قصص وروايات

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

الجزء الثاني والاخير
المستشار عبد الرحمن المنشاوي فضّل باصص للمحامي حازم الدسوقي، من غير ما يرمش، وبعدها قفل الملف اللي قدامه بهدوء وقال:

«قبل ما نكمل، أنا عايز أعرف حاجة واحدة. إنت بتقول إن اللي حصل مجرد احتكاك بسيط، وإن السيدة سهام هي اللي بتحاول تستغل الموقف. طيب، ممكن تشرحلي إزاي وصلت للاستنتاج ده بسرعة، قبل ما نسمع أقوال الشهود أو نراجع تسجيلات الكاميرات؟»

حازم عدّل رابطة عنقه، وحاول يحافظ على ابتسامته.

«يا سيادة المستشار، إحنا بنستند لأقوال موكلتي، الآنسة فاتن، وللظروف المحيطة بالواقعة. مافيش أي دليل لحد دلوقتي يثبت إن موكلي أو موكلتي ارتكبوا أي مخالفة متعمدة.»

أبويا رفع حاجبه وقال:

«أنا ما سألتكش عن موكلك. أنا سألتك عن الدليل اللي خلاك توصف الواقعة إنها بسيطة وغير مقصودة.»

لأول مرة من ساعة ما دخلنا القاعة، حازم ماعرفش يرد بسرعة.

مجدي اتدخل وهو بيحاول ينقذ الموقف.

«يا سيادة المستشار، أنا مقدّر حرص المحكمة على تحقيق العدالة، لكن اسمح لي أوضح إن زوجتي بتمر بفترة نفسية صعبة جدًا بسبب إجراءات الطلاق. وإحنا حاولنا نحل الخلافات دي وديًا أكتر من مرة، لكنها مصممة تحول كل حاجة لمعركة.»

بصيت له، وحسيت إن الراجل اللي قدامي مش هو نفس الإنسان اللي اتجوزته.

ثمان سنين وأنا بحاول أحافظ على بيتنا، وثمان سنين كنت فاكرة إن الصبر ممكن يصلح أي حاجة، وإن الإنسان لما يحب بصدق، الطرف التاني في يوم من الأيام هيقدّر ده.

لكن مجدي كان بيستخدم صبري ضدي.

حتى حملي، اللي المفروض يكون أسعد فترة في حياتنا، حوّله لمعركة لازم يكسبها.

وقبل ما أرد عليه، سمعت صوت أبويا:

«السيدة سهام مش متهمة في القضية دي يا أستاذ مجدي. هي طرف في دعوى أحوال شخصية، ووجودها هنا مش معناه إنها مطالبة تثبت إنها إنسانة محترمة أو مستقرة نفسيًا علشان تستحق حقوقها القانونية.»

مجدي بلع ريقه، وحاول يبتسم.

«طبعًا يا سيادة المستشار. أنا ماقصدتش أسيء ليها.»

أبويا رد عليه فورًا:

«يبقى التزم بموضوع الدعوى، وسيب المحكمة تقيّم الأدلة بنفسها.»

وبعدين وجّه كلامه لأمين السر:

«أثبت في المحضر إن المحكمة لاحظت وقوع احتكاك جسدي بين الحاضرين، وإنه تم طلب مراجعة التسجيلات المتاحة وسماع أقوال الشهود، مع عرض الحالة الصحية للسيدة سهام على طبيب مختص فورًا.»

مجدي اتحرك في مكانه بعصبية.

أما فاتن، فوشها بدأ يتغير.

واضح إنها ماكانتش متوقعة إن حركة صغيرة منها ممكن تقلب الجلسة كلها بالشكل ده.

لكن أنا كنت لسه حاسة بألم في بطني.

حطيت إيدي عليها، وحاولت أتنفس ببطء، لكن فجأة حسيت بشد قوي خلاني أمسك طرف الترابيزة.

أبويا لاحظني فورًا.

«سهام! إنتِ كويسة؟»

كانت دي أول مرة يناديني باسمي من ساعة ما بدأت الجلسة.

ولأول مرة كمان، صوته خرج من غير النبرة الرسمية اللي كان بيتكلم بيها.

قلت بصعوبة:

«بطني بتوجعني يا بابا.»

في اللحظة دي، كل حاجة اتغيرت.

أبويا ضغط على زر استدعاء المساعدة، وطلب إحضار طبيب المحكمة فورًا، وبعدها بص لأفراد الأمن وقال بحزم:

«محدش يغادر القاعة قبل ما يتم إثبات بيانات الشهود والتحقق من اللي حصل، وفقًا للإجراءات القانونية.»

مجدي اتحرك ناحيتي.

«سهام، استني! أنا هاجي معاكي.»

لكن قبل ما يقرب، فرد الأمن وقف بيننا.

بصيت لمجدي وقلت:

«دلوقتي افتكرت إني مراتك؟»

اتجمد مكانه.

كملت وأنا بحاول أتماسك:

«من شوية كنت واقف بتطمن على فاتن، وأنا كنت بتلوى من الوجع قدامك. دلوقتي لما شفت إن الموضوع ممكن يبقى رسمي، افتكرت إنك جوزي؟»

قال بعصبية مكتومة:

«إنتِ فاهمة الموضوع غلط!»

هزيت راسي وقلت:

«لأ يا مجدي. أنا أخيرًا فهمت الموضوع صح.»

وبعد دقائق، دخل طبيب المحكمة، وطلب نقلي علشان يطمن على حالتي وحالة الجنين. خرجت من القاعة بمساعدة إحدى الموظفات، وأبويا فضّل واقف مكانه، لكنه قبل ما أخرج، بصلي نظرة فهمت منها إنه مش هيسيب حقي يضيع.

ومع ذلك، كان فيه شيء أهم من كل الكلام اللي اتقال.

كنت محتاجة أعرف إن ابني بخير.

بعد حوالي أربعين دقيقة، كنت قاعدة في غرفة الكشف داخل المستشفى، والطبيبة بتفحصني وتطمن على نبض الجنين.

الوقت كان بيمر ببطء شديد.

كل ثانية كانت بالنسبة لي أطول من ساعة.

لحد ما الطبيبة ابتسمت أخيرًا وقالت:

«الحمد لله، نبض الجنين مطمئن في الوقت الحالي، لكن لازم تفضلي تحت الملاحظة، لأن أي إصابة أو ألم أثناء الحمل في المرحلة دي محتاج تقييم دقيق.»

غمضت عيني، ودموعي نزلت من غير ما أحس.

مش من الوجع بس، لكن من الخوف اللي كنت شايلته جوايا من لحظة الضربة.

حطيت إيدي على بطني وهمست:

«الحمد لله يا رب.»

بعد شوية، دخل أبويا الأوضة.

كان لسه لابس بدلته الرسمية، لكن ملامحه اتغيرت تمامًا.

قرب مني وقعد على الكرسي اللي جنبي.

«الدكتورة قالتلي إن حالتك مستقرة، بس هتفضلي تحت الملاحظة. إنتِ محتاجة أي حاجة يا بنتي؟»

بصيت له وقلت:

«محتاجة أعرف ليه كل ده حصل يا بابا. إزاي مجدي قدر يتغير بالشكل ده؟»

أبويا سكت شوية، وبعدين قال:

«أحيانًا يا سهام، الإنسان ما بيتغيرش فجأة. إحنا بس بنكتشف حقيقته لما المصالح تتعارض، ولما يفتكر إن الطرف التاني بقى ضعيف ومش قادر يدافع عن نفسه.»

نزلت عيني للأرض.

«أنا كنت فاكرة إني أقدر أصلح كل حاجة. كنت بقول لنفسي إن ضغط شغله هو السبب، وإن المشاكل اللي بينا هتعدي، وإن لما ابننا يتولد، حياتنا هترجع زي الأول.»

أبويا مسك إيدي وقال:

«إنتِ مش مسؤولة عن اختياراته يا سهام. ومش مطلوب منك تفضلي تتحملي الإهانة علشان تحافظي على شكل البيت قدام الناس.»

سكت لحظة، وبعدها سألني:

«فيه حاجة تانية إنتِ مخبياها عني؟ حاجة ليها علاقة بالقضية؟»

السؤال خلاني أتردد.

لأن الحقيقة إن اللي حصل في المحكمة ماكانش أول حاجة اكتشفتها عن مجدي.

قبل الواقعة دي بأسبوعين، كنت لقيت مستندات غريبة في مكتبه بالبيت.

تحويلات مالية بمبالغ كبيرة، وأوراق تخص شركات بأسماء مختلفة، ونسخة من اتفاقية كان مطلوب مني أوقّع عليها من غير ما أفهم كل تفاصيلها.

ولما سألته عن الأوراق، خطفها من إيدي وقال إن دي أمور تخص شغله، وإن ماليش دعوة بيها.

بعدها بيومين، محاميه بعتلي أوراق الطلاق.

ومن وقتها، بدأت أحس إن الموضوع مش مجرد جواز انتهى، وإن فيه حاجة أكبر بيحاول يخبيها عني.

بصيت لأبويا وقلت:

«فيه مستندات شفتها في مكتبه، يا بابا. مش فاهمة كل اللي فيها، لكن فيه تحويلات مالية كتير، وأسماء شركات ماعرفهاش. ولما سألته عنها، اتعصب جدًا.»

ملامح أبويا بقت أكثر جدية.

«المستندات دي معاكي؟»

هزيت راسي.

«صورت بعضها قبل ما يعرف إني شفتها، وبعت النسخ على إيميلي الشخصي. كنت خايفة يمسحها أو ياخد موبايلي.»

أبويا ما سألنيش عن تفاصيل إضافية، وماطلبش مني أعمل أي حاجة خارج الإجراءات القانونية.

كل اللي قاله:

«احتفظي بالنسخ الأصلية زي ما هي، وما تحاوليش تواجهيه بيها لوحدك. لو فيها شبهة مخالفة، لازم تتراجع من الجهات المختصة بالطريقة القانونية.»

وبعدين قام من مكانه، وقبل ما يخرج، وقف عند الباب وقال:

«فيه حاجة لازم تعرفيها. مجدي النهارده ماكانش متوتر بسبب واقعة الاعتداء بس. هو كان متوتر من ملف تاني اتقدم للمحكمة قبل الجلسة.»

قلبي بدأ يدق بسرعة.

«ملف إيه يا بابا؟»

لف ناحيتي وقال:

«طلب مراجعة بعض المستندات المالية اللي اتقدمت ضمن النزاع، لأن فيه تناقضات واضحة بين إقراراته المالية وبين بعض الأوراق الموجودة في الملف.»

حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.

«يعني هو مخبي فلوس؟»

أبويا رد بحذر:

«لسه ما نقدرش نجزم بحاجة. التناقضات محتاجة فحص، ومفيش حد هيتحكم عليه بناءً على مجرد شكوك. لكن اللي أقدر أقولهولك إن القضية مش بالبساطة اللي هو بيحاول يصورها.»

في اللحظة دي، فهمت إن مجدي كان مستعجل يخلص الطلاق لسبب أكبر من إنه عايز يبدأ حياة جديدة مع فاتن.

كان فيه شيء بيحاول يبعده عن أوراق القضية، وشيء تاني بيحاول يخفيه عني.

لكن السؤال اللي فضل يطاردني كان مختلفًا تمامًا:

لو مجدي مستعد يحرجني ويهينني قدام المحكمة علشان يخلص من جوازنا، فإيه اللي ممكن يكون مستعد يعمله علشان يمنعني من اكتشاف الحقيقة اللي مخبيها؟

في نفس الوقت، داخل قاعة المحكمة، كان مجدي واقف مع محاميه حازم الدسوقي، بينما فاتن قاعدة في آخر صف، ساكتة تمامًا.

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى