
الجزء الثاني والاخير
وصل أدهم المنياوي إلى المستشفى، وركن عربيته قدام قسم الطوارئ، ونزل بسرعة وهو شايل بنته ليلى، بينما يوسف ماشي جنبه وممسك في إيده بقوة.
أول ما دخل، طلب المساعدة من طاقم التمريض، ولما شافوا حالة ليلى، أخدوها فورًا إلى غرفة الكشف.
وقف أدهم بره، حاسس إن الوقت بيمر ببطء شديد.
كان يوسف واقف جنبه، وكل شوية يبص ناحية الباب اللي دخلت منه أخته.
قرب منه أدهم وسأله:
«إنت جعان يا يوسف؟»
الولد هز راسه وقال:
«شوية… بس أنا مش عايز أسيب ليلى.»
أدهم حضنه وقال:
«مش هتسيبها يا حبيبي، أختك هتبقى كويسة إن شاء الله.»
بعد دقائق، خرجت الدكتورة من غرفة الكشف، وملامحها كانت جادة.
سألها أدهم بقلق:
«طمنيني يا دكتورة، بنتي مالها؟»
ردت الدكتورة:
«البنت عندها ارتفاع في درجة الحرارة وعلامات جفاف وإرهاق واضح، ومحتاجين نعمل شوية تحاليل وفحوصات علشان نعرف السبب بدقة. المهم إنها وصلت المستشفى في الوقت المناسب.»
أدهم حس إن رجليه مش شايلينه.
وسألها بسرعة:
«يعني هي هتبقى كويسة؟»
قالت الدكتورة:
«إن شاء الله، بس محتاجين نتابع حالتها كويس. والأهم إنها ما تفضلش من غير رعاية أو متابعة طبية.»
أدهم هز راسه، وطلب منها تعمل كل الفحوصات اللازمة مهما كانت تكلفتها.
وبينما الممرضة بتجهز المحلول لليلى، قربت دكتورة تانية من يوسف وسألته بلطف:
«حبيبي، ممكن أسألك كام سؤال؟»
يوسف بص لأبوه الأول، وبعدها وافق.
سألته:
«ماما كانت فين الأيام اللي فاتت؟»
رد الطفل:
«مش عارف… هي خرجت من البيت من كام يوم، وقالت إنها راجعة بسرعة.»
«طب مين كان بيعملكوا الأكل؟»
سكت يوسف شوية، وبعدها قال:
«أنا كنت بعمل سندوتشات لنفسي وليلى، بس مكنتش بعرف أعمل أكل كتير.»
الدكتورة بصت لأدهم، وبعدين رجعت تسأل الولد:
«ومين كان بيطمن عليكم؟»
يوسف نزل عينه للأرض وقال:
«محدش… أنا كنت بقفل الباب وأقعد جنب أختي.»
الكلام ده خلّى أدهم يحس بغضب شديد، لكنه حاول يسيطر على نفسه علشان ابنه ما يخافش.
بعد شوية، وصلت نتائج الفحوصات الأولية، وطلبت الدكتورة من أدهم يدخل معاها المكتب.
قالت له بوضوح:
«يا أستاذ أدهم، أنا محتاجة أعرف تفاصيل عن ظروف الأطفال في الأيام الأخيرة. هل الأم كانت مسافرة؟ وهل فيه حد تاني كان مسؤول عن رعايتهم؟»
أدهم رد:
«طليقتي قالت إنها هتاخدهم كام يوم، وأنا كنت فاكر إنهم معاها طول الوقت.»
الدكتورة سألته:
«وإنت ماكنتش بتكلمهم؟»
اتنهد أدهم وقال:
«كنت بتصل بيها، وكانت بتقولي إن كل حاجة كويسة. ماكنتش أعرف إنهم لوحدهم.»
الدكتورة سكتت لحظة، وبعدها قالت:
«المهم دلوقتي إننا نضمن سلامتهم، ولازم نعرف مين كان مسؤول عنهم خلال الفترة دي.»
خرج أدهم من المكتب وهو مش قادر يصدق اللي بيسمعه.
أمسك موبايله واتصل بنهى للمرة العاشرة.
المرة دي، المكالمة رنت لفترة طويلة، لكنه ما سمعش غير رسالة البريد الصوتي.
بعت لها رسالة:
«نهى، أنا في المستشفى مع الولاد. ليلى تعبانة جدًا، ويوسف بيقول إنك مش موجودة من أيام. اتصلي بيا فورًا، الموضوع مش هزار.»
بعد دقائق، وصلته رسالة من رقم مجهول.
فتحها بسرعة، وكانت عبارة عن جملة واحدة:
«لو عايز تعرف نهى فين، اسأل الشخص اللي كانت بتقابله من وراك.»
أدهم فضل باصص للشاشة، مش قادر يستوعب معنى الكلام.
مين الشخص ده؟
وليه حد يبعت له رسالة بالشكل ده؟
وقبل ما يقدر يفكر، سمع صوت يوسف بينادي عليه من آخر الممر:
«بابا! بابا، ليلى فتحت عينيها!»
جري أدهم ناحية غرفة بنته.
كانت ليلى بدأت تفوق شوية، وأول ما شافته مدت إيدها الصغيرة ناحيته.
قرب منها وباس إيدها وقال:
«حمد لله على سلامتك يا حبيبتي، أنا جنبك.»
لكن ليلى قالت بصوت ضعيف:
«بابا… أنا عايزة ماما.»
أدهم حس إن قلبه اتعصر.
حاول يطمنها وقال:
«هنلاقي ماما يا حبيبتي، متقلقيش.»
لكن البنت مسكت إيده بقوة، وبصت له بخوف وقالت جملة خلت الدم يتجمد في عروقه:
«بابا… ماما قالتلي لو حد سألنا عنها، ما نقولش إحنا شفنا مين في البيت آخر ليلة.»
أدهم اتجمد مكانه.
بص ليوسف، اللي كان واقف جنب السرير، ولاحظ إن وشه اتغير فجأة.
قرب منه وسأله بهدوء:
«يوسف… إنت عارف ليلى بتتكلم عن إيه؟»
الولد سكت، وبص ناحية باب الغرفة، وبعدها قرب من أبوه وهمس:
«أيوه يا بابا… أنا شفت راجل غريب في البيت، وماما كانت بتعيط بسببه.»
أدهم حس إن الموضوع خرج تمامًا عن توقعاته.
وقبل ما يسأل ابنه عن أي تفاصيل، رن موبايله مرة تانية.
كانت مكالمة من رقم نهى أخيرًا…
لكنه لما رد، ما سمعش صوت طليقته.
سمع صوت راجل غريب بيقول:
«أستاذ أدهم؟ لازم تسمعني كويس… أنا عارف نهى فين، وعارف مين اللي كان معاها، لكن قبل ما أقولك أي حاجة، لازم تعرف إن ولادك كانوا في خطر أكبر مما تتخيل.»
يتبع…
أدهم حس إن قلبه هيقف من شدة التوتر، وبص ناحية ولاده قبل ما يرد على الراجل الغريب.
قال بصوت حاد:
«إنت مين؟ وإيه اللي حصل لنهى؟ اتكلم بدل ما أجيب الشرطة وأوصل لك بنفسي!»
الراجل رد بسرعة:
«اسمي حسام، وأنا شغال في الشركة اللي نهى كانت بتتعامل معاها. أنا عارف إنك طليقها، وعارف إنك مش متوقع تسمع الكلام ده، لكن لازم تعرف إن نهى ما اختفتش من نفسها.»
أدهم قبض إيده وقال:
«يعني إيه ما اختفتش من نفسها؟»
حسام اتنهد وقال:
«من حوالي أسبوعين، نهى بدأت تتعرض لضغط كبير من شخص اسمه شريف. الراجل ده كان بيحاول يقنعها تمضي على أوراق تخص مشروع تجاري، ولما رفضت، بدأ يهددها.»
أدهم سأله:
«وشريف ده مين؟»
رد حسام:
«شخص كانت بتعرفه من فترة، وبدأ يدخل حياتها بحجة إنه هيساعدها في شغلها. لكن مع الوقت اكتشفت إنه مش الشخص اللي كان بيظهر قدامها.»
أدهم سكت لحظة، وبعدين قال:
«وإيه علاقة ولادي بالموضوع؟»
حسام رد بصوت منخفض:
«اللي حصل إن شريف جه البيت آخر ليلة كانت نهى موجودة فيها. حصلت بينهم مشادة كبيرة، والأطفال كانوا في البيت. يوسف شاف جزء من اللي حصل، وليلى سمعت صوت الخناق.»
أدهم حس بالغضب بيزيد جواه.
«طب ونهى راحت فين؟»
حسام قال:
«أنا مش متأكد من مكانها، لكن عندي حاجة ممكن تساعدك توصل للحقيقة. نهى سابت عندي ظرف قبل اختفائها بيوم، وقالت لي لو حصل لها أي حاجة أو اختفت، أسلمه ليك.»
أدهم وقف مكانه للحظات.
«ظرف؟ فيه إيه؟»
«مش عارف، لكن قالت إن جواه دليل مهم، وإنك الشخص الوحيد اللي ممكن يحمي الولاد ويعرف الحقيقة.»
أدهم طلب منه عنوانه، واتفقوا يتقابلوا في مكان عام بعد ما يطمئن على حالة ليلى.
قفل المكالمة، ورجع يبص لبنته.
كانت بدأت تتحسن شوية، ويوسف قاعد جنبها ماسك إيدها.
قرب أدهم منهم وقال:
«أنا هخرج شوية أخلص حاجة مهمة، لكن مش هبعد عنكم. هخلي جدتكم تيجي تقعد معاكم.»
وبالفعل اتصل بوالدته، الحاجة فاطمة، وحكى لها باختصار إن الولاد في المستشفى وإنه محتاجها فورًا.
بعد أقل من ساعة، وصلت فاطمة، وأول ما شافت أحفادها حضنتهم وهي بتدعي ربنا يقومهم بالسلامة.
أما أدهم، فخرج من المستشفى واتجه للعنوان اللي بعتهوله حسام.
الظرف اللي كشف بداية الحكاية
وصل أدهم لمقهى هادي في وسط البلد، ولقي حسام قاعد مستنيه، وأول ما شافه قام وسلم عليه.
قال أدهم من غير مقدمات:
«فين الظرف؟»
حسام فتح شنطته وطلع ظرف بني صغير، وقال:
«ده أمانة عندي من نهى. أنا ما فتحتهوش، وده وعد وعدتهولها.»
أدهم أخد الظرف بسرعة وفتحه.
كان جواه مجموعة أوراق، وصورة لنهى واقفة قدام مبنى إداري، وورقة مكتوب فيها بخط إيدها:
«أدهم، لو الورق ده وصل لك، يبقى أنا مقدرتش أشرح لك بنفسي اللي حصل. عارفة إن بينا خلافات كتير، وعارفة إنك ممكن تكون فقدت الثقة فيا، لكن أرجوك، ما تخليش ولادنا يدفعوا تمن حاجة هما مالهمش ذنب فيها.»
أدهم كمل قراءة الرسالة وقلبه بيدق بسرعة.
«شريف حاول يستغل اسمي علشان يمرر معاملات مالية مش قانونية، ولما اكتشفت الحقيقة ورفضت أساعده، بدأ يهددني. عندي مستندات تثبت اللي عمله، وكنت بحاول أوصلها للجهات المختصة.»
أدهم رفع عينه لحسام وسأله:
«يعني نهى كانت بتحاول تكشفه؟»
حسام هز راسه.
«أيوه، وده اللي خلاها تعيش في خوف الفترة الأخيرة.»
لكن المفاجأة كانت لسه موجودة.
لما أدهم قلب باقي الأوراق، لقى صورة لمستند رسمي عليه اسم نهى، وتوقيع منسوب ليها على تحويل مبلغ مالي كبير.
المشكلة إن نهى كانت كاتبة بخط واضح تحت الصورة:
«التوقيع ده مش توقيعي.»
أدهم بص لحسام وقال:
«هو شريف زوّر توقيعها؟»
حسام رد:
«ده اللي كانت بتحاول تثبته. وكان عندها تسجيلات ومراسلات، لكن للأسف اختفت قبل ما تقدر تسلم كل الأدلة.»
في اللحظة دي، أدهم فهم إن اختفاء نهى مش مجرد خلاف عائلي، وإن فيه موضوع أكبر لازم يتكشف.
لكن اللي كان شاغله أكتر هو ولاده.
سأل حسام:
«إنت تعرف ليه سابت الأطفال لوحدهم؟»
حسام نزل عينه وقال:
«أنا معرفش كل التفاصيل، لكن نهى كانت فاكرة إنها هترجع في نفس الليلة. واضح إن اللي حصل منعها.»
أدهم وقف وقال بحزم:
«أنا مش هسيب الموضوع يعدي. هبلغ الجهات المختصة، وهعرف مكانها، وهحمي ولادي.»
وقبل ما يمشي، حسام مسكه من إيده وقال:
«استنى… فيه حاجة تانية لازم تعرفها.»
أدهم بص له.
حسام فتح موبايله ووراه صورة كاميرا مراقبة من الشارع قدام بيت نهى.
الصورة كانت متصورة ليلة اختفائها.
ظهر فيها شريف خارج من البيت، وبعده بدقائق ظهرت نهى وهي ماشية وراه، لكن كان فيه شخص تالت واقف بعيد بيراقبهم.
حسام كبر الصورة بإيده وقال:
«الشخص ده مش غريب عنك يا أستاذ أدهم… أنا متأكد إنك تعرفه.»
أدهم قرب من الشاشة، وفضل يبص للصورة لثواني.
وفجأة اتغير لون وشه.
لأنه عرف الشخص الواقف بعيد.
كان شخص من أقرب الناس ليه، شخص كان بيثق فيه وبيعتبره زي أخوه.
لكن ليه كان بيراقب بيت طليقته؟ وإيه علاقته باختفاء نهى؟
وفي نفس اللحظة، وصل لأدهم اتصال من والدته، وكانت بتتكلم بصوت مرتعش:
«أدهم… تعالى المستشفى بسرعة. فيه راجل جه بيسأل عن يوسف وليلى، ولما عرف إنك مش موجود، ساب ظرف وقال إنه لازم يوصل لك شخصيًا.»
أدهم سألها بقلق:
«مين الراجل يا أمي؟»
ردت فاطمة بكلمات زودت خوفه:
«يا ابني… الراجل ده هو نفس الشخص اللي كان واقف في صورة الكاميرا!»
يتبع في الجزء القادم…
أدهم حس إن الأرض بتلف بيه، وفضل ماسك الموبايل وهو مش قادر يستوعب اللي أمه قالته.
الشخص اللي ظهر في صورة المراقبة، واللي كان بيراقب بيت نهى ليلة اختفائها، وصل بنفسه للمستشفى وسأل عن ولاده!
قال لأمه بسرعة:
«يا أمي، اسمعيني كويس، ماتسيبيش الولاد لوحدهم لحظة، وماتفتحيش الباب لأي حد. أنا جاي حالًا، ولو الراجل ده لسه موجود بلّغي الأمن فورًا.»
قفل المكالمة، وبص لحسام وقال:
«لازم أرجع المستشفى دلوقتي.»
حسام حاول يوقفه وقال:
«أستاذ أدهم، قبل ما تمشي، لازم تعرف مين الشخص ده.»
أدهم رد بعصبية:
«أنا عرفته خلاص… ده ماجد، صاحبي من أكتر من عشرين سنة. الراجل اللي كنت بأمنه على بيتي وشغلي وأسراري!»
حسام اتنهد وقال:
«يبقى أنت لازم تعرف إن ماجد كان بيتواصل مع شريف من فترة طويلة.»
أدهم وقف مكانه.
«إنت بتقول إيه؟»
«عندي رسائل تثبت إنهم كانوا بيتقابلوا، وإن ماجد كان بيوصل لشريف معلومات عن نهى وعن تحركاتها.»
أدهم حس إن الخيانة جت من المكان اللي ماكانش يتوقع منه أي أذى.
ماجد كان أقرب شخص ليه، وكان دايمًا بيظهر قدامه في صورة الصديق الوفي اللي بيساعده وقت الشدة.
لكن يبدو إن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
خرج أدهم بسرعة، وركب عربيته، وانطلق ناحية المستشفى.
المفاجأة اللي كانت مستنياه في المستشفى
أول ما وصل، دخل من البوابة الرئيسية، وراح ناحية غرفة ليلى.
لقى أمه قاعدة جنب السرير، ويوسف واقف وراها، لكن الظرف اللي الراجل سابه كان موجود على الكرسي.
أدهم أخده وفتحه بسرعة.
كان جواه ورقة صغيرة مكتوب فيها:
«لو عايز تشوف نهى تاني، تعال لوحدك، ومتدخلش الشرطة في الموضوع. أنت عندك فرصة واحدة بس تعرف الحقيقة.»
وفي آخر الورقة كان فيه عنوان مخزن قديم في منطقة صناعية.
أدهم فهم إن دي محاولة لاستدراجه، لكنه ماكانش مستعد يغامر بحياة ولاده أو حياة نهى.
اتصل بالشرطة وحكى لهم كل اللي حصل، وسلمهم الرسالة والصور والمستندات اللي معاه.
وبعدها طلب منهم يتعاملوا مع الموضوع بسرية وحذر، لأن فيه احتمال إن نهى تكون محتجزة أو في خطر.
في الوقت ده، يوسف قرب من أبوه وقال:
«بابا… أنا عايز أقولك حاجة.»
أدهم نزل لمستواه وقال:
«اتفضل يا حبيبي، أنا سامعك.»
يوسف اتردد شوية، وبعدها قال:
«الراجل اللي جه البيت قبل ما ماما تختفي، أنا شوفته قبل كده.»
أدهم اتفاجئ.
«شوفته فين؟»
يوسف رد:
«كان بييجي عندنا لما إنت وماما كنتوا لسه عايشين مع بعض، وماما كانت بتقفل باب أوضتها لما بييجي.»
أدهم حس إن فيه تفاصيل كتير كان غافل عنها.
سأله:
«طب إنت فاكر اسمه؟»
الولد هز راسه.
«ماما كانت بتناديه ماجد.»
أدهم سكت تمامًا.
إذن ماجد كان موجود في حياتهم من زمان، حتى قبل ما تحصل كل المشاكل الأخيرة.
لكن ليه كان بيتردد على البيت؟ وهل علاقته بنهى كانت مجرد شغل، ولا فيه سر أكبر؟
خطة الوصول للحقيقة
بعد حوالي ساعتين، اتصل بيه ضابط المباحث المسؤول عن القضية، وطلب منه يقابله في المستشفى.
قال له الضابط:
«يا أستاذ أدهم، إحنا فحصنا العنوان اللي في الرسالة، ولقينا إن المخزن تابع لشركة كانت بتتعامل مع شريف. لكن مش هنقدر نتحرك من غير ما نتأكد من وجود نهى هناك.»
أدهم سأله:
«يعني ممكن تكون موجودة في المكان ده؟»
الضابط رد:
«كل الاحتمالات واردة، وإحنا بنتابع تحركات الأشخاص اللي ظهرت أسماؤهم في الأدلة.»
وبعدها عرض عليه صورة من كاميرا مراقبة تانية.
الصورة كانت لماجد وهو داخل مبنى إداري، وبعده بشوية ظهر شريف.
لكن المفاجأة إن فيه شخص تالت كان داخل معاهم.
أدهم قرب من الصورة، ولما شاف الوجه، حس بصدمة أكبر من كل اللي فات.
كان أخوه الأصغر، كريم!
أدهم ماقدرش ينطق.
الضابط لاحظ رد فعله وسأله:
«تعرف الشخص ده؟»
أدهم رد بصوت منخفض:
«ده أخويا.»
الضابط قال:
«إحنا لسه بنتحقق من دوره، ومش هنوجه اتهام لحد من غير أدلة. لكن وجوده في نفس المكان مع الشخصين دول محتاج تفسير.»
أدهم حس إن عيلته كلها بقت لغز كبير.
صديقه المقرب متورط في الموضوع، وأخوه ظهر في نفس المكان، وطليقته اختفت، وطفلاه كانوا لوحدهم من غير رعاية.
وفجأة، رن موبايله.
كان رقم مجهول.
رد بحذر، وسمع صوت ست ضعيف بيقول:
«أدهم… أنا نهى.»
وقف مكانه، وعينه اتملت بالدموع.
«نهى! إنتِ فين؟ إنتِ كويسة؟ الولاد هنا معايا، وليلى في المستشفى!»
نهى بدأت تعيط وقالت:
«أنا آسفة يا أدهم… والله ما كنت أقصد أسيبهم لوحدهم. أنا حاولت أرجع، لكنهم منعوني.»
أدهم سألها بلهفة:
«مين منعك؟ وإنتِ فين دلوقتي؟»
قبل ما تجاوب، سمع صوت راجل في الخلفية بيزعق:
«اقفلي التليفون فورًا!»
وبعدها انقطع الاتصال.
أدهم صرخ:
«نهى! نهى!»
لكن الخط كان اتقفل.
الضابط أخد الموبايل منه وقال بسرعة:
«متقلقش، هنحاول نحدد مصدر المكالمة ونتصرف.»
أدهم كان واقف مش قادر يتحرك.
لكن بعد لحظات، وصلته رسالة جديدة من نفس الرقم.
كانت عبارة عن صورة لنهى وهي قاعدة في مكان مغلق، وفي إيدها ورقة مكتوب عليها:
«كريم هو اللي يعرف الحقيقة كاملة.»
أدهم بص للصورة، وبعدها بص للضابط وقال:
«أنا لازم أعرف أخويا عمل إيه… حتى لو الحقيقة هتدمر كل حاجة كنت مصدقها.»
لكن اللي ماكانش يعرفه إن كريم نفسه كان على وشك الوصول للمستشفى، ومعاه اعتراف هيكشف سر اختفاء نهى، وسبب ترك الأطفال لوحدهم.
والأخطر إن نهى ماكانتش بتحاول تحمي نفسها بس… كانت بتحاول تحمي أدهم وولاده من شخص قريب منهم جدًا!
يتبع…
دخل أدهم غرفة الانتظار وهو مش قادر يستوعب إن أخوه كريم ممكن يكون له علاقة بكل اللي حصل.
كان طول عمره شايفه أخ صغير محتاج دعمه، وساعده في شغله ووقف جنبه في أصعب أوقاته، وعمره ما تخيل إنه ممكن يكون سبب في أذى ولاده.
بعد حوالي عشرين دقيقة، باب المستشفى اتفتح، ودخل كريم.
أول ما شاف أدهم، وقف مكانه، وملامحه اتغيرت.
أدهم اتجه ناحيته بخطوات سريعة وقال بغضب مكتوم:
«إنت جاي هنا ليه يا كريم؟ وإيه علاقتك بنهى؟ وإيه اللي عملته مع ماجد وشريف؟»
كريم حاول يتكلم، لكن صوته كان مترددًا.
«أدهم، اسمعني الأول… الموضوع مش زي ما إنت فاهم.»
أدهم رد بعصبية:
«أنا لقيت ولادي لوحدهم في البيت! بنتي كانت تعبانة ومش لاقية حتى تاكل، وابني الصغير هو اللي اضطر يتصل بيا علشان ينقذ أخته! عايزني أفهم إيه أكتر من كده؟»
كريم نزل عينه للأرض، وبعد لحظات قال:
«أنا غلطت… وغلطتي أكبر مما تتخيل.»
الضابط المسؤول عن التحقيق طلب منه يقعد، وبدأ يسأله عن علاقته بشريف وماجد.
كريم اتنهد وبدأ يحكي.
السر اللي كان مخبيه كريم
قال كريم:
«من حوالي ست شهور، شريف عرض عليا أدخل معاه في مشروع تجاري. قال لي إنه محتاج شريك عنده علاقات، وإن المكسب هيكون كبير. أنا كنت مديون، وعندي مشاكل مالية، فوافقت.»
أدهم سأله:
«وإيه دخل نهى في الموضوع؟»
كريم رد:
«شريف كان بيستخدم اسم نهى في معاملات مالية، وكان محتاج توقيعها على أوراق معينة. في البداية ماكنتش أعرف إن فيه تزوير، لكن لما اكتشفت، حاولت أبعد.»
الضابط سأله:
«وماجد كان دوره إيه؟»
كريم قال:
«ماجد هو اللي عرف شريف بنهى من البداية، وكان بيديله معلومات عن تحركاتها. وبعد ما نهى اكتشفت الموضوع، بدأوا يضغطوا عليها علشان تسكت.»
