز كل المستندات اللي تثبت الملكية والاتفاقات، وتبعت لي نسخة رسمية من الملف».

سألني بقلق:

«فيه حاجة حصلت يا أستاذة مريم؟».

بصيت على ولادي النائمين وقلت:

«أيوه، حصلت حاجات كتير، وحان الوقت إن الحقيقة تظهر».

ماكانش عندي أي نية أستخدم البيت للانتقام من حد.

أنا كنت عايزة بس أحمي حقي، وأحمي ولادي، وأوقف استغلال الناس لسكوتي.

لكن اللي ماكنتش أعرفه إن الورق اللي طلبته هيقلب حياة كريم وعيلته رأسًا على عقب.

بعد يومين، وصل المحامي للمستشفى ومعاه ملف كامل.

فتح أول صفحة، وابتسم ابتسامة صغيرة وقال:

«كل حاجة سليمة يا أستاذة مريم. والملكية مسجلة باسم الشركة الخاصة بحضرتك، وفيه مستند إضافي مهم جدًا لازم تشوفيه».

مد إيده وطلع ورقة قديمة عليها توقيع كريم نفسه.

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى