
ومش مضطرة أتنازل عن حقي في العلاج علشان أرضي أي حد.
وفجأة، سمعت المقدم نهى بتنادي على أحد الضباط.
دخلت الغرفة بسرعة، وفي إيدها ورقة جديدة.
بصتلي وقالت:
— سلمى، فيه تطور مهم في التحقيق.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
— إيه اللي حصل؟
قعدت جنب السرير وقالت:
— محمود غيّر أقواله. بعد ما سألناه عن العبوة اللي جابها للمستشفى، قال إن الكريم مش هو اللي كان بيستخدمه على رجلك.
اتسعت عيناي.
— أمال كان بيحط إيه؟
المقدم نهى بصتلي بتركيز.
— دي المشكلة. هو مش قادر يحدد اسم المادة اللي استخدمها، وبيقول إن العبوة الأصلية مش موجودة عنده دلوقتي.
حسيت إن الغرفة بتلف بيا.
— يعني هو كان بيحط حاجة على رجلي من غير ما يعرف هي إيه؟
المقدم نهى ما جاوبتش فورًا.
وبعدين قالت:
— إحنا محتاجين نعرف إذا كان كلامه صحيح، ولا فيه حاجة تانية بيخبيها.
وقبل ما أكمل سؤال، موبايلها رن.
ردت، وفضلت ساكتة وهي بتسمع الطرف التاني.
بعد لحظات، قالت:
— إنت متأكد من المعلومة دي؟
سكتت تاني، وبعدها أنهت المكالمة.
بصتلي، وكانت ملامحها مختلفة تمامًا.
— يا سلمى، فيه حاجة لقيناها في مكتب محمود، وممكن تغيّر اتجاه التحقيق كله.
حاولت أرفع رأسي.
— إيه هي؟
قربت مني وقالت بصوت منخفض:
— الظرف البني اللي حكيتي عنه مش مجرد أوراق شغل… وفيه مستندات بتشير إلى إن توقيعك اتستخدم في معاملة مالية من غير ما تكوني عارفة تفاصيلها.
حسيت إن قلبي وقع.
لكن قبل ما أقدر أستوعب كلامها، أضافت:
— والأخطر إننا لقينا حاجة تانية في نفس المكتب… حاجة لازم نشوف إذا كانت مرتبطة بإصابتك ولا لأ.
ولما المقدم نهى فتحت الصورة اللي وصلتلها على موبايلها، وشفت الشيء الموجود فوق مكتب جوزي، عرفت إن اللي حصل لرجلي ممكن يكون مجرد بداية لحقيقة أكبر بكتير…
لما المقدم نهى ورّتني الصورة اللي اتصورت في مكتب محمود، حسيت إن قلبي وقف للحظة… لأن الحاجة اللي ظهرت فيها كانت مرتبطة بجرحي، وبالسر اللي جوزي كان بيحاول يخبيه عني من أول يوم.
بصيت للصورة وأنا مش قادرة أتكلم.
كانت الصورة لدرج صغير جوه مكتب محمود، وفيه مجموعة عبوات طبية، ودفتر أسود، وملف بني عليه اسمي بالكامل.
لكن اللي لفت نظري أكتر كان ورقة صغيرة ملزوقة على إحدى العبوات، مكتوب عليها بخط إيده:
«للاستخدام الخارجي فقط».
رفعت عيني للمقدم نهى وسألتها:
— هو ده اللي كان بيحطه على رجلي؟
ردت بحذر:
بلعت ريقي بصعوبة.
— والملف اللي عليه اسمي؟
فتحت المقدم نهى الملف اللي معاها، وطلعت صورة لصفحة من إحدى الأوراق.
— دي مستندات مالية بنراجعها. فيه توقيع منسوب ليكي، وعايزين نتأكد إذا كنتِ وقّعتي فعلًا على المستندات دي، وإيه الظروف اللي حصل فيها التوقيع.
بصيت للصورة، وبعد ثوانٍ عرفتها.
كانت من نفس الأوراق اللي محمود جابها لي من شهرين، وقال إنها مجرد إجراءات لتحديث بيانات التأمين.
افتكرت إنه كان واقف جنبي، بيقولي أمضي هنا وهنا، وإن الموضوع مش محتاج قراءة كل صفحة.
وقتها كنت واثقة فيه.
دلوقتي، الثقة دي كانت بتتحول لسؤال واحد مؤلم:
هو استغل ثقتي علشان يورطني في حاجة ما أعرفش عنها أي شيء؟
المقدم نهى قالتلي إنها مش هتستنتج أي حاجة قبل ما الفحص يكتمل، وإنها محتاجة تسمع أقوالي بالتفصيل لما أكون قادرة على الكلام من غير ما أتعب.
وافقت.
لكن قبل ما تخرج، مسكت إيدها وقلت:
— يا فندم، أنا مش عايزة أظلم حد. لو محمود بريء، أنا عايزة أعرف الحقيقة. ولو كان عمل حاجة، أنا كمان عايزة أعرف الحقيقة.
بصتلي وقالت:
— وده بالضبط اللي هنعمله.
ثم خرجت، وتركتني مع أسئلة أكتر من الإجابات.
—
مرت ساعات طويلة في المستشفى.
الأطباء استمروا في علاجي ومتابعة الحرارة، وبدأت أقدر أتكلم بشكل أفضل، رغم إن الألم في رجلي كان لسه موجود.
لكن عقلي ما كانش بيسكت.
كنت بفتكر كل مرة محمود كان يدخل فيها الأوضة ومعاه الضمادة.
كل مرة كنت أسأله إذا كان الجرح بيتحسن، فيرد بسرعة:
— أيوه، أحسن كتير. إنتِ بس محتاجة ترتاحي.
وكل مرة كنت أطلب منه يوديني لدكتور، كان يغير الموضوع أو يقول إن المستشفيات مليانة عدوى وإن الأفضل أستنى.
دلوقتي، الكلام اللي كنت بعتبره اهتمامًا بقى بيخوفني.
بعد الظهر، دخل الدكتور ياسر علشان يراجع نتائج الفحوصات الجديدة.
قعد جنبي وقال:
— حالتك بدأت تستقر، وده شيء مطمئن. لكن الإصابة كانت شديدة، ولسه محتاجين نكمل العلاج والمتابعة.
سألته:
— عرفتوا المادة اللي كانت على الضمادة؟
رد:
— الفحوصات الأولية بينت وجود مادة غير مناسبة للاستخدام على الجرح بالطريقة اللي وصفتيها. لكن تحديد طبيعتها بدقة، ومعرفة إذا كانت هي السبب المباشر في كل الأعراض، محتاجين فيه نتائج إضافية.
سكت لحظة، وبعدين أضاف:
— المهم إنك وصلتي المستشفى في الوقت المناسب، وبدأنا العلاج.
دموعي نزلت.
قلتله:
— أنا كنت قريبة من إني أموت؟
رد بهدوء:
— حالتك كانت خطيرة، وكان فيه احتمال لمضاعفات شديدة. لكن إحنا بنتعامل معاها دلوقتي، وهنعمل كل اللي نقدر عليه علشان تتعافي.
غمضت عيني، وشكرت ربنا إني طلبت التاكسي ومشيت، رغم خوفي وتعب جسمي.
لو كنت استنيت يوم كمان زي ما محمود كان بيطلب، ما كنتش عارفة إيه اللي ممكن يحصل.
—
في نفس اليوم، رجعت المقدم نهى علشان تبلغني بآخر التطورات.
قالت إن محمود اتطلب منه الحضور لاستكمال التحقيق، وإنه في البداية أصر إنه ما عملش أي حاجة غلط.
قال إنه كان بيستخدم مستحضرًا طبيًا لعلاج الجرح، وإنه منعني من الذهاب للمستشفى لأنه كان معتقدًا إن الإصابة بسيطة.
لكن لما اتسأل عن الرسائل اللي بعتها لي، وعن سبب قوله: «ما تقوليلهمش إيه اللي حطيته على رجلك»، بدأ يغير كلامه.
سألتها:
— قال إيه؟
ردت:
— قال إنه كان خايف إنك تفهمي الموضوع غلط، وإنه كتب الرسالة دي وقت انفعال.
ضحكت ضحكة قصيرة من غير أي فرحة.
— وقت انفعال؟ هو كان عايزني أفضل في البيت وأنا حرارتي فوق الأربعين، ورجلي بتسود قدامي!
المقدم نهى سابتني أتكلم، وبعدها قالت:
— إحنا واجهناه بالرسائل، وبنسأله عن مصدر العبوة، وعن المستندات اللي لقيناها في مكتبه. لكن لسه فيه إجراءات لازم تكتمل قبل ما نوصل لنتيجة نهائية.
وبعدين أضافت معلومة خلتني أرجع أبصلها باهتمام.
— محمود قال إن فيه شخص تاني كان بيزوره في المكتب باستمرار خلال الفترة الأخيرة، وإن الشخص ده هو اللي جاب له بعض المستلزمات اللي استخدمها في البيت.
سألتها:
— مين الشخص ده؟
قالت:
— زميل له في العمل اسمه شريف. إحنا بنتحقق من علاقته بالموضوع، ومن مصدر العبوة اللي اتلاقت في المكتب.
بدأت أحس إن القصة أكبر مما كنت أتخيل.
لكن المقدم نهى أكدتلي إن مجرد معرفة محمود بشخص أو وجوده في المكتب مش دليل على تورطه، وإن التحقيق لازم يفرق بين الوقائع المؤكدة والاحتمالات.
كنت محتاجة أتمسك بالكلام ده.
لأني ما كنتش عايزة أعيش بقية حياتي وأنا ببني أحكامي على الخوف وحده.
كنت عايزة أدلة واضحة.
—