أدهم حس إن كل كلمة بتسمعها بتزود النار جواه.
«يعني إنت كنت عارف إنهم بيهددوها؟»
كريم هز راسه وقال:
«أيوه… لكن ماكنتش متخيل إنهم ممكن يوصلوا للأذى ده.»
أدهم ضرب بإيده على المكتب وقال:
«وكنت فين لما ولادي كانوا لوحدهم؟»
كريم رفع عينه، وبدأت دموعه تنزل.
«أنا اللي طلبت من نهى تسيب البيت يومين، وقلت لها إن شريف مش هيقدر يوصل لها هناك. كنت فاكر إني بحاول أحميها، لكن الأمور خرجت عن السيطرة.»
أدهم قرب منه وقال:
«إنت كنت عارف إن الأطفال معاها؟»
كريم رد بصوت مكسور:
«أيوه… وهي قالت لي إنها هتاخدهم معاها، وإنها مش هتسيبهم لحظة. لكن اللي حصل بعد كده إني فقدت الاتصال بيها.»
أدهم ماقدرش يصدق إن أخوه كان جزءًا من الموضوع، حتى لو كان بيحاول يبرر تصرفاته.
لكن السؤال الأهم كان لسه من غير إجابة.
«نهى فين دلوقتي يا كريم؟»
كريم طلع موبايله، وفتح رسالة قديمة، ووراها لأدهم.
كانت رسالة من نهى بتقول فيها:
«لو حصل لي أي حاجة، خليك فاكر إن الولاد مالهمش ذنب. لازم توصل الأوراق للشرطة، وماتخليش شريف يوصلك.»
وتحت الرسالة كان فيه عنوان شقة في منطقة المعادي.
الضابط أخذ العنوان وبدأ يتواصل مع فريق التحقيق.
التحرك لإنقاذ نهى
بعد مراجعة المعلومات، بدأت الشرطة تتحرك ناحية العنوان، واتضح إن الشقة مستأجرة باسم شخص تابع لشريف.
أدهم أصر إنه يرافقهم، لكن الضابط طلب منه يفضل بعيد عن مكان التحرك، علشان مايعرضش نفسه أو نهى للخطر.
وافق أدهم بصعوبة، ورجع ناحية غرفة ولاده.
كانت ليلى نايمة، ويوسف قاعد جنب جدته فاطمة.
أول ما شاف أبوه، جري عليه وحضنه.
«بابا، هو ماما هترجع؟»
أدهم نزل لمستواه وقال:
«إن شاء الله يا حبيبي. إحنا بنحاول نوصل لها، وكل حاجة هتتحل بإذن الله.»
يوسف سكت شوية، وبعدها قال:
«أنا كنت خايف أوي لما ليلى تعبت، وكنت بفكر أكلمك من بدري، بس مكنتش عارف رقم تليفونك.»
أدهم حضنه بقوة.
«إنت عملت اللي تقدر عليه يا حبيبي، ومش مطلوب منك تشيل مسؤولية أكبر من سنك. إنت طفل، ومن حقك تلاقي حد يهتم بيك ويحميك.»
في اللحظة دي، أدهم حس إنه لازم يعوض ولاده عن كل لحظة خوف عاشوها.
وبعد حوالي ساعة، رن موبايله.
كان الضابط.
قال له:
«وصلنا للمكان، ولقينا نهى موجودة، وهي بخير، لكن محتاجة رعاية وراحة. وكمان قبضنا على شخص كان موجود معاها.»
أدهم وقف بسرعة.
«ونهى؟ أقدر أشوفها؟»
الضابط رد:
«هتقدر تشوفها قريب، لكن فيه تفاصيل مهمة لازم تعرفها الأول.»
المفاجأة الأخيرة
بعد فترة قصيرة، وصلت نهى المستشفى تحت إشراف الشرطة، وأول ما دخلت غرفة الأطفال، يوسف جري عليها وهو بينادي:
«ماما!»
نهى نزلت على ركبتيها وحضنته، وبعدها قربت من ليلى وباستها وهي بتعيط.
«سامحوني يا حبايبي… أنا آسفة إني بعدت عنكم.»
أدهم كان واقف بعيد، ساكت، ومش عارف يبدأ كلامه منين.
بعد ما اطمأنت على الأطفال، قربت منه نهى وقالت:
«عارفة إنك عندك أسئلة كتير، ومن حقك تعرف كل حاجة.»
أدهم رد:
«أنا عايز أفهم بس إزاي وصلنا للمرحلة دي؟ وليه ماطلبتيش مساعدتي من الأول؟»
نهى بصت له وقالت:
«كنت خايفة يا أدهم. شريف كان بيهددني، وقال لي إنه يقدر يأذيك ويأذي الولاد لو بلغت عنه. وماجد كان بيوصل له كل معلومة عننا.»
أدهم سألها:
«وكريم؟»
نهى سكتت لحظة، وبعدها قالت:
«كريم كان متورط في المشروع، لكنه لما عرف حقيقة شريف حاول يساعدني. المشكلة إنه اتأخر في التصرف، وأنا كنت مضطرة أتصرف بسرعة.»
ثم أخرجت من حقيبتها ملفًا صغيرًا، وسلمته للضابط.
كان الملف يحتوي على مستندات ومراسلات وتسجيلات تثبت تورط شريف وماجد في معاملات مالية مزورة، ومحاولتهما الضغط على نهى لإجبارها على التوقيع على أوراق لا تخصها.
لكن كان فيه مستند أخير خلّى أدهم يرفع عينه بدهشة.
كان عقدًا قديمًا يخص شقته هو!
نهى قالت له:
«شريف كان عايز يوصل لأوراق ممتلكاتك، وكان بيحاول يستخدم بياناتك من خلال ماجد وكريم. أنا اكتشفت إن الموضوع مش مجرد مشروع تجاري، وإن فيه محاولة للاستيلاء على أصول مالية تخصك.»
أدهم بص لها وقال:
«يعني كل ده كان بسببي أنا كمان؟»
نهى هزت راسها.
«كانوا بيحاولوا يستغلوا الثقة اللي بينك وبين ماجد، وعلاقتي بكريم، علشان يوصلوا للي عايزينه.»
الضابط أكد إن التحقيقات هتستمر، وإن كل شخص هيتحاسب على دوره بعد مراجعة الأدلة.
أما أدهم، فكان عنده قرار أهم من أي حاجة تانية.
بص لنهى وقال:
«اللي حصل بينا زمان انتهى، لكن الولاد مش ذنبهم أي خلاف بيننا. لازم نتعلم من اللي حصل، ونحط سلامتهم قبل أي حاجة.»
نهى دموعها نزلت، وهزت راسها بالموافقة.
وبعد أيام، بدأت ليلى تستعيد صحتها، ورجع يوسف يضحك ويلعب من غير خوف.
أما أدهم، فقرر إنه مايسيبش مسؤولية أولاده للصدفة مرة تانية، واتفق مع نهى إن أي سفر أو تغيير في مواعيد رعاية الأطفال لازم يكون واضحًا ومتفقًا عليه مسبقًا.
وكريم بدأ يواجه نتائج قراراته، واعترف بكل التفاصيل اللي يعرفها للجهات المختصة.
أما ماجد وشريف، فاستمرت التحقيقات معهما، وتم تقديم الأدلة المتعلقة بتورطهما للجهات المعنية.
وفي مساء هادئ، كان أدهم قاعد جنب ولاده في البيت، وليلى نايمة على رجله، ويوسف بيرسم صورة للعيلة.
رفع يوسف الورقة لأبوه وقال:
«بص يا بابا، دي أنا وإنت وليلى وماما.»
أدهم ابتسم وسأله:
«حلوة أوي يا حبيبي، طب رسمتنا كلنا ليه؟»
يوسف رد ببراءة:
«علشان أنا مش عايز أخاف تاني، وعايز كلنا نفضل قريبين من بعض.»
أدهم حضنه وباس راسه.
وفي اللحظة دي فهم إن أغلى حاجة في الدنيا مش الفلوس ولا الممتلكات ولا حتى الانتصار على اللي ظلمك…
أغلى حاجة إن أولادك يحسوا بالأمان، ويعرفوا إن فيه حد عمره ما هيتخلى عنهم.
النهاية.




