روايات وقصص

القصة كاملة للنهاية بقلم محمد عبده

ظل ياسر ممسكًا بصورة المرأة التي ظهرت في ملف الطلاق، وعيناه تنتقلان بين الصورة والخاتم.

قال بهدوء:

—سلمى، لا نريد أن نتسرع. وجود خاتم مشابه لا يكفي لإثبات أنها نورهان.

أجبته:

—لكنني رأيت الخاتم بنفسي أمس. كان مطابقًا تقريبًا.

—لهذا سنبدأ من هنا.

أخرج هاتفه والتقط صورًا واضحة لكل صفحات الملف.

ثم قال:

—أريدك أن تتذكري شيئًا مهمًا. لا تتصلي بعمر، ولا بنورهان، ولا تخبري أي شخص بما اكتشفناه.

—حتى عمر؟

نظر إليّ طويلًا.

—خصوصًا عمر.

شعرت بوخزة في صدري.

طوال خمس سنوات كنت أعتبر عمر زوجي وشريك حياتي، والآن أصبح اسمه يذكر أمامي كأنه اسم شخص يجب أن أحذر منه.

في اليوم نفسه، بدأ ياسر في مراجعة تفاصيل الطلاق.

وبعد ساعات، وجد شيئًا غريبًا.

قال:

—هنا.

جلست بجانبه.

—ماذا وجدت؟

أشار إلى تاريخ تسجيل الطلاق.

—تم تقديم الطلب قبل اثنين وثلاثين يومًا بالضبط، لكن هناك مستندات مرتبطة بالملف تم استخراجها قبل ذلك بأسبوعين.

حدقت فيه.

—ماذا يعني هذا؟

—يعني أن الشخص الذي فعل ذلك كان يخطط للأمر قبل إعلان الطلاق رسميًا.

ثم قلب الصفحة.

—وهذا أكثر غرابة.

كانت هناك ورقة تتعلق بالحسابات والمستحقات المالية لعمر بعد انتهاء خدمته.

ظهر فيها مبلغ يقارب ثلاثمائة ألف جنيه.

قلت:

—إذن كانوا يعرفون بالمبلغ قبل أن يستلمه؟

—بالضبط.

شعرت بأن معدتي انقبضت.

لم يكن الأمر مجرد زواج جديد.

كان هناك مخطط كامل.

طلاق مزور.

أموال.

ومستندات.

ثم بدأت أفكر في شيء آخر.

—ياسر، هل يمكنهم الحصول على أموالي أنا أيضًا؟

رفع عينيه نحوي.

—هذا ما يجب أن نعرفه فورًا.

في صباح اليوم التالي ذهبنا إلى البنك.

طلبت كشفًا كاملًا لحساباتي، وأي طلبات حديثة تتعلق بالتوكيلات أو التحويلات أو تغيير البيانات.

ظل الموظف يراجع النظام.

ثم تغير وجهه.

قال:

—هناك طلب قُدم منذ حوالي ثلاثة أسابيع.

شعرت بقلبي يتوقف.

—أي طلب؟

—طلب إضافة شخص كمستفيد في أحد حساباتك.

—من؟

نظر إلى الشاشة.

ثم قال الاسم.

عمر فؤاد.

شعرت بالغضب يشتعل داخلي.

لكن ياسر أوقفني قبل أن أتكلم.

—هل تم تنفيذ الطلب؟

أجاب الموظف:

—لا. تم رفضه لوجود مشكلة في التوقيع.

تنفست بعمق.

كان هذا أول شيء جيد يحدث منذ اكتشافي الحقيقة.

لكن ياسر لم يبتسم.

قال:

—كانوا يختبرون الطريق.

خرجنا من البنك، فقال:

—سلمى، أريد منك أن تراجعي كل شيء يخص والدك ووالدة عمر، وأي ممتلكات أو حسابات مشتركة أو أوراق قديمة.

قلت:

—لكنني لا أملك ممتلكات كبيرة.

—هل أنت متأكدة؟

ترددت.

ثم تذكرت منزل والدتي القديم.

كان المنزل قد تركته لي قبل وفاتها، وكنت أحتفظ بأوراقه في صندوق داخل غرفة النوم.

عدت إلى المنزل وفتحت الصندوق.

كانت الأوراق كلها موجودة.

لكنني لاحظت أن أحد الملفات قد فُتح.

قلت:

—أنا لم ألمس هذا الملف منذ سنوات.

اقترب ياسر.

راجع الأوراق واحدة تلو الأخرى.

ثم وجد شيئًا جعل وجهه يتغير.

—سلمى…

—ماذا؟

—هناك صورة من بطاقة هويتك هنا.

—ماذا؟

—وهذه ليست نسخة قديمة.

أخذت الورقة من يده.

كانت صورة واضحة لهويتي.

لكنني لم أعطها لعمر قط.

رفعت رأسي.

—من أين حصل عليها؟

لم يجب ياسر.

وفي تلك اللحظة رن هاتفي.

كان رقمًا مجهولًا.

نظرت إلى ياسر.

أشار لي أن أجيب.

—ألو؟

جاءني صوت نورهان.

—واضح أنك بدأتِ تسألين كثيرًا.

تجمدت.

—ماذا تريدين؟

ضحكت.

—أردت فقط أن أنصحك ألا تدخلي نفسك في أمور لن تفيدك.

—أنتِ التي دخلتِ حياتي وزورتِ طلاقي.

ساد صمت قصير.

ثم قالت:

—أنتِ لا تعرفين نصف الحقيقة.

—إذن أخبريني.

قالت بنبرة ساخرة:

—اسألي زوجك عن الأموال التي كانت باسمك.

انقطع الاتصال.

نظرت إلى ياسر.

—الأموال التي كانت باسمي؟

قال:

—يبدو أننا أمام شيء أكبر مما تصورنا.

في تلك الليلة لم أنم.

ظللت أفكر في كلماتها.

في اليوم التالي عاد عمر إلى المنزل.

دخل وكأنه صاحب المكان.

كان وجهه متعبًا، لكنه حاول إظهار الغضب.

—أين أبي؟

أجبته:

—مع الشخص الذي اخترته ليكون مسؤولًا عنه.

صرخ:

—أنتِ تعرفين أن نورهان لا تستطيع رعايته!

—وأنا استطعت خمس سنوات.

صمت.

ثم قال:

—سلمى، أنتِ تفهمين الأمر بشكل خاطئ.

—إذن اشرح لي.

جلس.

—أنا لم أطلب الطلاق بهذه الطريقة.

ضحكت بمرارة.

—لكن النظام يقول إنني مطلقة.

—كان هناك سوء تفاهم.

—سوء تفاهم؟

اقتربت منه ووضعت صورة ملف الطلاق أمامه.

تغير وجهه فورًا.

كان ذلك التغير البسيط كافيًا.

قلت:

—أنت تعرف هذه الصورة.

لم يجب.

—أليس كذلك؟

ظل صامتًا.

ثم قال:

—سلمى، دعينا نتحدث بهدوء.

—أنا هادئة جدًا.

وضعت أمامه ورقة البنك.

—وهذا؟

قرأها.

ثم رفع عينيه نحوي.

—من أعطاك هذه؟

قلت:

—لم يعد هذا مهمًا.

اقترب مني.

—اسمعيني، كل ما فعلته كان لحمايتك.

ضحكت.

—تزوير طلاقي كان لحمايتي؟

—الأمر ليس كما تعتقدين.

—وأموالي؟

خفض عينيه.

وهنا عرفت أن هناك شيئًا يخفيه.

قلت:

—أين الثلاثمائة ألف؟

لم يجب.

—عمر، أين المال؟

قال أخيرًا:

—لم أستلمه.

—نورهان قالت إنها حصلت عليه.

اتسعت عيناه.

—نورهان اتصلت بك؟

—نعم.

جلس على الكرسي وكأن ساقيه لم تعودا تحملانه.

قلت:

—إذن المال موجود.

قال بصوت منخفض:

—ليس معي.

—أين هو؟

رفع رأسه.

وقبل أن يجيب، سمعنا صوت طرق قوي على الباب.

ذهب عمر ليفتح.

دخل رجل لم أره من قبل.

كان يحمل حقيبة سوداء صغيرة.

نظر إلى عمر ثم إليّ.

وقال:

—يبدو أن الأمور خرجت عن السيطرة.

سألت:

—من أنت؟

لم يجبني.

لكن عمر عرفه.

تراجع خطوة إلى الخلف.

وفي تلك اللحظة أدركت شيئًا أخطر…

لم يكن عمر هو العقل المدبر الوحيد.

كان هناك شخص آخر يقف خلف كل ما حدث.

شخص يعرف تفاصيل زواجنا، وأموالي، وأوراقي، وحتى حالة الحاج محمود.

رفع الرجل الحقيبة ووضعها على الطاولة.

ثم قال لعمر:

—لقد أخبرتك أن زوجتك لا يجب أن تعرف شيئًا قبل أن ننتهي.

تجمدت في مكاني.

أما عمر…

فلم يحاول حتى الإنكار.

وهنا فهمت أن المواجهة الحقيقية بدأت للتو.
الجزء الثالث

ظللت واقفة في مكاني، أحدق في الرجل الذي دخل منزلنا وكأنه يعرف كل أسرار حياتنا.

قال ياسر، الذي كان قد وصل إلى المنزل قبل دقائق بعد أن اتصلت به سرًا:

—من هذا الرجل؟

رفع الغريب عينيه إليه، ثم نظر إلى عمر.

—لماذا أحضرت محاميًا إلى هنا؟

أجابه عمر بعصبية:

—لم أحضره.

قلت:

—بل أنا من أحضرته.

فتح الرجل حقيبته ببطء.

—إذن لا فائدة من إخفاء الأمر بعد الآن.

شعرت بأن الدم ينسحب من وجهي.

قلت:

—أي أمر؟

لم يجب.

لكن ياسر تقدم خطوة.

—أعتقد أن من الأفضل أن تجيبها.

نظر الرجل إليه بسخرية.

—أنت لا تعرف مع من تتعامل.

ابتسم ياسر.

—وأنت لا تعرف مدى سوء الوضع الذي وضعت نفسك فيه.

فتح الرجل الحقيبة.

كان بداخلها عدد كبير من المستندات.

ثم أخرج ملفًا ووضعه أمام عمر.

—هذه آخر فرصة لك.

نظر عمر إلى الملف، ثم قال:

—قلت لك إنني سأحل الموضوع.

—لم تحل شيئًا. زوجتك عرفت كل شيء.

قلت بغضب:

—أنا لم أعد زوجتك!

رفع الرجل عينيه إليّ.

—قانونيًا… أنتِ بالفعل مطلقة.

قلت:

—بفضل تزويركم.

ساد الصمت.

ثم قال ياسر:

—وهذا الاعتراف وحده كافٍ لفتح قضية جنائية.

ارتبك الرجل.

أما عمر فقال:

—اهدئي يا سلمى.

صرخت:

—لا تقل لي اهدئي!

ثم أشرت إلى المستندات.

—أريد أن أعرف الحقيقة كاملة.

نظر عمر إلى الرجل.

ثم قال:

—أخرج.

—لن أخرج قبل أن تنتهي من توقيع الأوراق.

تدخل ياسر:

—أي أوراق؟

نظر الرجل إليه.

—أوراق نقل الملكية.

شعرت بأنني لا أستطيع التنفس.

—أي ملكية؟

أجاب:

—منزل والدتك.

تجمدت.

نظرت إلى عمر.

—ماذا فعلتم بمنزل أمي؟

لم يجب.

ركضت إلى الغرفة وأحضرت ملف المنزل.

فتحت الأوراق بسرعة.

وكانت الصدمة.

هناك طلب رسمي لنقل ملكية المنزل.

وتوقيع يشبه توقيعي.

لكن هذه المرة كان هناك شيء آخر.

تاريخ الطلب كان قبل تاريخ الطلاق بأسبوع.

قال ياسر:

—هذا يثبت أن الطلاق لم يكن الهدف الأساسي.

نظرت إليه.

—إذن ماذا كان الهدف؟

أجاب:

—السيطرة على ممتلكاتك.

جلست على الكرسي.

كل شيء بدأ يصبح واضحًا.

كانوا بحاجة إلى طلاق مزور حتى يظهر أن عمر لم يعد زوجي، ثم يبدأون في استخدام أوراق أخرى للوصول إلى أموالي وممتلكاتي.

لكن السؤال الذي لم أجد له إجابة كان:

كيف حصلوا على أوراقي؟

التفت إلى عمر.

—من أين أخذت نسخة هويتي؟

ظل صامتًا.

قلت:

—أنت وحدك كنت تعرف مكانها.

خفض رأسه.

ثم قال:

—نورهان.

—ماذا؟

—هي التي حصلت على الأوراق.

ضحكت بمرارة.

—وأنت أعطيتها إياها.

لم ينكر.

قال ياسر:

—وماذا عن الثلاثمائة ألف؟

رد الرجل:

—الأموال لم تُصرف بعد.

نظرت إليه.

—أين هي؟

قال:

—في حساب مؤقت.

—باسم من؟

لم يجب.

لكنني رأيت عمر ينظر إليه.

ثم فهمت.

—باسم نورهان؟

هز رأسه.

—لا.

قال ياسر:

—إذن باسم من؟

قال الرجل:

—باسم شخص آخر.

شعرت بالقلق.

—من؟

وقبل أن يجيب، وصل إشعار إلى هاتف ياسر.

قرأ الرسالة.

ثم نظر إليّ.

—سلمى، يجب أن نذهب إلى المستشفى.

—لماذا؟

—الحاج محمود تعرض لوعكة مفاجئة.

شعرت بالصدمة.

كان والده في مركز رعاية مؤقت منذ أن تركته أمام منزل نورهان.

قلت:

—ماذا حدث؟

—لا نعرف بعد.

خرجنا مسرعين.

أما عمر فلم يتحرك.

قلت له:

—ألن تأتي؟

نظر إليّ للحظة.

ثم قال:

—أنا سأذهب.

وصلنا إلى المستشفى بعد دقائق.

كان الحاج محمود مستلقيًا على السرير.

اقتربت منه.

فتح عينيه بصعوبة.

وحين رآني، أمسك يدي.

—سلمى…

انحنيت عليه.

—أنا هنا يا أبي.

حاول الكلام.

لكن صوته كان ضعيفًا.

—الصندوق…

قلت:

—أي صندوق؟

أشار بيده المرتجفة.

—غرفتي… الصندوق القديم.

نظر ياسر إليّ.

—هل يقصد شيئًا محددًا؟

هززت رأسي.

—لا أعرف.

ظل الحاج محمود يكرر:

—لا تعطوهم… الأوراق.

تجمدت.

—أي أوراق؟

لكنه أغمض عينيه من التعب.

بعد ساعات تحسنت حالته قليلًا.

عدت مع ياسر إلى المنزل.

بحثنا عن الصندوق القديم.

كان موجودًا داخل خزانة في غرفة الحاج محمود.

فتحناه.

وجدنا أوراقًا قديمة، وصورًا، ووثائق ملكية.

لكن تحت كل ذلك كان هناك ظرف بني اللون.

كتب عليه بخط اليد:

“إلى سلمى… إذا اضطررت يومًا إلى فتح هذا الظرف، فلا تثقي بأحد.”

تسارعت دقات قلبي.

فتحته.

كان بداخله خطاب ومفتاح صغير وذاكرة إلكترونية.

بدأت أقرأ الخطاب.

كان مكتوبًا:

“سلمى، إذا وصل هذا الخطاب إليك، فمعنى ذلك أنني لم أستطع حمايتك كما وعدت.”

توقفت عن القراءة.

نظر إليّ ياسر.

—تابعي.

أكملت.

“عمر لم يخبرك بالحقيقة كاملة.”

شعرت بقشعريرة.

“قبل سنوات، اكتشفت أن هناك شخصًا يحاول الاستيلاء على بعض أموال العائلة. ظننت أن الأمر انتهى، لكنني اكتشفت لاحقًا أن الشخص نفسه كان قريبًا منا.”

رفعت عيني إلى ياسر.

ثم تابعت:

“وأكثر ما أخافني أن هذا الشخص كان يعرف تفاصيل حياتك أنتِ.”

وضعت يدي على فمي.

ثم قرأت آخر سطر.

“إذا حدث لي شيء، فابحثي عن الاسم الموجود في الذاكرة الإلكترونية. هذا الشخص هو الذي بدأ كل شيء.”

أمسكت الذاكرة.

قلت:

—من أين نبدأ؟

أجاب ياسر:

—من أقرب جهاز كمبيوتر.

وصلنا الذاكرة بالحاسوب.

ظهر ملف واحد فقط.

كان اسمه:

“المستفيد الحقيقي.”

فتحناه.

ظهرت أمامنا صورة.

ثم اسم.

تجمدت في مكاني.

لم يكن اسم نورهان.

ولم يكن اسم الرجل الذي جاء إلى منزلي.

بل كان اسم شخص أعرفه منذ سنوات.

شخص كنت أعتبره فردًا من العائلة.

الحاج محمود نفسه كان قد ترك دليلًا على أنه يعرف الحقيقة منذ وقت طويل…

لكن السؤال الأكبر كان:

لماذا أخفى الحقيقة عني؟

ولماذا كان اسم هذا الشخص موجودًا في كل هذه المستندات؟

وقبل أن نستوعب ما رأيناه، وصلني اتصال من رقم مجهول.

أجبت.

جاءني صوت امرأة تبكي.

—سلمى… لا تذهبي إلى الشرطة.

قلت:

—من أنتِ؟

قالت:

—أنا نورهان.

ثم همست:

—لقد خدعوني أنا أيضًا.

توقفت أنفاسي.

—ماذا تقصدين؟

قالت:

—الرجل الذي كنت أظنه يساعدني في الحصول على المال… هو نفسه الذي سرق كل شيء.

—من؟

صمتت لثوانٍ.

ثم قالت:

—إنه شخص تعرفينه جيدًا.

وقبل أن تغلق الهاتف، قالت جملة جعلتني أشعر أن الأرض اهتزت تحت قدمي:

—وعمر ليس هو الشخص الذي تعتقدين أنك تزوجته.
الجزء الرابع

ظللت ممسكة بالهاتف بعد أن أغلقت نورهان المكالمة.

كانت جملتها تتردد في رأسي:

«وعمر ليس هو الشخص الذي تعتقدين أنك تزوجته.»

نظر إليّ ياسر بقلق.

—ماذا قالت؟

وضعت الهاتف على الطاولة.

—قالت إنهم خدعوها هي أيضًا.

—ومن تقصدين بـ«هم»؟

—لا أعرف.

ثم فتحت الذاكرة الإلكترونية مرة أخرى.

ظهر أمامنا الملف الذي تركه الحاج محمود.

كان يحتوي على عدة صور ومستندات، لكن معظمها مشفر.

قال ياسر:

—نحتاج إلى خبير تقني حتى نفتح الملفات.

—هل يمكن أن نحصل على المعلومات الآن؟

—ليس كلها.

ثم أشار إلى مجلد صغير.

—لكن هذا الملف مفتوح.

ضغط عليه.

ظهرت قائمة بأسماء وتحويلات مالية.

كنت أقرأ الأرقام دون أن أفهم شيئًا.

حتى ظهر اسم أعرفه.

نورهان.

وبجواره مبلغ كبير.

ثم ظهر اسم آخر.

عمر.

لكن المفاجأة لم تكن في وجود اسميهما.

بل في وجود اسم ثالث يتكرر بجوارهما.

اسم الرجل الذي جاء إلى منزلي.

حسام الديب.

قلت:

—إذن هو العقل المدبر.

هز ياسر رأسه.

—ليس بالضرورة.

—ماذا تقصد؟

—الشخص الذي يستلم الأموال ليس بالضرورة الشخص الذي يدير الخطة.

واصلنا البحث.

ثم وجدنا تحويلات أقدم.

كانت تعود إلى أكثر من ثلاث سنوات.

أي قبل أن يعود عمر من خدمته بوقت طويل.

قلت:

—ثلاث سنوات؟

نظر ياسر إليّ.

—وهذا يعني أن الخطة بدأت قبل أن تعرفي أي شيء عن مبلغ الثلاثمائة ألف.

جلست وأنا أشعر بالدوار.

—إذن لماذا تزوجني عمر أصلًا؟

لم يجب.

في تلك اللحظة عاد عمر إلى المنزل.

بمجرد أن رآني، قال:

—سلمى، يجب أن نتحدث.

أشرت إلى الكرسي.

—اجلس.

جلس.

وضعت أمامه إحدى الأوراق.

—من هو حسام الديب؟

تغير وجهه.

—من أخبرك عنه؟

ابتسمت بسخرية.

—إذن أنت تعرفه.

ظل صامتًا.

قلت:

—أريد الحقيقة يا عمر.

مرر يده على وجهه.

ثم قال:

—حسام كان يعمل معنا في بعض الإجراءات المالية أثناء خدمتي.

—«يعمل معنا»؟

—كان مسؤولًا عن بعض الملفات.

—وهل كان يعرف قيمة التعويض الذي سأحصل عليه؟

—نعم.

—وهل كان يعرف أنني أملك منزل والدتي؟

لم يجب.

صرخت:

—أجبني!

قال أخيرًا:

—نعم.

شعرت أنني لم أعد أتعرف على الرجل الذي أمامي.

—منذ متى وأنت تعرفه؟

—منذ سنوات.

—ومنذ متى وأنت تعرف نورهان؟

صمت.

وكان صمته هذه المرة هو الإجابة.

وقفت.

—منذ سنوات أيضًا؟

قال:

—سلمى…

—لا تنادني بهذا الاسم وكأنك ما زلت زوجي.

خفض رأسه.

ثم قال:

—تعرفت عليها منذ عامين.

—أي قبل عودتك من الخدمة.

—نعم.

—وهل كانت علاقتكما هي السبب في الطلاق؟

رفع عينيه.

—الأمر أعقد من ذلك.

ضحكت.

—كلما قلت إن الأمر أعقد، اكتشفت أن هناك شيئًا أسوأ.

ظل صامتًا.

فقلت:

—أين ذهبت الثلاثمائة ألف؟

قال:

—لم أحصل عليها.

—كذبت عليك نورهان إذن؟

هز رأسه.

—لا أعرف.

ثم أضاف:

—لكنني أعرف شيئًا واحدًا.

—ماذا؟

قال:

—المال لم يعد تحت سيطرة حسام.

تجمدت.

—إذن من يملكه؟

نظر إليّ.

—الشخص الذي وضع الخطة من البداية.

—ومن هو؟

وقبل أن يجيب، رن هاتفه.

نظر إلى الشاشة.

كان المتصل نورهان.

لم يجب.

رن الهاتف مرة أخرى.

ثم مرة ثالثة.

قلت:

—أجب.

—لا.

—أجب.

ضغط على زر الرد ووضع الهاتف على مكبر الصوت.

جاء صوت نورهان مرتجفًا:

—عمر… لقد عرفوا أننا نتحدث.

—من؟

—لا أعرف.

ثم بدأت تبكي.

—لقد أخذوا جواز سفري وأموالي. وقالوا إنني إذا تكلمت فسوف أتحمل كل شيء وحدي.

قال عمر:

—أين أنتِ؟

—في مكان آمن.

سألتها:

—نورهان، من الذي خدعك؟

ساد الصمت.

ثم قالت:

—شخص كنتِ تثقين به أكثر مني.

أغلقت المكالمة.

نظرت إلى عمر.

—هي تقصد شخصًا من عائلتي.

لم يجب.

فقلت:

—من؟

ظل صامتًا.

عندها أدركت شيئًا.

—أنت تعرف.

قال بصوت منخفض:

—نعم.

شعرت بأن قلبي انقبض.

—من؟

رفع عينيه.

وقبل أن ينطق، وصلتنا رسالة على هاتف ياسر.

فتحها.

كانت صورة للحاج محمود في المستشفى.

وتحت الصورة جملة واحدة:

«إذا أردتم أن يبقى حيًا، توقفوا عن البحث.»

تجمدنا جميعًا.

قلت:

—كيف حصلوا على هذه الصورة؟

قال ياسر:

—شخص داخل المستشفى يراقبه.

ثم نظر إلى عمر.

—أنت تعرف من يفعل هذا.

أجاب عمر:

—أقسم أنني لا أعرف.

قال ياسر:

—إذن سنذهب إلى الشرطة الآن.

أمسكت بذراع ياسر.

—انتظر.

—لماذا؟

—لأنهم يريدون منا أن نتصرف بعشوائية.

ثم نظرت إلى عمر.

—وأنا لن أفعل ما يريدونه.

في تلك اللحظة وصلتنا رسالة أخرى.

هذه المرة لم تكن صورة.

كانت صورة لصفحة من ملف الطلاق.

لكن في أسفل الصفحة ظهر شيء لم نره من قبل.

اسم الموظف الذي قام بتسجيل الطلاق.

قال ياسر:

—هذا الموظف هو المفتاح.

—لماذا؟

—لأن الملف لا يمكن أن يدخل النظام من تلقاء نفسه.

بحثنا عن الموظف.

وكان يعمل في مكتب حكومي بمدينة القاهرة.

في صباح اليوم التالي ذهبنا إليه.

بمجرد أن رأى صورة الملف، تغير وجهه.

قال:

—أنا لم أسجل هذا الطلاق.

تجمدت.

—ماذا؟

—التوقيع الموجود باسمي مزور أيضًا.

قال ياسر:

—هل لديك سجل الدخول إلى النظام؟

—نعم.

أخرج سجلات الحاسب.

ثم قال:

—هناك شخص دخل إلى حسابي في ذلك اليوم.

—من؟

أشار إلى اسم المستخدم.

كان اسمًا قصيرًا.

M.KHALIL

نظرت إلى ياسر.

—من خالد؟

هز رأسه.

—لا أعرف.

لكن الموظف قال:

—أنا أعرف.

ثم أضاف:

—هذا الحساب كان يستخدمه مدير القسم سابقًا.

—أين هو الآن؟

صمت الرجل.

ثم قال:

—تقاعد منذ عام.

—ما اسمه؟

أعطانا الاسم.

محمود عبدالسلام.

تجمدت.

قلت:

—محمود… عبدالسلام؟

نظر إليّ ياسر.

—هل تعرفينه؟

لم أستطع الإجابة.

لأن الاسم كان مألوفًا جدًا.

وفجأة تذكرت.

كان هناك رجل يأتي إلى منزلنا باستمرار منذ سنوات.

رجل كان الحاج محمود يثق به.

رجل كان عمر يصفه دائمًا بأنه «مثل والده».

رجل كان يدخل غرفته دون استئذان.

ورجل كان يعرف مكان كل أوراق العائلة.

قلت بصوت مرتجف:

—إنه شقيق الحاج محمود.

نظر ياسر إليّ.

—عم عمر.

وهنا فهمت لماذا كان الحاج محمود يخاف.

ولماذا كتب:

«لا تثقي بأحد.»

لكن شيئًا واحدًا ظل غير مفهوم.

إذا كان عم عمر هو العقل المدبر…

فلماذا كانت نورهان تملك خاتمًا ظهر في صورة المرأة التي زورت توقيعي؟

ولماذا كانت نورهان تقول إنها تعرضت للخداع؟

وفي تلك اللحظة وصلني اتصال جديد.

كان من المستشفى.

أجبت بسرعة.

—نعم؟

جاء صوت الممرضة:

—سيدتي… نحتاجك أن تأتي فورًا.

—ماذا حدث للحاج محمود؟

صمتت للحظة.

ثم قالت:

—لقد اختفى من غرفته.

شعرت أن الهاتف كاد يسقط من يدي.

—ماذا قلتِ؟

—والكاميرات توقفت عن العمل لمدة سبع دقائق فقط.

سبع دقائق…

لكنها كانت كافية لاختفاء رجل مريض لا يستطيع الحركة بمفرده.

نظرت إلى ياسر.

فقال:

—سلمى، لا تذهبي وحدك.

لكنني كنت قد فهمت شيئًا.

هذه المرة لم يريدوا سرقة المال.

كانوا يريدون الوصول إلى الحاج محمود لأنه الشخص الوحيد الذي يستطيع كشف الحقيقة كاملة.
الجزء قبل الأخير

وصلنا إلى المستشفى بسرعة.

كان عمر يسير بجانبي، بينما كان ياسر يتحدث مع إدارة المستشفى ويطلب تسجيلات الكاميرات كاملة.

دخلنا غرفة الحاج محمود.

كان السرير فارغًا.

لكن شيئًا لفت انتباهي.

الغطاء كان مرتبًا بطريقة غريبة، وكأن شخصًا ما حاول أن يجعل الغرفة تبدو وكأن المريض خرج منها بنفسه.

قال ياسر:

—لا أحد يلمس شيئًا.

ثم بدأ يبحث بعينيه في الغرفة.

اقتربت من الطاولة الصغيرة بجوار السرير.

كان عليها كوب ماء، وعلبة الدواء، ومسبحة الحاج محمود.

لكن تحت المسبحة وجدت ورقة صغيرة.

فتحتها.

كان مكتوبًا عليها بخط مرتجف:

«المكان الذي بدأ منه كل شيء.»

وفي أسفل الورقة عنوان.

عنوان منزل قديم في إحدى قرى محافظة المنوفية.

نظرت إلى عمر.

—ما هذا المكان؟

تغير وجهه.

—لا أعرف.

قال ياسر:

—أنت تعرفه.

ظل عمر صامتًا.

صرخت:

—قل الحقيقة!

تنهد.

—إنه منزل عمي القديم.

شعرت بالصدمة.

—لماذا كتب والده عنوانه؟

قال:

—لا أعرف.

تدخل ياسر:

—سنذهب إلى هناك.

في الطريق ظل عمر صامتًا.

وأخيرًا قلت:

—إذا كنت تخفي أي شيء آخر، فهذا آخر وقت للاعتراف.

قال:

—هناك شيء لم أخبرك به.

—كنت أعرف أن هناك شيئًا.

—قبل خمس سنوات، عندما بدأت خدمتي، أعطاني والدي ملفًا.

—أي ملف؟

—ملف يحتوي على حسابات العائلة وبعض المستندات القديمة.

—وماذا طلب منك؟

—قال لي ألا أعطيه لأي شخص.

—حتى أنا؟

خفض رأسه.

—حتى أنتِ.

شعرت بخيبة أمل جديدة.

—وماذا حدث للملف؟

قال:

—أعطيته لعمي.

توقفت عن الكلام.

كان هذا يعني أن عم عمر حصل منذ سنوات على كل المعلومات التي يحتاجها.

عندما وصلنا إلى المنزل القديم، وجدنا الباب مفتوحًا.

دخلنا بحذر.

كان المنزل خاليًا.

لكن في الغرفة الخلفية وجدنا خزانة معدنية.

فتحها ياسر بمساعدة مفتاح صغير كان داخل الظرف الذي تركه الحاج محمود.

في الداخل كانت هناك ملفات كثيرة.

وأول ملف حملته كان بعنوان:

«سلمى حسن.»

ارتجفت يدي.

فتحته.

كانت بداخله نسخ من هويتي، وصور لمنزلي، وكشوف حسابات، وحتى تفاصيل عن عملي وحياتي اليومية.

قال ياسر:

—كانوا يراقبونك منذ سنوات.

ثم وجدنا ملفًا آخر.

«عمر فؤاد.»

فتحناه.

وكانت المفاجأة.

لم يكن عمر هو صاحب الخطة.

بل كان هو نفسه تحت المراقبة.

قال ياسر:

—انظري إلى هذه التواريخ.

كانت هناك تحويلات مالية باسمه لم يقم بها.

وتوقيعات مزورة.

وشكاوى ضده.

كل شيء كان يُجهز ليظهر عمر يومًا ما وكأنه اختلس أموالًا واستخدم هويات أشخاص آخرين.

قلت:

—إذن كانوا يريدون توريطه أيضًا؟

قال ياسر:

—نعم.

نظر عمر إليّ.

—لهذا كنت خائفًا.

صرخت:

—خائفًا؟!

—كنت أحاول معرفة من يفعل ذلك.

—لكن بدلًا من أن تخبرني، تركتني وحدي خمس سنوات!

لم يرد.

ثم وجدت صورة.

كانت لنورهان.

وبجانبها اسم مختلف.

نورهان لم تكن اسمها الحقيقي.

قال ياسر:

—هذه المرأة كانت تعمل في شركة تابعة لعائلة عمر.

ثم وجدنا مستندًا آخر.

كان عقدًا يثبت أن نورهان تلقت مبلغًا ماليًا كبيرًا قبل عدة أشهر.

لكن المستفيد النهائي لم يكن هي.

كان شخصًا آخر.

قلب ياسر الصفحة.

ثم تجمد.

—سلمى…

—ماذا؟

أشار إلى اسم المستفيد.

كان:

محمود عبدالسلام.

عم عمر.

قلت:

—إذن هو من دفع لها.

هز ياسر رأسه.

—على الأغلب.

لكن قبل أن نكمل، سمعنا صوت سيارة تتوقف خارج المنزل.

أطفأنا الأنوار.

اقتربنا من النافذة.

نزل رجلان من السيارة.

ثم خرج شخص ثالث.

كان الحاج محمود.

تجمدت في مكاني.

—أبي!

حاولت الخروج، لكن ياسر أمسك بذراعي.

—انتظري.

راقبنا المشهد.

كان الحاج محمود يجلس على كرسي متحرك.

وبجانبه رجل أعرفه جيدًا.

عم عمر.

اقترب منه وقال:

—أنت وعدتني ألا تتدخل.

أجاب الحاج محمود بصوت ضعيف:

—لن أسمح لك بتدمير حياة سلمى.

شعرت بأن دموعي نزلت دون أن أشعر.

قال العم:

—لقد تأخرت.

—لن تحصل على شيء.

—المال أصبح باسمي منذ زمن.

—لكن الحقيقة لم تصبح ملكك.

سكت الرجل.

ثم قال:

—أين النسخة الأصلية؟

قال الحاج محمود:

—لن أخبرك.

اقترب منه.

—إذا لم تعطِني إياها، فسوف أخبر عمر بكل شيء.

رفع الحاج محمود رأسه.

—عمر يعرف.

تغير وجه الرجل.

ثم قال:

—ماذا؟

خرج عمر من الظلام.

—أعرف كل شيء الآن.

استدار العم فجأة.

كان وجهه شاحبًا.

قلت:

—وانتهى الأمر.

قال العم:

—لا شيء انتهى.

ثم أخرج هاتفه.

—لدي نسخة من كل شيء.

قال ياسر:

—وأنا لدي النسخ التي وجدناها هنا.

ابتسم الرجل.

—إذن لنخرج جميعًا من هذه القصة خاسرين.

لكنني قلت:

—لا.

نظر إليّ.

قلت:

—أنت خسرت بالفعل.

أخرجت هاتفي.

—كل ما قلته مسجل.

تجمد.

كنت قد بدأت التسجيل قبل أن نخرج من السيارة.

في تلك اللحظة، وصلت سيارات الشرطة.

كان ياسر قد اتصل بهم قبل دخول المنزل.

حاول العم الهرب.

لكن رجال الشرطة أوقفوه.

وبعد دقائق تم القبض عليه.

أما الحاج محمود، فأُعيد إلى المستشفى للفحص.

جلست بجانبه وأمسكت يده.

قال بصوت ضعيف:

—سامحيني يا ابنتي.

بكيت.

—لماذا أخفيت عني كل هذا؟

قال:

—كنت أخاف أن يؤذوك.

ثم نظر إلى عمر.

—وأنت أخطأت عندما سكت.

خفض عمر رأسه.

—أعرف.

في اليوم التالي، بدأت التحقيقات الرسمية.

وتبين أن الطلاق مزور.

وأن التوقيعات المستخدمة في الملف مزيفة.

كما تم تجميد الحساب الذي كانت الأموال قد نُقلت إليه.

لكن كانت هناك مفاجأة أخيرة.

نورهان حضرت بنفسها إلى مكتب التحقيقات.

وقدمت إفادتها كاملة.

واعترفت بأنها شاركت في بعض الإجراءات، لكنها قالت إن عم عمر أخبرها أن سلمى وزوجها يخططان للاستيلاء على أموال العائلة، وأنها صدقته.

ثم قالت شيئًا جعلني أنظر إلى ياسر:

—لكن هناك شخصًا آخر كان يساعده.

—من؟

أخرجت ورقة.

كان عليها اسم واحد.

اسم لم يكن موجودًا في أي ملف رأيناه من قبل.

وعندما قرأته…

شعرت بأن كل شيء عاد إلى نقطة الصفر.

لأن الاسم كان اسم الشخص الذي كنت أظنه أقرب الناس إليّ بعد والدتي.

أختي الصغرى.

وكان السؤال الآن:

لماذا ساعدت أختي في تدمير حياتي؟

والأخطر…

ما الذي كانت تخفيه عني طوال هذه السنوات؟
الجزء الأخير

لم أستطع أن أصدق ما رأيته.

أختي الصغرى، مريم.

الشخص التي كنت أعتبرها سندي الوحيد بعد وفاة والدتي، كانت موجودة في قلب هذه المؤامرة.

رفعت عيني إلى ياسر.

—لا يمكن أن تكون مريم.

قال بهدوء:

—لهذا لا نريد أن نتهمها قبل أن نعرف الحقيقة.

أما عمر فظل واقفًا في صمت.

التفتُّ إليه.

—هل كنت تعرف؟

هز رأسه.

—لا.

في صباح اليوم التالي، طلبنا من نورهان أن تخبرنا بكل ما تعرفه.

قالت:

—مريم هي التي أعطتني أول نسخة من أوراقك.

شعرت أنني فقدت القدرة على الكلام.

—متى؟

—قبل عام تقريبًا.

—ولماذا؟

خفضت نورهان عينيها.

—قالت إنكِ تملكين أموالًا وممتلكات أكثر مما تستحقين، وإنها تريد فقط أن تحصل على نصيبها.

قلت بغضب:

—هذا منزل أمي!

ثم أضفت:

—لم يكن لها الحق في شيء منه!

قالت نورهان:

—أعرف ذلك الآن.

ثم كشفت المفاجأة الأكبر.

مريم لم تكن تعمل وحدها.

كانت قد اتفقت مع عم عمر على أن يتم نقل ملكية المنزل إليها بعد تزوير الأوراق، ثم يُباع المنزل، ويحصل كل منهما على جزء من المال.

أما مبلغ الثلاثمائة ألف جنيه، فكان العم يريد استخدامه لإغلاق بعض الديون القديمة.

لكن لماذا كان الطلاق ضروريًا؟

أجاب ياسر:

—لأنهم احتاجوا إلى إثبات أن عمر لم يعد زوجك، حتى لا تبدو التحويلات المالية وكأنها معاملات زوجية عادية.

وفهمت أخيرًا الصورة كاملة.

لقد أرادوا إبعادي قانونيًا عن عمر، ثم استخدام أوراق مزورة للوصول إلى ممتلكاتي، وتحويل أموالي، وفي الوقت نفسه توريط عمر في مستندات لم يوقع عليها.

كان الهدف أن نخسر جميعًا.

وبينما كانت الشرطة تجمع الأدلة، اتصلت بي مريم.

نظرت إلى الهاتف طويلًا.

ثم أجبت.

—نعم؟

جاء صوتها مرتجفًا:

—سلمى…

—لماذا فعلتِ هذا؟

سكتت طويلًا.

ثم قالت:

—كنت غاضبة منك.

—غاضبة مني لدرجة أن تسرقي منزل أمي؟

بدأت تبكي.

—كنت أعتقد أنكِ دائمًا تحصلين على كل شيء.

—أي شيء؟

—الاهتمام… الحب… وحتى البيت.

أغمضت عيني.

لم أكن أتصور أن الغيرة يمكن أن تصل إلى هذا الحد.

قالت:

—عندما عرض عليّ عم عمر المال، ظننت أن الأمر مجرد نقل أوراق. لم أعرف أنه سيزور الطلاق ويستخدم هويتك.

قلت:

—لكنّك أعطيتِهم أوراقي.

—نعم.

ثم أضافت:

—وأنا نادمة.

قلت:

—الندم لا يعيد السنوات التي ضاعت.

انتهت المكالمة.

بعد أيام، بدأت القضية تأخذ طريقها الرسمي.

تم إثبات تزوير الطلاق، وتجميد الأموال، وإيقاف إجراءات نقل ملكية المنزل.

كما تم فتح تحقيق مع كل من شارك في استخدام المستندات المزورة.

أما نورهان، فقد تعاونت مع التحقيق وقدمت الرسائل والتحويلات التي كانت تحتفظ بها.

والأهم…

تم العثور على مبلغ التعويض كاملًا في الحساب المؤقت.

لم يكن قد اختفى.

كنت أظن أن استعادة المال ستكون أهم شيء بالنسبة لي.

لكنني اكتشفت أنني لم أعد أهتم به كما كنت أظن.

كنت أريد فقط استعادة حياتي.

بعد أسابيع، جلس عمر أمامي.

لم يكن يرتدي الزي العسكري.

كان يرتدي ملابس عادية، ويبدو أكبر سنًا مما كان عليه عندما غادر قبل خمس سنوات.

قال:

—أنا آسف.

لم أجب.

—كنت أظن أنني إذا أخبرتك بالحقيقة فسوف أخسرك.

قلت:

—وبصمتك خسرتني بالفعل.

خفض رأسه.

—أعرف.

ثم قال:

—هل هناك أي فرصة أن نبدأ من جديد؟

نظرت إليه طويلًا.

وتذكرت كل السنوات التي انتظرت فيها عودته.

كل الليالي التي قضيتها بجوار والده.

كل الوعود التي صدقتها.

ثم قلت:

—أنا لا أريد أن أبدأ من جديد مع رجل أخفى عني الحقيقة خمس سنوات.

نهض.

لم يجادلني.

ولأول مرة، شعرت أن القرار أصبح بيدي أنا.

أما الحاج محمود، فقد تحسنت حالته تدريجيًا.

انتقل إلى منزل صغير قريب مني، واستعنت بممرضة متخصصة لرعايته.

وذات يوم، قال لي:

—أنتِ لم تكوني زوجة عمر فقط يا سلمى.

نظرت إليه.

ابتسم.

—كنتِ ابنتي.

احتضنته وبكيت.

لم يكن بكاء حزن هذه المرة.

كان بكاء راحة.

وبعد عدة أشهر، صدر القرار بإلغاء الطلاق المزور رسميًا، وإعادة كل الإجراءات المتعلقة بممتلكاتي إلى وضعها السابق.

أما عم عمر، فواجه اتهامات متعددة بسبب التزوير والاحتيال واستخدام المستندات بطريقة غير قانونية.

ومريم…

لم أقطع علاقتي بها تمامًا، لكنني لم أعد أثق بها كما كنت.

تعلمت أن صلة الدم لا تعني دائمًا الأمان.

وفي أحد الأيام، كنت أجلس في شرفة منزلي عندما وصلتني رسالة من رقم مجهول.

فتحتها.

كانت صورة قديمة لوالدتي.

وتحتها جملة واحدة:

«هناك شيء آخر لم يخبرك به الحاج محمود.»

توقفت عن التنفس للحظة.

اتصلت بياسر فورًا.

—ياسر… يبدو أن القصة لم تنتهِ.

قال:

—ماذا حدث؟

أرسلت له الصورة.

وبعد دقائق اتصل بي.

كان صوته مختلفًا.

—سلمى…

—ماذا؟

قال:

—هذه الصورة ليست قديمة كما نعتقد.

—ماذا تقصد؟

—انظري إلى التاريخ الموجود خلفها.

قلبت الصورة.

وكان التاريخ يعود إلى اليوم الذي توفيت فيه والدتك.

ثم وجدت شيئًا آخر في أسفل الصورة.

توقيع والدتي.

وتحته اسم شخص واحد.

الحاج محمود.

تجمدت في مكاني.

فإذا كان الحاج محمود يعرف والدتي قبل سنوات طويلة من زواجي بعمر…

فما الذي كان يخفيه عني؟

ولماذا كانت والدتي قد كتبت اسمه خلف تلك الصورة؟

وضعت الصورة أمامي.

وفجأة فهمت أن الطلاق المزور، والمال، ونورهان، وعم عمر…

ربما لم تكن سوى طبقة واحدة من سر أقدم بكثير.

سر بدأ قبل أن أتزوج عمر أصلًا.

وهذه المرة…

لم أكن أعرف إن كنت مستعدة لمعرفة الحقيقة. :::
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى