قصص وروايات

القصة كاملة بقلم محمد عبده

في صباح اليوم التالي، صحيت قبل سلوى بوقت طويل. فضلت قاعد على طرف السرير، وببص للورقة اللي حطيتها قدامي على الترابيزة. سبعتاشر اسم. وثلاثة منهم ماتوا. واسمي في الآخر. لكن أكتر حاجة كانت شاغلاني هي الرقم المكتوب جنب اسمي: 16.

قعدت أحاول أفهمه. هل كان ترتيب؟ عدد الأيام؟ جرعات؟ ولا كان فيه معنى تاني أنا لسه مش قادر أوصله؟

دخل محمود البيت بعد الساعة تسعة الصبح. أول ما شافني، عرف من وشي إني ما نمتش. — لقيت حاجة؟

طلعت الورقة من جيبي وحطيتها قدامه. محمود قرأ الأسماء واحد واحد. ما اتكلمش. وصل لآخر اسم. وقف. — حسام… الورقة دي كانت فين؟ — في الخزنة.

رفع عينه لي. — الخزنة اللي سلوى عندها مفتاحها؟ هزيت راسي. — آه.

سألني: — وهي تعرف إنك لقيتها؟ — لأ.

محمود مسك موبايله واتصل بشخص. بعد دقيقتين قال: — محتاج حد يراجع الأسماء دي. بصيت له باستغراب. — مين؟ قال: — واحد زميلي قديم في الجيش. بيشتغل دلوقتي في وحدة التحقيقات الطبية.

فضلنا مستنيين. وبعد حوالي ساعة، وصل راجل اسمه الدكتور ياسر فؤاد. كان متخصص في السموم والتحاليل الطبية، وبدأ يسألني عن الأعراض اللي ظهرت عليّ. النوم المفاجئ. الدوخة. الإرهاق. الشرود.

وبعدين سألني سؤال غريب: — هل الأعراض دي بتزيد بعد ما بتاخد الفيتامينات؟ فكرت شوية. — مش متأكد. طلب مني أجيب له العلبة. فحصها بعناية. وبعدين قال: — ما تاخدش منها أي حاجة تاني.

سألته: — ليه؟ قال: — لسه مش هقدر أقول إن فيها حاجة، لكن الختم اتفتح قبل كده. محمود بص له. — وإيه احتمال إن حد يكون حط حاجة جوه؟ ياسر رد: — لازم تحليل معملي عشان نعرف. وبعدين أضاف: — بس في حاجة أهم.

فتح الورقة اللي عليها الأسماء. وقال: — لازم نعرف مين الناس دول.

بدأنا ندور عن أول اسم. مدحت سالم. رجل كان عمره 68 سنة. توفي من حوالي خمس سنين. السبب الرسمي للوفاة كان أزمة قلبية. الاسم الثاني كان سمير عبد القادر. توفي بعده بسنة. والتقرير قال إن الوفاة كانت بسبب فشل مفاجئ في وظائف الجسم. أما الاسم الثالث… عادل منصور. توفي في نفس السنة. والسبب المسجل كان «مضاعفات صحية غير محددة».

بصيت لمحمود. — إنت شايف اللي أنا شايفه؟ قال: — شايف إن فيه حاجة محتاجة تفسير. ياسر كان ساكت. وفجأة قال: — استنوا.

طلع موبايله وبدأ يبحث عن حاجة. بعد دقائق، رفع عينه. — التلاتة دول كانوا بيتعاملوا مع نفس المستشفى. اتجمدت. — مستشفى إيه؟ ذكر اسم مستشفى خاص كبير في القاهرة. المفاجأة إن سلوى كانت اشتغلت فيه فترة قبل ما نتجوز.

بصيت لمحمود. — دي صدفة؟ رد: — ممكن. لكن نبرته ما كانتش مقتنعة.

في اللحظة دي، سمعنا صوت مفتاح في باب البيت. سلوى رجعت. محمود بسرعة طوى الورقة. لكن كان فات الأوان. سلوى دخلت الصالة، وبصت لنا واحد واحد. وبعدين قالت: — إنتوا بتعملوا إيه؟

ابتسمت وقلت: — قاعدين بس. قالت: — الدكتور محمود هنا من بدري؟ — آه.

فضلت واقفة ثواني. وبعدين حطت شنطتها. لكن عينيها راحت ناحية الورقة اللي كانت على الترابيزة. حاولت تخفي ارتباكها. وقالت: — أنا هطلع أغير هدومي.

وأول ما اختفت في الممر، محمود قرب مني وهمس: — هي شافت الورقة. لكن اللي ما كناش نعرفه وقتها… إن سلوى ما كانتش بس شافت الورقة. كانت عرفت إننا بدأنا نبحث.

بعد حوالي عشر دقائق، سمعت صوت باب أوضة المكتب بيتفتح. قمت بسرعة. دخلت لقيتها واقفة قدام الخزنة. ولما شافتني، اتفاجأت. — بتدوري على إيه؟ قالت: — ولا حاجة. — الخزنة مش مكان «ولا حاجة». سكتت. وبعدين قالت: — حسام، إنت ليه بتشك فيا؟

السؤال ضربني. لأنها بدل ما تسألني عن الشرطة… أو عن سبب وجود الدكتور… كانت بتسألني ليه بشك فيها.

قلت: — عشان لقيت ورقة فيها 17 اسم، وتلاتة منهم ماتوا. وشها اتغير. لثانية واحدة بس. لكن أنا شفتها.

قالت: — إنت فتحت الخزنة؟ — آه. — مين سمح لك؟ ضحكت من الصدمة. — دي خزنّتي أنا كمان يا سلوى. فضلت ساكتة. وبعدين قالت: — الورقة دي مش زي ما إنت فاكر. — أمال إيه؟ ما ردتش.

قلت: — قولي الحقيقة. دموعها نزلت فجأة. — أنا كنت بحاول أحميك.

الجملة دي خلتني أتجمد. — تحميني من مين؟ سلوى بصت ناحية باب الأوضة. وبعدين قالت بصوت منخفض: — من الناس اللي قتلوا الستاشر شخص اللي قبلك.

قلبي وقف تقريبًا. — «قبلي»؟ هزت راسها. — أيوه. — يعني إيه؟ قربت مني. وقالت: — الأسماء دي مش ضحايا. سكتت لحظة. — دي أسماء ناس كانوا مرتبطين بنفس الشخص. — مين؟

قبل ما تجاوب، سمعنا صوت زجاج بيتكسر في الدور الأرضي. كلنا جَرينا ناحية الصالة. الباب الخارجي كان مقفول. لكن شباك الصالة كان مفتوح. وعلى الأرض… كان فيه حجر ملفوف بورقة.

محمود التقطها بحذر. فتحناها. وكان مكتوب عليها جملة واحدة: «حسام، لو عايز تعرف الحقيقة… اسأل مراتك عن الرقم 17.»

بصيت لسلوى. وشها كان أبيض. قلت: — إيه هو الرقم 17؟ سلوى ما ردتش. لكن عينيها كانت بتقول إنها تعرف.

وفجأة، موبايلها رن. بصت للشاشة. وما ردتش. رن مرة تانية. وبعدين وصلت رسالة. قريتها. وإيديها بدأت ترتعش. مدت الموبايل لي. كانت الرسالة قصيرة جدًا: «هو عرف إنك بتحاولي تنقذيه.»

رفعت عيني لسلوى. — مين اللي بعت الرسالة؟ قالت بصوت مكسور: — الشخص اللي كنت خايفة منه طول السنين دي. — مين؟ بصت لي وقالت: — أخوك يا حسام.

اتجمدت مكاني. لأن أخويا طارق كان متوفي من 11 سنة. أو على الأقل… ده اللي كنت فاكره.

فضلت باصص لسلوى كأني مستني منها تضحك وتقول إن ده مجرد سوء تفاهم. لكنها ما ضحكتش. قالت مرة تانية: — طارق هو اللي بعت الرسالة.

قلت وأنا مش مستوعب: — طارق مات من 11 سنة! ردت بهدوء غريب: — أنا عارفة. — أمال مين اللي بعت؟ ما ردتش.

محمود قرب مني وقال: — حسام، اهدى. لازم نفكر بعقل. لكن أنا ما كنتش قادر أفكر. كل ذكرياتي عن أخويا بدأت تتقلب قدام عيني.

طارق كان أصغر مني بأربع سنين. اختفى من حياتنا بعد حادث عربية على طريق القاهرة الإسكندرية الصحراوي. العربية اتحرقت. واتقال وقتها إن مفيش أي فرصة لنجاته. أنا بنفسي حضرت إجراءات الدفن. أو على الأقل… ده اللي كنت فاكره.

قلت لسلوى: — إنتِ عارفة حاجة عن الحادث؟ هزت راسها. — أكتر مما تتخيل. — من إمتى؟ — من قبل ما أتجوزك.

حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي. — يعني إنتِ كنتِ عارفة إن طارق… قاطعتني: — طارق ما ماتش في الحادث.

ساد الصمت. حتى محمود ما اتكلمش.

السابق1 من 5
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى