
وقفت سلمى أمام الباب عاجزة عن استيعاب ما تسمعه.
— «إخلاء المنزل؟! أنتم مخطئون بالتأكيد! هذا بيت أخي!»
أخرج الرجل الواقف في المقدمة ملفًا أسود، وفتحه بهدوء.
— «هذا المنزل مسجل باسم السيدة نادين عبد الرحمن، ولدينا تفويض قانوني بتنفيذ قرار الإخلاء.»
تجمدت سلمى.
أما وفاء، حماتي، فاندفعت نحوه غاضبة:
— «أنت تكذب! هذا المنزل اشتراه ابني!»
هز الرجل رأسه.
— «يمكنكِ الاعتراض أمام الجهات المختصة، لكن ليس من حقكِ البقاء هنا بعد انتهاء المهلة القانونية.»
بدأت وفاء ترتجف.
وفي تلك اللحظة، دخل زوجي كريم مسرعًا بعدما اتصلت به أخته.
كان وجهه غاضبًا.
— «ماذا يحدث هنا؟ ومن أعطاكم الحق في طرد أمي وأختي من منزلي؟»
رفع الرجل الملف أمامه.
— «هذا ليس منزلك يا سيد كريم.»
ساد صمت ثقيل.
تقدم كريم خطوة.
— «ماذا قلت؟»
فتح الرجل أول صفحة من الملف وأشار إلى التوقيع الموجود أسفل عقد الملكية.
— «العقار مسجل باسم زوجتك منذ سبع سنوات. أنت وأفراد عائلتك كنتم تقيمون فيه بإذنها.»
نظر كريم إلى الورقة، ثم إلى والدته، ثم إلى أخته.
لم يجد أحد منهم كلمة يقولها.
لكن سلمى انفجرت فجأة:
— «هذا مستحيل! نادين لا يمكن أن تفعل ذلك! إنها زوجة أخي!»
ابتسم الرجل ابتسامة باردة.
— «يمكنها، لأنها المالكة القانونية.»
وفي تلك اللحظة، ظهرت سيارة سوداء عند نهاية الطريق.
نزلت منها امرأة تحمل حقيبة جلدية، وتوجهت مباشرة نحو المنزل.
كانت المحامية هالة منصور، وهي المرأة التي اتصلت بها في الليلة السابقة بعد مغادرتي القصر.
دخلت دون خوف، ووضعت مجموعة من الأوراق على الطاولة.
قالت:
— «هناك أمر آخر يجب أن تعرفوه.»
نظر إليها كريم بحذر.
— «ما هو؟»
فتحت هالة ملفًا جديدًا.
— «السيدة نادين لم تطلب إخلاء المنزل فقط.»
تبادل الجميع النظرات.
ثم أضافت:
— «لقد بدأت إجراءات قانونية لاسترداد جميع الأموال التي دُفعت من حسابها لتغطية نفقاتكم خلال السنوات الماضية.»
شهقت وفاء.
— «أي أموال؟!»
ردت هالة:
— «مصاريف بطاقات الائتمان، فواتير السفر، السيارات، تجديدات المنزل، وحتى الأموال التي كانت تُحول شهريًا إلى حساب ابنتك.»
صرخت سلمى:
— «لا! هذا كذب!»
رفعت المحامية حاجبها.
— «لدينا كشوفات بنكية كاملة.»
ثم أخرجت ورقة أخرى.
— «ولدينا أيضًا تسجيلات تثبت أنكم كنتم تخططون للاستيلاء على جزء من ممتلكات السيدة نادين.»
تغير وجه كريم.
— «تسجيلات؟»
ابتسمت هالة للمرة الأولى.
— «نعم.»
ثم أغلقت الملف وقالت:
— «لكنني لم أحضر أهم شيء بعد.»
ساد الصمت.
وفي الخارج، توقفت سيارة أخرى أمام القصر.
فتح الباب الخلفي…
ونزلت منها نادين.
كانت ترتدي ملابس بسيطة، وتحمل حقيبة صغيرة في يدها.
لكنها لم تكن وحدها.
كان بجانبها رجل لم يرَه كريم من قبل.
وما إن رآه كريم حتى تغير لون وجهه تمامًا.
اقترب الرجل من الباب، ونظر إلى كريم مباشرة، ثم قال:
— «أعتقد أن الوقت قد حان لتخبر زوجتك بالحقيقة التي أخفيتها عنها طوال السنوات الماضية.»
تراجعت سلمى خطوة.
أما كريم…
فلم يستطع حتى أن يرفع عينيه من الأرض.
لأن الرجل الذي يقف أمامه كان الشخص الوحيد الذي يستطيع كشف السر الذي حاول كريم دفنه منذ سبع سنوات.
والأخطر من ذلك…
أن نادين لم تكن تعرف الحقيقة كاملة بعد.
دخلتُ القصر بخطوات هادئة، بينما كان كريم واقفًا في منتصف غرفة المعيشة وكأنه رأى شبحًا.
أما الرجل الذي كان بجانبي، فتقدم إلى الداخل دون تردد.
قلت وأنا أنظر إلى كريم:
— «أظن أن الوقت حان لأعرف أنا أيضًا ما الذي يحدث.»
لم يجب.
كانت أمه واقفة خلفه، وملامحها متوترة، بينما سلمى تمسح دموعها وتنظر إلى الرجل بخوف.
وضعت حقيبتي على الطاولة.
— «كريم، من هذا الرجل؟ ولماذا يبدو أنك تعرفه؟»
ظل صامتًا.
فقال الرجل بدلًا منه:
— «اسمي ماهر الشافعي. وكنت أعمل مع والدك قبل وفاته.»
ارتجف وجه كريم.
قلت بدهشة:
— «والدي؟»
أومأ ماهر.
— «نعم. والدك ترك لكِ أكثر مما تتخيلين.»
تدخلت وفاء بسرعة:
— «لا تستمعي إليه يا نادين! هذا الرجل يحاول استغلالك!»
التفت إليها.
— «الغريب أنكِ كنتِ أول شخص يعرف أن والد نادين ترك لها أصولًا كبيرة.»
ساد الصمت.
نظرت إلى حماتي.
— «ماذا يقصد؟»
بدأت وفاء تتلعثم.
— «أنا… لم أكن أعرف شيئًا.»
ضحك ماهر بسخرية.
— «بل كنتِ تعرفين.»
ثم فتح حقيبته وأخرج مجموعة من المستندات.
— «قبل سبع سنوات، عندما تزوجتِ كريم، كان والدك قد وضع جزءًا كبيرًا من أمواله في صندوق استثماري باسمك. لكن الوصول إلى بعض هذه الأموال كان مشروطًا ببقاء أصول معينة تحت إدارتك المباشرة.»
تذكرت فجأة السنوات الماضية.
كنت أظن أنني بدأت حياتي من الصفر.
كنت أعمل لساعات طويلة، وأدخر كل قرش، وأعتقد أن نجاحي كله جاء من عملي.
لكن الحقيقة كانت مختلفة.
قال ماهر:
— «والدك كان يعرف أن بعض أفراد العائلة قد يحاولون الوصول إلى أموالك. لذلك طلب مني أن أراقب حساباتك وأصولك من بعيد.»
نظرت إلى كريم.
— «وأنت كنت تعرف؟»
لم يرفع رأسه.
وهنا شعرت أن قلبي سقط في صدري.
— «منذ متى؟»
قال بصوت منخفض:
— «منذ البداية.»
تراجعت خطوة.
— «منذ البداية؟!»
رفع عينيه أخيرًا.
— «نعم.»
ضحكت من شدة الصدمة.
— «إذن كل ما قلته لي عن أنك اشتريت المنزل… كان كذبًا؟»
لم يجب.
أخرج ماهر مستندًا آخر.
— «المنزل تم شراؤه بأموال نادين. وكذلك الشركة التي عمل كريم فيها لفترة قصيرة.»
صرخت سلمى:
— «لكن أخي هو الذي كان يدير كل شيء!»
رد ماهر:
— «الإدارة شيء، والملكية شيء آخر.»
ثم نظر إليّ.
— «لكن هناك مشكلة أكبر.»
شعرت بقشعريرة.
— «ما هي؟»
أشار إلى مستند أمامه.
— «قبل ثلاثة أشهر، حاول كريم نقل ملكية جزء من أصولك إلى شركة وهمية.»
تجمدت في مكاني.
— «ماذا؟»
قال ماهر:
— «ولم يكن يعمل وحده.»
نظرت إلى وفاء وسلمى.
كانت سلمى قد توقفت عن البكاء.
أما وفاء فأخفضت عينيها.
بدأت أفهم.
كل الرحلات التي دفعتها…
كل بطاقات الائتمان…
كل الأموال التي اختفت…
لم تكن مجرد تبذير.
كان هناك مخطط أكبر.
قلت لكريم:
— «هل كنت تنوي سرقة أموالي؟»
صرخ:
— «لم أسرق شيئًا! كنت أحاول حماية أموالنا!»
قلت ببرود:
— «أموالنا؟ أم أموالي؟»
لم يجد إجابة.
وفجأة، أخرج ماهر هاتفه ووضعه على الطاولة.
— «هناك تسجيل صوتي قد يجيب عن سؤالك.»
ضغط زر التشغيل.
وانطلق صوت كريم بوضوح:
— «بعد أن توقع نادين الأوراق، لن تستطيع استرجاع أي شيء. المهم أن نجعلها تثق بنا.»
ثم جاء صوت وفاء:
— «وإذا رفضت؟»
أجاب كريم:
— «سلمى تعرف كيف تستفزها. اجعلوها تبدو أنانية أمام الجميع، وبعدها ستتنازل عن جزء من ممتلكاتها حتى تثبت أنها ليست بخيلة.»
شعرت ببرودة تسري في أطرافي.
لقد كانت قصة الثلاثين ألف دولار جزءًا من الخطة.
لم تكن سلمى تطلب المال لمجرد رحلة.
كانوا يريدون استفزازي…
ثم دفعِي إلى اتخاذ قرارات مالية تخدمهم.
لكن ماهر لم يتوقف.
قال:
— «وهناك تسجيل آخر.»
نظر كريم إليه برعب.
— «لا.»
ضغط ماهر زرًا آخر.
هذه المرة كان صوت سلمى.
— «لو رفضت نادين، أمي ستجعلها تندم. وبعدها كريم سيطلب الطلاق، وعندما تخاف من خسارته ستوقع.»
رفعت عيني إلى سلمى.
لم تعد غاضبة.
كنت فقط أشعر بالخذلان.
ثم قلت بهدوء:
— «لهذا السبب كنتِ تريدين ثلاثين ألف دولار.»
لم تجب.
اقتربت هالة المحامية مني وهمست:
— «نادين، هناك شيء آخر لم أخبركِ به لأنني كنت أنتظر وصول ماهر.»
نظرت إليها.
فتحت ملفًا صغيرًا، وأخرجت منه صورة لوثيقة قديمة.
— «والدك لم يترك لكِ المال فقط.»
توقفت لحظة.
ثم قالت:
— «لقد ترك لكِ أيضًا سرًا يتعلق بعائلة كريم.»
رفعت رأسي ببطء.
— «أي سر؟»
نظرت هالة إلى كريم.
وكان وجهه قد أصبح شاحبًا تمامًا.
ثم قالت:
— «السبب الحقيقي وراء زواج كريم منكِ لم يكن الحب كما كنتِ تظنين.»
ساد الصمت.
ثم أضافت:
— «والدك كان يعرف شيئًا عن عائلة كريم… شيئًا كان من المفترض ألا يعرفه أحد.»
وفي تلك اللحظة، رن هاتف ماهر.
نظر إلى الشاشة، ثم تغيرت ملامحه.
قال:
— «وصلت الرسالة.»
سألته:
— «أي رسالة؟»
رفع عيني نحوي.
— «الشخص الذي كان والدك يحاول حمايتك منه… عاد إلى المدينة.»
ولأول مرة منذ بداية هذه الكارثة…
رأيت الخوف الحقيقي في عيني كريم.
ولم يكن خوفًا من خسارة المال.
كان خوفًا من أن يظهر ذلك الشخص أمامي.
نواصل من لحظة ظهور الحقيقة الجديدة، مع الحفاظ على الأسماء والمدن وتغيير التفاصيل بما يناسب القصة:
ظللت واقفة في منتصف غرفة المعيشة، أحدق في كريم.
لأول مرة منذ سبع سنوات، رأيت الخوف الحقيقي في عينيه.
قلت:
— «من هذا الشخص؟»
لم يجب.
تدخلت هالة:
— «قبل أن تعرفي هويته، يجب أن تعرفي شيئًا عن والدك.»
جلست ببطء على الأريكة.
— «ماذا؟»
وضعت أمامي ملفًا قديمًا.
— «والدك لم يكن يثق بعائلة كريم منذ البداية.»
فتحت الملف.
كانت هناك نسخ من تحويلات مالية، وعقود، ومراسلات قديمة.
قالت هالة:
— «قبل زواجك من كريم بشهور، اكتشف والدك أن أحد الأشخاص المقربين منه كان يحاول الوصول إلى أصولك المالية.»
نظرت إلى كريم.
— «وكان هذا الشخص هو كريم؟»
هزت رأسها.
— «ليس وحده.»
ثم أشارت إلى اسم ظهر في إحدى الأوراق.
توقفت أنفاسي.
كان الاسم يعود إلى رجل أعمال يُدعى سامر الدمنهوري.
قلت:
— «من سامر؟»
تحدث ماهر هذه المرة:
— «سامر كان شريك والدك في مشروع كبير قبل سنوات. حدث خلاف بينهما، وانتهت الشراكة بشكل سيئ.»
سألته:
— «وما علاقة كريم به؟»
نظر ماهر إلى كريم.
— «هذه هي المشكلة.»
بدأ كريم يتراجع نحو الباب.
صرخت:
— «لا تخرج!»
توقف.
قلت:
— «بعد كل الأكاذيب التي عشتها، لن تخرج قبل أن أعرف الحقيقة كاملة.»
خفض رأسه.
ثم قال:
— «سامر هو عمي.»
ساد الصمت.
حدقت فيه غير مصدقة.
— «عمك؟»
أومأ.
— «أخي الأكبر لوالدتي.»
نظرت إلى وفاء.
كانت ترتجف.
— «وأنتِ كنتِ تعرفين؟»
لم تجب.
وهذا كان كافيًا.
وقفت غاضبة.
— «كل هذه السنوات وأنا أعيش وسط أشخاص كانوا يخفون عني الحقيقة؟!»
صرخت وفاء:
— «كنا نحاول حماية كريم!»
ضحكت بمرارة.
— «حماية كريم؟ ومن كان يحميني أنا؟!»
لم تستطع الرد.
في تلك اللحظة، رن جرس الباب.
نظر الجميع نحو المدخل.
اقترب أحد رجال الأمن وفتح الباب.
دخل رجل في أواخر الخمسينيات، يرتدي بدلة رمادية أنيقة، ويحمل عصا سوداء في يده.
كان هادئًا بشكل مخيف.
توقفت أنفاس كريم.
قال الرجل:
— «مر وقت طويل يا كريم.»
ثم نظر إليّ.
— «وأنتِ لا بد أن تكوني نادين.»
لم أجب.
تقدم خطوة.
— «كنت أريد مقابلتك منذ سنوات.»
قلت:
— «ولماذا؟»
ابتسم ابتسامة غامضة.
— «لأن والدك أخذ مني شيئًا أعتقد أنه أصبح من حقك الآن.»
تدخل ماهر فورًا:
— «لا تصدقي كلمة منه.»
التفت إليه سامر.
— «ما زلت تحرس أسرار العائلة إذن.»
ثم وضع ظرفًا سميكًا فوق الطاولة.
— «هذا كان عند والدك.»
نظرت إلى الظرف.
كان عليه خط يد أعرفه جيدًا.
خط والدي.
ارتجفت يدي وأنا ألمسه.
قال سامر:
— «اقرئيه، وستعرفين لماذا كان والدك يخاف مني.»
فتحت الظرف.
كان بداخله خطاب واحد فقط.
بدأت أقرأ:
“ابنتي نادين…”
توقفت للحظة.
ثم واصلت.
“إذا وصلت هذه الرسالة إليك، فهذا يعني أنني لم أعد موجودًا لأحميك. وربما يكون الشخص الذي أخفيته عنك قد عاد…”
رفعت عيني نحو سامر.
كان واقفًا ينتظر.
تابعت القراءة.
“لا تثقي في سامر، ولا تثقي في أي شخص من عائلته. لكن الأهم من ذلك كله… لا تثقي في كريم.”
توقفت.
شعرت أن الأرض تميد بي.
نظرت إلى زوجي.
كان وجهه شاحبًا.
ثم قرأت السطر الأخير.
“لأن كريم لم يتزوجك بسبب المال فقط… بل لأنه كان يبحث عن شيء آخر أخفيته عن الجميع.”
أنزلت الورقة ببطء.
— «ما الشيء الذي كنت تبحث عنه يا كريم؟»
لم يجب.




