
الجزء الثاني والاخير
فضل المقدم أحمد واقف قدامي في وضع التحية العسكرية، والقاعة كلها غرقت في صمت غريب.
أنا رفعت عيني ليه، وبصيتله بابتسامة هادية وقلت:
«اتفضل يا أحمد، مفيش داعي لكل ده. إحنا في مناسبة عائلية.»
نزل إيده من التحية، لكنه فضل واقف باحترام واضح، وقال:
«حضرتك عارفة كويس إن الاحترام ده أقل حاجة ممكن أقدمها ليكي، بعد اللي عملتيه علشان بلدنا.»
أمي قربت منه بسرعة، وكانت بتحاول تضحك علشان تخفي ارتباكها.
قالت: «هو إيه الكلام ده يا أحمد؟ إنت أكيد تقصد حد تاني! دي بنتي سارة، شغالة في وظيفة حكومية عادية، ومش فاهمين إيه اللي يخليك تعمل معاها كده!»
أحمد لف ناحيتها وبصلها باستغراب.
«وظيفة عادية؟ حضرتك متأكدة من الكلام ده؟»
أمي ردت بثقة مصطنعة: «طبعًا متأكدة. دي طول عمرها قاعدة في مكتب، لا عمرها عملت حاجة مهمة ولا حتى قدرت تحقق لنفسها مستقبل زي أختها.»
أحمد سكت ثواني، وبعدها قال بنبرة رسمية:
«أنا مش من حقي أتكلم عن تفاصيل شغلها، لكن أقدر أقول إن اللي قدامي دي واحدة من أكفأ الشخصيات اللي اشتغلت معاها المؤسسة، واسمها مرتبط بمهمة من أصعب المهام اللي اتنفذت مؤخرًا.»
أبويا قرب خطوة، وقال بلهجة حادة:
«استنى يا أحمد، إنت بتقول إيه؟ إيه المهمة دي؟»
أحمد رد بهدوء: «مش هقدر أتكلم عن تفاصيل سرية، لكن أعتقد إنكم محتاجين تعرفوا إن سارة مش مجرد موظفة زي ما أنتم فاكرين.»
أخويا كريم ضحك ضحكة قصيرة، وقال: «يعني إيه؟ هي بقت بطلة فجأة؟ إحنا عارفينها كويس.»
أحمد بصله مباشرة وقال:
«إنت تعرف عنها إيه بالظبط؟»
كريم اتلخبط، لكنه حاول يحافظ على غروره.
«دي أختي، وأنا عارف إنها طول عمرها بتشتغل في مكتب.»
أحمد هز راسه وقال:
«واضح إنك مش عارف عنها أي حاجة.»
في اللحظة دي، بنتي بدأت تعيط، فحاولت أهديها وأقوم أخرج شوية.
لكن أحمد طلب مني أقعد، وقال:
«من فضلك يا فندم، قبل ما تمشي، فيه حاجة لازم أسلمها لحضرتك.»
فتح حقيبته العسكرية الصغيرة، وطلع منها صندوق أسود أنيق، عليه شعار رسمي.
حطه قدامي، وقال:
«ده تكريم مستحق لحضرتك، بعد انتهاء المهمة الأخيرة بنجاح. وكان المفروض يتم تسليمه في احتفال رسمي، لكن ظروف السرية أخرت الموضوع.»
أمي بصت للصندوق، وبعدها بصتلي، ووشها بدأ يتغير.
سألت بصوت منخفض: «تكريم إيه؟»
أحمد رد: «تقدير رسمي لمجهودها، وشجاعتها، وقرارها اللي ساهم في إنقاذ أرواح عدد كبير من الناس.»
أبويا قرب من الصندوق، لكن أحمد أشار له بلطف إنه يستنى.
ثم كمل كلامه:
«قبل ثلاثة أسابيع، كنا بنواجه أزمة خطيرة. كان فيه نظام اتصالات حساس اتعرض لاختراق، والمعلومات اللي وصلت لنا كانت متضاربة. أي قرار غلط كان ممكن يعرض حياة فريق كامل للخطر.»
أنا فضلت ساكتة، لأن التفاصيل دي ماكانش مسموح ليا أتكلم فيها.
أحمد كمل:
«سارة كانت المسؤولة عن تحليل المعلومات وربط التفاصيل ببعضها. وفي وقت قصير جدًا، قدرت تكتشف تناقض محدش انتبه ليه، وده غيّر مسار العملية بالكامل.»
القاعة بدأت تمتلئ بالهمسات.
أختي مريم كانت واقفة جنب جوزها، وعينيها بتتنقل بيني وبينه، وكأنها بتحاول تستوعب الكلام.
أما أمي، فكانت مش قادرة تخفي صدمتها.
فجأة، أبويا سأل:
«طب ليه عمرها ما قالت لنا الكلام ده؟»
بصيتله وقلت بهدوء:
«علشان ماكنتش مسموح لي أتكلم يا بابا. مش كل حاجة في حياة الإنسان ينفع يحكيها حتى لأقرب الناس ليه.»
سكت لحظة، وبعدين أضفت:
«وبعدين أنا حاولت كتير أشارككم حياتي، لكن كل مرة كنتوا بتقللوا مني أو تقارنوني بغيري.»
أمي حاولت تغير الموضوع وقالت:
«إحنا كنا بنهزر معاكي يا سارة، إنتِ حساسة زيادة عن اللزوم.»
ابتسمت ابتسامة حزينة وقلت:
«الغريب إن الهزار عندكم دايمًا بيكون على حساب كرامتي.»
في اللحظة دي، أحمد بص لأبويا وقال:
«على فكرة يا فندم، فيه حاجة تانية لازم تعرفوها. سارة رفضت أكتر من مرة إنها تستخدم مكانتها أو وظيفتها علشان تحصل على امتيازات شخصية، وده من الأسباب اللي خلت احترام الناس ليها يزيد.»
أبويا نزل عينه للأرض.
لكن اللي حصل بعد كده كان أكبر من مجرد تكريم.
أحمد طلع من جيبه ظرف رسمي، وناولهولي.
وقال: «ده خطاب من القيادة، فيه قرار مهم متعلق بمستقبلك الوظيفي. وأعتقد إن حضرتك تستحقي تعرفي إن مجهودك مش راح هدر.»
فتحت الظرف، وبدأت أقرأ.
كانت هناك موافقة على ترشيحي لمنصب قيادي أعلى، بعد سنوات من العمل في صمت.
لأول مرة في حياتي، حسيت إن تعبي اتشاف واتقدر.
لكن وسط فرحتي، بصيت لبنتي الصغيرة، وافتكرت الموقف الصعب اللي استقبلتني بيه أمي أول ما دخلت.
قفلت الظرف، وحطيته في شنطتي، وقلت لأحمد:
«شكرًا ليك. بس أهم حاجة عندي دلوقتي إني أربي بنتي في مكان تعرف فيه إن قيمتها مش مرتبطة برأي حد فيها.»
أحمد ابتسم وقال: «وده بالظبط اللي كنت متوقع أسمعه منك.»
أما أمي، فكانت واقفة بتبصلي بنظرة مختلفة تمامًا.
لكنها ما اعتذرتش.
وكان واضح إن اللي جاي هيكشف أسرار تانية في العيلة، خصوصًا لما أخويا كريم قرر يسأل سؤال عمره ما كان يتوقع إجابته…
يتبع…
كريم وقف من مكانه، وعدّل الياقة بتاعة بدلته، وبص للمقدم أحمد وقال بنبرة فيها تحدي:
«أنا مش فاهم كل الدوشة دي! يعني إيه سارة بقت شخصية مهمة؟ هي لو فعلًا عندها المكانة دي، كانت قالت لنا من زمان. ولا هي بتخبي علينا علشان تعمل نفسها غامضة؟»
أحمد بصله بهدوء، وقال:
«مش كل الناس بتحتاج تتكلم عن إنجازاتها علشان تثبت قيمتها. وفيه ناس شغلها بيكون أكبر من الكلام عنه.»
كريم ضحك بسخرية: «طب ماشي، بس أنا كمان ضابط شرطة، وعارف يعني إيه شغل ومسؤولية. مش معنى إن حد سلّمها شهادة إنها تبقى أحسن مننا.»
هنا أبويا تدخل وقال: «كريم عنده حق. إحنا عيلة عسكرية، ومش أي حد يقدر ييجي يحكي لنا عن البطولات.»
أحمد بص لأبويا باحترام، وقال:
«أنا مقدّر حضرتك يا فندم، وعارف تاريخك العسكري، لكن اسمح لي أوضح نقطة. الرتب والأوسمة مش مجرد شكل على الكتف. قيمتها الحقيقية في المسؤولية والتضحية واحترام الآخرين.»
الكلام كان واضح إنه وصل لأبويا، لكنه ما حبش يبين ده.
في اللحظة دي، مريم أختي قربت مني، وبصت لبنتي وقالت:
«مبروك يا سارة، ربنا يحفظهالك. أنا مكنتش أعرف إن شغلك مهم بالشكل ده.»
ابتسمت لها وقلت: «ربنا يخليكي يا مريم.»
لكن أمي قطعت كلامنا فجأة:
«طيب يا أحمد، بما إنك بتتكلم عن سارة بالشكل ده، أكيد تقدر تساعد أخوها كريم. هو محتاج ترقية، ونفسه ينتقل لمكان أحسن. وإنت أكيد ليك معارف كتير.»
أحمد اتغيرت ملامحه، ورد عليها بحزم:
«الترقيات في الجهات دي ليها قواعد وتقييمات، ومحدش المفروض يحصل على حاجة مش من حقه.»
أمي قالت بسرعة: «يا ابني إحنا بقينا أهل، وإنت جوز بنتي. المفروض تساعد إخوات مراتك.»
أحمد رد: «أنا ممكن أساعد أي حد بالنصيحة، لكن مش هستخدم منصبي علشان أضغط على حد أو أدي امتيازات لحد مش مستحقها.»
كريم اتعصب وقال: «يعني أختي بقت كبيرة علينا وإنتوا الاتنين شايفين نفسكم؟»
أنا بصيتله وقلت بهدوء: «يا كريم، أنا عمري ما شفت نفسي أحسن من حد. أنا بس تعبت من إني أكون أقل منكم في عيونكم مهما عملت.»
اتسعت عينيه، لكنه ما ردش.




