
وبعدين قلت:
«فاكر لما كنت محتاج فلوس علشان تسدد قسط العربية؟ مين اللي دفع؟ وفاكر لما حصلتلك مشكلة بسبب مخالفة إدارية كبيرة في شغلك؟ مين اللي ساعدك تلاقي محامي وتخلص الموضوع بشكل قانوني؟»
كريم وشه اتغير.
أمي حاولت تقاطعني: «إنتِ هتفتحي دفاتر قديمة دلوقتي؟»
قلت: «أنا مش بفتح دفاتر، أنا بس بفكركم إن الشخص اللي بتسموه عبء كان طول الوقت بيحاول يشيل عنكم.»
أبويا رفع صوته: «كفاية يا سارة! إحنا مش جايين نسمع محاضرة منك.»
بصيتله وقلت:
«أنا كمان مش جاية أطلب منكم تصفيق ولا تقدير. أنا جاية علشان خاطر العيلة، لكن واضح إن وجودي مش مرحب بيه.»
بدأت ألم حاجتي وأظبط غطاء بنتي.
أحمد قرب مني وقال: «تحبي أوصلك؟»
قلت: «شكرًا، أنا هتصرف.»
لكن قبل ما أتحرك، حصلت حاجة غير متوقعة.
واحد من كبار الضيوف، كان مسؤول سابق في جهة حكومية، قرب مننا بعد ما سمع جزء من الكلام.
بصلي باهتمام وقال:
«حضرتك سارة العاصم؟»
استغربت وقلت: «أيوه، حضرتك تعرفني؟»
ابتسم وقال: «أنا سمعت عن شغلك من ناس كتير، وكنت موجود في اجتماع رسمي اتناقش فيه نجاح المهمة الأخيرة. الحقيقة إن اسمك اتذكر باعتزاز كبير.»
أحمد هز راسه مؤكدًا.
الراجل كمل: «بس أنا مستغرب إن عيلتك مش عارفة قيمة اللي بتعمليه.»
بصيت لأمي، لقيتها مش قادرة ترفع عينها في عيني.
وفجأة أبويا قال بصوت منخفض:
«سارة، استني شوية. إحنا محتاجين نتكلم.»
وقفت وبصيتله.
لأول مرة من سنين، حسيت إنه مش بيكلمني علشان يطلب مني فلوس أو خدمة، لكنه عايز يسمعني فعلًا.
قال: «أنا عارف إننا قصرنا معاكي، ويمكن ظلمناكي من غير ما نحس.»
سكت لحظة، ثم أضاف:
«بس فيه موضوع قديم لازم تعرفيه. موضوع يخص شغلك، ويخص المساعدة اللي كنتِ بتبعتيها لنا كل شهر.»
اتجمدت مكاني.
أنا كنت فاكرة إن الفلوس اللي ببعتها كانت بتروح لسداد ديون البيت ومصاريف العيلة.
لكن نبرة أبويا خلتني أحس إن فيه حاجة أكبر مستخبية.
بصيتله وسألته:
«تقصد إيه يا بابا؟ إيه اللي أنا معرفهوش؟»
أبويا بص لأمي، وبعدها بص لكريم.
وأمي بدأت تتوتر، وقالت بسرعة:
«مش وقته الكلام ده يا محمود!»
لكن أبويا أخد نفس طويل وقال:
«سارة، الفلوس اللي كنتِ بتبعتيها لنا… جزء كبير منها ماكانش بيروح للديون زي ما كنتِ فاكرة.»
حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.
وسألته بصوت مرتعش:
«أمال كانت بتروح فين؟»
يتبع في الجزء القادم…
القاعة كلها سكتت، وأنا فضلت باصة لأبويا مستنية يكمل كلامه.
أمي كانت بتحاول تمنعه، وقالت بعصبية:
«محمود، بلاش الكلام ده دلوقتي! الناس كلها سامعانا.»
لكن أبويا المرة دي ما سمعش كلامها.
بصلي وقال بصوت متعب:
«جزء من الفلوس اللي كنتِ بتحوليها كل شهر كان بيروح لسداد ديون كريم، وده إنتِ عارفاه. لكن الجزء التاني كان بيتحط في حساب باسم مريم، علشان نجهز لها شقة ونساعدها تبدأ حياتها من غير مشاكل.»
بصيت لأختي باستغراب.
مريم نزلت عينيها، وبان عليها الارتباك.
سألته: «يعني إيه؟ أنا كنت ببعت الفلوس علشان البيت والديون، مش علشان أجهز شقة لمريم!»
أمي تدخلت بسرعة: «إنتِ أختها الكبيرة، ومفروض تساعدي إخواتك. وبعدين مريم كانت محتاجة أكتر منك، لأنها متجوزة وعندها مسؤوليات.»
ضحكت ضحكة قصيرة من شدة الصدمة وقلت:
«وأنا؟ أنا معنديش مسؤوليات؟ بنتي اللي لسه مولودة دي مش مسؤولية؟ أنا طول عمري كنت بشيل عنكم، ولما احتجت حتى كلمة حلوة، استقبلتوني باستخفاف!»
مريم قربت مني وقالت وهي متأثرة:
«سارة، أنا مكنتش أعرف إن الفلوس دي جاية منك. ماما قالتلي إن بابا هو اللي بيجهزلي الشقة من مدخراته.»
بصيت لأمي، وقلت:
«يعني حتى أختي ماكنتش تعرف؟»
أمي سكتت.
أحمد كان واقف جنبنا، لكنه ما تدخلش. واضح إنه كان مدرك إن دي مشكلة عائلية لازم تتحل بين أصحابها.
أما كريم، فحاول يغير اتجاه الكلام وقال:
«هو إحنا هنحاسب بعض على كل جنيه؟ ما إحنا إخوات، والفلوس في الآخر بتروح للعيلة.»
لفيت ناحيته وقلت:
«لما كنت بتحتاج مساعدة، كنت ببعت من غير ما أسألك هترجعهم إمتى. ولما كنت بتحتاج حد يقف جنبك، كنت أول واحدة تتحرك. لكن لما دخلت النهارده ببنتي، قلت عليّا عبء!»
كريم ما عرفش يرد.
في اللحظة دي، أحمد طلب من الموجودين يسيبونا نتكلم براحتنا، وابتدى بعض الضيوف يبعدوا عن الترابيزة.
أبويا قعد على الكرسي وحط إيده على وشه.
وقال: «أنا غلطت يا سارة. كنت فاكر إنك قوية ومش محتاجة حد، وكنت دايمًا بدي اهتمامي لكريم ومريم.»
قلتله: «القوة مش معناها إن الإنسان مش بيتوجع يا بابا.»
سكت شوية، وبعدين أضاف:
«وفيه حاجة تانية. من شهرين، كريم طلب مني مبلغ كبير علشان يدخل شراكة مع واحد صاحبه في مشروع تجاري. وإحنا استخدمنا جزء من الفلوس اللي كنتِ بتحوليها علشان نساعده.»
بصيت لكريم بسرعة.
«إنت عملت إيه بالفلوس؟»
رد بتوتر: «المشروع ما نجحش، والموضوع كله كان مخاطرة.»
سألته: «المبلغ كان كام؟»
أبويا رد بدلًا منه:
«حوالي أربعمية ألف جنيه.»
حسيت بصدمة كبيرة.
أنا كنت ببعت فلوس علشان أساعدهم يخرجوا من أزماتهم، لكن كل مرة كانت المشكلة بتكبر، وبدل ما حد يصارحني، كانوا بيخفوا الحقيقة عني.
قلت بهدوء:
«من النهارده، مفيش تحويلات تاني. كل واحد مسؤول عن قراراته والتزاماته.»
أمي رفعت صوتها:
«يعني هتسيبينا في الظروف دي؟ بعد كل اللي عملناه معاكي؟»
بصيتلها وقلت:
«أنا مش بسيبكم، أنا بس بطلت أكون الحل الوحيد لكل مشكلة بتعملوها.»
وبعدين شلت بنتي ووقفت.
لكن قبل ما أخرج، أحمد استأذنني إنه يقول كلمة أخيرة.
وقف قدام العيلة وقال:
«أنا عايز أوضح حاجة مهمة. سارة عمرها ما طلبت مني أتكلم عنها أو أظهر مكانتها قدام حد. بالعكس، هي كانت دايمًا بتبعد عن أي مظهر من مظاهر التفاخر. لكن النهارده، لما سمعت الكلام اللي اتقال لها، ماقدرتش أعديه كأنه شيء عادي.»
وبص لأمي وقال:




