
الجزء الثاني والاخير
دي كانت أول جملة قالها الدكتور ياسر بعد ما سمع صوت محمود وهو بيتخانق مع فرد الأمن في الممر.
محمود، الراجل اللي عشت معاه خمس سنين، واللي كنت فاكرة إنه أكتر إنسان حريص على سلامتي، واقف بره المستشفى وبيطالب إنه ياخدني غصب عني.
والأغرب من كده، إنه كان عارف إن فيه مادة اتحطت على رجلي، رغم إني ما قلتلوش أي حاجة عن كلام الدكتور.
بصيت للمقدم نهى الشربيني وسألتها بصوت ضعيف:
— هو ممكن يكون عمل فيا حاجة من غير ما أعرف؟
ردت بهدوء:
— إحنا لسه ما نقدرش نتهم حد من غير دليل يا سلمى. لكن الرسالة اللي وصلتك تستحق التحقيق، وإحنا لازم نفهم إيه اللي حصل بالضبط.
هزيت رأسي، لكن دموعي بدأت تنزل.
— أنا مش فاهمة حاجة. هو اللي كان بيغيرلي على الجرح كل يوم. كان بيقولي إن المطهر هيخليه يخف، وإن الحرارة هتنزل لوحدها. ولما كنت أطلب منه نروح المستشفى، كان يتعصب ويقولي إني ببالغ.
المقدم نهى كتبت ملاحظات في دفتر صغير، وبعدها سألتني:
— هل كان فيه أي خلاف بينكم الفترة الأخيرة؟
فكرت شوية.
— خلافات عادية زي أي زوجين. لكن من حوالي شهر، محمود اتغير. بقى يقفل مكتبه بالمفتاح، وياخد موبايله معاه حتى وهو داخل الحمام. ولما كنت أسأله عن شغله، كان بيتعصب.
— هل لاحظتي إنه بيخبي عنك فلوس أو أوراق؟
السؤال خلاني أفتكر موقف حصل قبل إصابتي بأيام.
كنت بنضف غرفة المكتب، ولقيت ظرف بني فوق المكتب. أول ما قربت منه، محمود دخل فجأة وخطفه من إيدي.
وقتها قال إن دي أوراق خاصة بالشغل، وإن مفيش داعي أتدخل في حاجة مش تخصني.
ما اهتمتش بالموقف وقتها، لكن دلوقتي بدأت أحس إن كل التفاصيل الصغيرة اللي تجاهلتها ممكن تكون مرتبطة ببعض.
حكيت للمقدم نهى اللي حصل.
رفعت عينيها ليا وقالت:
— فاكرة كان مكتوب إيه على الظرف؟
— لأ، بس كان عليه ختم أحمر، وكان مكتوب عليه اسم شركة.
طلبت مني أحاول أفتكر أي تفاصيل إضافية، لكن رأسي كان بيوجعني بشدة.
في اللحظة دي، دخلت الممرضة ومعاها جهاز لقياس الضغط، وبعد ما سجلت القراءات، بصت للدكتور ياسر بقلق.
سمعته بيقول لها:
— لازم نتابع حالتها باستمرار. العدوى المحتملة مع الحرارة المرتفعة والتغيرات اللي في الجلد ممكن تسبب مضاعفات خطيرة.
ما فهمتش كل المصطلحات الطبية، لكن فهمت إن حالتي مش بسيطة.
الدكتور قرب مني وقال:
— إحنا بدأنا العلاج، وهنتابع استجابتك. أهم حاجة دلوقتي إنك ترتاحي، وأي معلومة تفتكريها ممكن تساعدنا نفهم سبب الإصابة.
كنت عايزة أصدق إن كل شيء هيبقى بخير.
لكن صوت محمود اللي كان لسه بيوصل من الممر كان بيخليني أحس إن الخطر أقرب مما أتخيل.
—
بعد دقائق، سمعت صوت المقدم نهى وهي بتتكلم مع حد بره الغرفة.
وبعدين دخلت وبصتلي وقالت:
— محمود بيقول إنه جايب معاه أدوية ومستلزمات طبية كان بيستخدمها لعلاجك في البيت.
سألتها بسرعة:
— طب ما تدخلوه؟ يمكن يشرح للدكتور كان بيحط إيه على .
المقدم نهى بصتلي بتركيز.
— يا سلمى، لو هو فعلًا كان بيحاول يساعدك، فممكن يوضح لنا نوع العلاج اللي استخدمه. لكن في نفس الوقت، لازم نتعامل بحذر بسبب الرسائل اللي وصلتك.
وبعد ما استأذنت الطبيب، طلبت من الأمن استلام أي مستلزمات طبية جابها محمود، من غير ما يدخل الغرفة.
بعد شوية، رجع فرد الأمن ومعاه كيس صغير.
جواه زجاجة مطهر، وعلبة شاش، وعبوة كريم، وقطعة قماش صغيرة.
الدكتور ياسر لبس القفازات، وبدأ يفحص العبوات.
رفع زجاجة المطهر وقال:
— دي ممكن تكون مادة مستخدمة بشكل طبي، لكن وجودها هنا لوحده ما يثبتش إنها السبب في الإصابة.
بعدها مسك عبوة الكريم.
كانت الملصقات عليها ممسوحة جزئيًا، ومش واضح اسم الشركة أو المكونات.
سألت وأنا بحاول أرفع رأسي:
— هو ده الكريم اللي كان بيحطه على رجلي؟
الدكتور ما جاوبش فورًا.
قرب العبوة من الضوء، وبعدها بص للمقدم نهى.
— محتاجين نحتفظ بالعبوة دي ونفحص محتواها. مش هقدر أحدد طبيعتها من شكلها بس.
المقدم نهى طلبت من فرد الأمن يوثق كل حاجة وصلت من محمود، وبعدها تسأل عن مصدرها.
لكن قبل ما حد يتحرك، موبايلي اهتز من جديد.
رسالة من محمود.
فتحتها، ولقيت مكتوب:
«سلمى، أنا عارف إنك خايفة، بس لازم تسمعيني. الدكتور مش فاهم اللي حصل. إنتِ لو رجعتي البيت، هشرحلك كل حاجة.»
قريت الرسالة مرتين.
وبعدين وصلت رسالة تانية:
«فاكرة الظرف البني اللي شوفتيه في المكتب؟ الموضوع كله بسببه.»
اتسعت عيناي.
الظرف البني!
إزاي محمود عرف إني حكيت للمقدم نهى عنه؟
أنا ما قلتلوش أي حاجة!
بصيت للمقدم نهى، ووريتها الرسالتين.
ملامحها اتغيرت، لكنها حافظت على هدوئها.
— هل هو بيتكلم عن نفس الظرف اللي حكيتيلي عنه؟
هزيت رأسي.
— أيوه. بس أنا مش فاهمة إيه علاقة الظرف بمرضي.
ردت:
— إحنا هنعرف. المهم ما تمسحيش أي رسالة.
وبعدها طلبت من أحد الضباط التأكد من طريقة وصول المعلومات لمحمود، وهل فيه أي شخص نقل له تفاصيل عن وجود الشرطة.
لأول مرة، بدأت أحس إن التحقيق مش بس عن المادة اللي كانت على رجلي.
كان فيه سر تاني، ومحمود واضح إنه خايف السر ده ينكشف.
—
بعد حوالي ساعة، رجع الدكتور ياسر علشان يتابع حالتي.
الحرارة بدأت تنخفض بدرجة بسيطة بعد العلاج، لكن الألم في رجلي كان لسه شديد.
وقف جنب السرير وقال:
— سلمى، محتاج أسألك سؤال مهم. قبل ما يظهر الجرح، هل حصلتلك أي إصابة؟ وقعتِ مثلًا، أو خبطتي رجلك في حاجة؟
حاولت أفتكر.
— أيوه. من حوالي أسبوع، وأنا نازلة السلم في العمارة، رجلي خبطت في طرف حديد بارز. كانت خبطة بسيطة، وعملت خدش صغير.
— وبعدها حصل إيه؟
— رجعت البيت، ومحمود شاف الجرح. قاللي إنه بسيط، وإنه هيهتم بيه.
— هل حطيتي عليه أي حاجة قبل ما هو يتولى علاجه؟
— لأ. غسلته بالمية بس، وبعدها هو قال إنه عنده مطهر مناسب.
الدكتور كتب المعلومة في الملف.
— ده مهم. هنراجع كل الاحتمالات، وهنعتمد على نتائج الفحوصات علشان نحدد سبب الإصابة.
سكت شوية، وبعدها سألته:
— يا دكتور، هل ممكن أكون اتسممت؟
بصلي بجدية.
— ما نقدرش نقول كده دلوقتي. فيه علامات بتخلينا نفحص احتمال التعرض لمادة مؤذية، لكن لازم نستنى النتائج قبل ما نحدد طبيعة المادة أو طريقة التعرض ليها.
حاولت أتماسك.
كنت محتاجة الحقيقة، حتى لو كانت مؤلمة.
بعد ما خرج الدكتور، المقدم نهى قربت مني وقالت:
— فيه حاجة تانية لازم تعرفيها. محمود وافق يتكلم معانا، لكنه مصر إن إصابتك حصلت بالخطأ، وإنه كان بيحاول يعالجك في البيت.
سألتها:
— وإنتِ مصدقاه؟
ردت بحزم:
— شغلي مش إني أصدق حد أو أكذبه قبل ما أشوف الأدلة. شغلي إني أوصل للحقيقة.
الجملة دي كانت بسيطة، لكنها خلتني أفكر.
طول الأسبوع، محمود كان بيقولي إنه عارف مصلحتي، وإنه فاهم أكتر مني، وإن المستشفى مش ضرورية.
وأنا صدقته.
لكن دلوقتي، لأول مرة، بدأت أفهم إن من حقي أسأل، ومن حقي أعرف إيه اللي بيتحط على جسمي، ومن حقي أطلب المساعدة لما أحس إن فيه خطر.
—
في وقت متأخر من الليل، كنت بدأت أغفو لما سمعت صوت المقدم نهى وهي بتتكلم في التليفون.
بعد ما أنهت المكالمة، دخلت الغرفة ومعاها ملف.
قالت:
— سلمى، محتاجين نرجع لموضوع الظرف البني
— عرفتوا حاجة؟
فتحت الملف، وطلعت منه صورة لورقة رسمية.
— إحنا لسه بنتحقق من تفاصيل الموضوع، لكن فيه بلاغ مالي مرتبط بشركة كان محمود بيتعامل معاها، واسمك ظهر ضمن بعض المستندات اللي بنراجعها.
حسيت بدوخة.
— اسمي أنا؟ إزاي؟
— فيه مستندات محتاجة مراجعة، ومش هقدر أقولك أكتر من كده قبل ما نتأكد من صحتها.
حاولت أفتكر آخر مرة وقعت فيها على ورقة بطلب من محمود.
قبل حوالي شهرين، جابلي مجموعة أوراق وقال إنها إجراءات عادية لتحديث بيانات التأمين، وإن توقيعي مطلوب في آخر صفحة.
وقعت من غير ما أقرأ كل التفاصيل، لأني كنت واثقة فيه.
قلت للمقدم نهى:
— ممكن يكون استغل توقيعي في حاجة تانية؟
ردت بحذر:
— ده احتمال لازم نفحصه، لكن ما نقدرش نجزم بأي حاجة دلوقتي.
في اللحظة دي، وصلت رسالة جديدة من محمود.
فتحتها، وقلبي بيدق بسرعة.
كانت الرسالة قصيرة:
«أنا عارف إنك بدأتي تتكلمي عن الأوراق. بس لو فتحتي الموضوع ده، مش هتكوني إنتِ الوحيدة اللي هتخسري.»
فضلت باصة للشاشة من غير ما أتكلم.
المقدم نهى قرأت الرسالة، وبعدها طلبت من الضابط اللي معاها يوثقها ضمن باقي الرسائل.
وبعدين بصتلي وقالت:
— سلمى، هل عندك أي فكرة هو يقصد إيه؟
هزيت رأسي ببطء.
— لأ… لكن أنا بقيت خايفة منه.
كانت دي أول مرة أقولها بصوت واضح.
أنا خايفة من جوزي.
مش بسبب خناقة، ولا بسبب كلمة قالها وقت الغضب.
لكن لأن كل تصرفاته خلال الأسبوع اللي فات بقت دلوقتي مليانة أسئلة مقلقة.
ليه كان بيصر إني ما أروحش المستشفى؟
ليه كان بيغير الضمادة بنفسه، ويرفض يخليني أبص على الجرح؟
وليه بقى قلقان بالشكل ده لما عرف إني بقيت تحت رعاية الأطباء؟
—
قبل الفجر بقليل، دخل الدكتور ياسر الغرفة ومعاه نتيجة أولية لبعض الفحوصات.
طلب من المقدم نهى إنها تسمحله يتكلم معايا على انفراد لدقائق.
وبعد ما اتأكد إن حالتي مستقرة نسبيًا، وقف جنب السرير وقال:
— سلمى، النتائج الأولية بتأكد إن الإصابة محتاجة متابعة دقيقة وعلاج مكثف. لكن لسه فيه فحوصات تانية لازم تخلص علشان نعرف طبيعة المادة اللي تعرض لها الجرح.
سألته:
— يعني هعرف الحقيقة؟
— أيوه، كل ما النتائج تكتمل، هنقدر نفهم أكتر.
وبعدين سكت لحظة، وأضاف:
— لكن فيه حاجة لازم تعرفيها. لو كنتِ استنيتي يوم كمان في البيت، كان ممكن حالتك تسوء بشكل خطير.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
مش بس لأني كنت تعبانة.
لكن لأني تخيلت إني كنت ممكن أموت وأنا مستنية جوزي يقرر إن الوقت مناسب علشان أروح المستشفى.
مسكت إيد الدكتور وقلت:
— أنا كنت فاكرة إنه بيحبني.
رد بهدوء:
— مش مطلوب منك تحسمي أي حاجة دلوقتي. ركزي على علاجك، وسيبي التحقيق ياخد مجراه.
خرج الدكتور، وفضلت لوحدي للحظات.
بصيت من الشباك على أول ضوء للشمس، وحسيت إن حياتي القديمة بتتفكك قدامي.
لكن وسط كل الخوف ده، كان فيه إحساس جديد بدأ يظهر جوايا.
إحساس إني مش مضطرة أصدق كل كلمة تتقال لي.




