روايات وقصصقصص وروايات

الجزء الثاني والاخير

الجزء الثاني والاخير
الظابط فضل ساكت ثواني، وكأنه بيتأكد إنه قرأ البيانات صح.

وبعدين رفع عينه ناحيتي وقال بصوت واضح:

“حضرتك… القائدة نجلاء منصور؟”

نادية رمشت كذا مرة.

كريم نفسه اتجمد مكانه.

أما أنا فقلت بهدوء:

“أيوه.”

الظابط وقف مستقيم فجأة، وأدى لي التحية العسكرية.

“حضرتك، آسف جدًا على الإزعاج.”

الهمس في القاعة تحول لصمت كامل.

ناس كتير بدأت تبص لبعضها.

لكن نادية ما كانتش مستوعبة.

قالت بسرعة:

“استنى… إيه قائدة؟! هي بتكدب عليكم!”

الظابط بص لها باستغراب.

“مدام، بطاقة الهوية تم التحقق منها رسميًا.”

ردت بعصبية:

“مستحيل! أنا عارفاها من سبع سنين! دي مرات ابني، وهي قالت بنفسها إنها بتشتغل شغلانة إدارية!”

المشكلة إن الجملة دي خلت كام شخص قريب منها يبصوا لها بنظرات مختلفة.

كريم حط إيده على وشه.

واضح إنه بدأ يفهم إن اللي بيحصل أكبر بكتير من مجرد خناقة عائلية.

نادية كملت:

“أنا متأكدة إنها مش ضابطة كبيرة!”

الظابط رد بمنتهى الهدوء:

“حضرتك، دي مش وجهة نظر. بياناتها العسكرية مؤكدة.”

وبعدين رجع يبص لي وقال:

“حضرتك من فضلك، ممكن تسمحي لي أتأكد من بيانات الدخول الخاصة بالحفل؟”

قلت:

“طبعًا.”

دخل رقم الهوية مرة تانية.

المرة دي ظهرت تفاصيل إضافية على الشاشة.

واحد من الضباط اللي كان واقف قريب قرب يشوف الشاشة.

وفجأة قال:

“دي مش بس ضمن الحضور…”

وسكت.

سأله زميله:

“في إيه؟”

رد:

“اسمها موجود ضمن اللجنة المنظمة.”

هنا حصلت لحظة صمت غريبة.

نادية بصت لي.

وبعدين بصت لابنها.

“إنت كنت عارف؟”

كريم ما ردش.

قالت بصوت أعلى:

“كريم! إنت كنت عارف إنها رتبتها إيه؟”

كريم أخيرًا اتكلم:

“كنت عارف إنها ضابطة، يا أمي.”

نادية قربت منه:

“ضابطة؟!”

قال:

“قائدة.”

وشها اتغير.

لكن لسه كانت بتحاول تتمسك بأي حاجة.

قالت:

“طب ليه ما قالتليش؟”

ضحكت ضحكة قصيرة من غير فرحة.

وقلت:

“قلتلك أكتر من مرة.”

نادية بصت لي.

قلت:

“بس إنتِ عمرك ما كنتِ عايزة تسمعي.”

كريم حاول يهدّيها:

“ماما، كفاية.”

لكن نادية انفجرت:

“أنا كنت بحاول أحمي ابني!”

لأول مرة، صوتي ارتفع شوية.

“تحميه من إيه؟”

ما ردتش.

كملت:

“من واحدة خدمت بلدها أربعطاشر سنة؟”

سكتت.

“ولا من واحدة كنتِ شايفاها أقل منك عشان شغلها مش عاجبك؟”

نادية فتحت بوقها عشان ترد، لكن مفيش كلمة خرجت.

في اللحظة دي، دخل واحد من كبار الضباط القاعة.

بمجرد ما شافني، اتجه ناحيتي مباشرة.

وقال:

“قائدة نجلاء، كنا بندور عليكِ.”

وبعدين لاحظ التوتر.

بص للظابط الشاب.

وبص لنادية.

وقال:

“فيه مشكلة؟”

الظابط شرح له بسرعة اللي حصل.

الضابط الكبير سكت ثواني.

وبعدين قال لنادية:

“حضرتك اتهمتي ضابطة عاملة في الخدمة إنها منتحلة صفة عسكرية؟”

نادية بدأت تتلعثم:

“أنا… أنا كنت فاكرة إنها…”

قاطعها بهدوء:

“الموضوع مش مبني على اللي حضرتك فاكرة.”

ثم التفت لي:

“حضرتك تحبي نكمل الإجراءات الرسمية؟”

بصيت لنادية.

كانت لأول مرة من سبع سنين مش عارفة تقول إيه.

لكنني قلت:

“لا.”

كريم بص لي بدهشة.

وأنا كملت:

“مش هنا.”

الضابط فهم قصدي.

وقال:

“تمام.”

ثم ابتعد.

افتكرت إن الموضوع خلص.

لكن قبل ما أرجع لمكاني، واحد من الضباط قرب مني وقال بصوت منخفض:

“حضرتك، فيه حاجة لازم تعرفيها.”

بصيت له.

قال:

“البلاغ اللي اتقدم ضدك مش مجرد شكوى شفوية.”

اتجمدت.

“يعني إيه؟”

قال:

“البلاغ مكتوب.”

وبعدين أضاف:

“وفيه توقيع باسم زوجك.”

بصيت ناحية كريم.

كان واقف مكانه، وشه شاحب.

قلت:

“كريم…”

هو بدأ يهز راسه بسرعة.

“نجلاء، والله ما عملت كده.”

الضابط مد لي الورقة.

أخدتها.

قرأت أول سطر.

ثم الثاني.

وفي اللحظة اللي وصلت فيها لآخر الصفحة…

عرفت إن اللي حصل في القاعة ما كانش تصرفًا عشوائيًا من نادية.

كان فيه حد خطط لكل حاجة.

والأسوأ…

إن اسمي كان موجود في ملف أكبر بكتير من مجرد اتهام بانتحال صفة عسكرية.

رفعت عيني ناحية كريم.

وقلت:

“إنت كنت عارف بالموضوع ده؟”

رد بسرعة:

“لا.”

لكن قبل ما أكمل، وصل إشعار على تليفوني.

رسالة رسمية من الإدارة.

فتحتها.

قرأت السطر الأول.

واتغيرت ملامحي.

لأن الرسالة كانت بتقول إن فيه مراجعة عاجلة لملف أمني مرتبط باسم عائلتي…

والمراجعة بدأت قبل الحفلة بـثلاث أيام.

يعني اللي حصل الليلة دي…

كان مجرد بداية.
فضلت واقفة مكاني وأنا ماسكة التليفون، وبقرأ الرسالة للمرة التانية.

“مراجعة أمنية عاجلة مرتبطة بملف عائلي.”

الكلمات كانت قليلة، لكن معناها كان تقيل.

رفعت عيني وبصيت لكريم.

“إنت قلتلي إنك ما تعرفش حاجة.”

قال بسرعة:

“وأنا فعلًا ما أعرفش.”

“طب ليه اسمك موجود في البلاغ؟”

وشه اتغير.

مد إيده للورقة، لكني سحبتها قبل ما ياخدها.

“استنى.”

قرأت الاسم الموجود في آخر الصفحة مرة تانية.

كان توقيعًا باسم كريم.

لكن حاجة صغيرة شدت انتباهي.

التوقيع كان شبه توقيعه جدًا…

بس مش هو.

أنا كنت عارفة توقيعه كويس.

شفت توقيعه مئات المرات.

على عقود البيت.

على أوراق البنك.

حتى على إيصالات استلام حاجات بسيطة.

وده كان توقيعًا متقنًا بشكل غريب.

قلت بهدوء:

“ده مش توقيعك.”

كريم بص للورقة.

وسكت.

نادية تدخلت بسرعة:

“هو أكيد نسي إنه مضى.”

بصيت لها.

“نسي توقيعه؟”

ما ردتش.

قربت منها خطوة.

“نادية، مين اللي طلب منك تعملي البلاغ؟”

وشها اتجمد.

“أنا ما طلبتش من حد.”

“طب مين قالك إني مش ضابطة؟”

سكتت.

“مين قالك إني دخلت الحفل من غير تصريح؟”

ولا كلمة.

“ومين خلاكي متأكدة إني لازم أطلع من هنا؟”

بدأت تتوتر.

لكن قبل ما تجاوب، جه صوت من وراها.

“أنا.”

القاعة كلها تقريبًا بصت ناحية الصوت.

كان رجل في أواخر الخمسينات، لابس بدلة رسمية، واقف بعيد شوية.

عرفته فورًا.

كان “فؤاد رشدي”، شقيق نادية.

والرجل اللي طول عمره بيتدخل في كل كبيرة وصغيرة تخص عيلتهم.

لكن وجوده هنا ما كانش منطقي.

قرب ناحيتي.

وقال:

“أنا اللي قلت لأختي إن فيه مشكلة في وضعك.”

سألته:

“إزاي؟”

ابتسم ابتسامة باردة.

“لأن عندي معلومات.”

قلت:

“عن إيه؟”

قال:

“عن شغلك.”

رديت:

“يبقى أكيد عندك معلومات غلط.”

ابتسامته اختفت.

واحد من الضباط اللي كان واقف قريب قال:

“حضرتك، الأفضل أي معلومات تتقدم من خلال الإجراءات الرسمية.”

فؤاد تجاهله.

وقال لي:

“إنتِ فاكرة إن رتبتك هتخليكي فوق كل حاجة؟”

قلت:

“لا.”

وبصيت له في عينه.

“لكن القانون مش بيتغير حسب مين واقف قدامه.”

سكت.

في اللحظة دي، كريم قرب منه.

“خالو… إنت عملت إيه؟”

فؤاد رد:

“أنا بحمي العيلة.”

كريم قال:

“من مين؟”

فؤاد أشار ناحيتي.

“منها.”

نادية بدأت تبص لأخوها.

واضح إنها نفسها بدأت تشك إن الموضوع خرج من إيديها.

قلت:

“لو عندك اتهام، قوله قدام الناس.”

فؤاد تردد.

ثم قال:

“أنتِ أخفيتي حاجات عن جوزك.”

رديت:

“دي حياتي الشخصية.”

قال:

“وفيه ملفات تخص خدمتك.”

هنا ابتسامتي اختفت.

“إنت دخلت في ملفات خدمتي؟”

قال:

“أنا ما دخلتش. أنا بس عرفت.”

بصيت للضابط الكبير.

“هل الكلام ده صحيح؟”

الضابط قال:

“أي معلومات تخص الملفات العسكرية الرسمية مش من اختصاصه.”

فؤاد بدأ يتراجع خطوة.

لكن في اللحظة دي، دخل ضابط آخر مسرعًا للقاعة.

قرب من الضابط الكبير وهمس في ودنه.

الضابط الكبير بص ناحيتي.

وقال:

“قائدة نجلاء… ممكن تيجي معايا دقيقة؟”

مشيت معاه ناحية الممر الجانبي.

أول ما خرجنا من القاعة، قال:

“الموضوع أكبر من اللي حصل جوه.”

سألته:

“إيه اللي حصل؟”

قال:

“المراجعة الأمنية اللي وصلت لك على تليفونك… اتوسعت.”

“بسبب إيه؟”

فتح جهازه اللوحي.

وقال:

“فيه شخص حاول الوصول إلى بيانات مرتبطة بخدمتك قبل الحفل بأيام.”

سألته:

“مين؟”

قال:

“لسه بنتأكد.”

ثم أضاف:

“لكن فيه حاجة غريبة.”

“إيه؟”

قلب الشاشة ناحيتي.

كان فيه سجل دخول.

وتاريخ.

وساعة.

ومعرف مستخدم.

وبمجرد ما شفت الاسم…

حسيت إن الأرض اتحركت تحت رجلي.

لأن الحساب اللي حاول يدخل على البيانات…

ما كانش باسم فؤاد.

ولا باسم نادية.

كان باسم شخص أنا أعرفه كويس جدًا.

كريم.

رجعت أبص للضابط.

“ده مستحيل.”

قال:

“إحنا لسه ما قلناش إنه هو اللي استخدم الحساب.”

سكت شوية.

وبعدين قال:

“لكن الحساب اتفتح من جهاز موجود في بيتكم.”

رجعت للقاعة.

كل العيون اتجهت ناحيتي.

كريم كان واقف جنب أمه.

ولما شاف وشي، عرف فورًا إن فيه حاجة حصلت.

قرب مني.

“نجلاء… إيه اللي حصل؟”

بصيت له طويلًا.

ثم قلت:

“عايزة أسألك سؤال واحد.”

“اتفضلي.”

“مين كان عنده مفتاح مكتبي الأسبوع اللي فات؟”

سكت.

وكانت الإجابة في عينيه قبل ما ينطق.

ثم قال:

“أمي.”

بصيت ناحية نادية.

لكنها كانت بتبص ناحية أخوها.

وفؤاد…

كان واقف بعيد، ماسك تليفونه.

ولأول مرة من بداية الليلة، ظهر على وشه خوف حقيقي.

في اللحظة دي، فهمت إن الحفلة ما كانتش الهدف.

الهدف الحقيقي كان الوصول لحاجة أنا مخبياها في مكان آمن.

وحاجة واحدة بس كانت مخوفاني…

إني كنت أعرف بالضبط إيه هي.

ملف قديم من أربع سنين.

ملف لو اتفتح…

مش هيكشف سر عني.

هيكشف سر عن عيلة كريم كلها.
رجعت أبص لنادية، وبعدها لفؤاد.

كل حاجة بدأت تركب في دماغي.

البلاغ.

محاولة الدخول على ملفاتي.

التوقيع المزور.

والأغرب من كل ده… إن المحاولة حصلت من جهاز موجود في بيتنا.

قلت بهدوء:

“أنا عايزة أشوف سجل الدخول كامل.”

الضابط بص لي لحظة، ثم قال:

“هتقدري تشوفي الجزء المسموح لك بالاطلاع عليه.”

فتح الجهاز مرة تانية.

ظهرت البيانات قدامي.

التاريخ.

الساعة.

رقم الجهاز.

ومكان الاتصال.

وبعدين ظهر شيء جعلني أسكت تمامًا.

المحاولة حصلت من جهاز كمبيوتر مكتبي في بيتنا.

الجهاز اللي أنا شخصيًا ما كنتش بستخدمه إلا نادرًا.

لكن كان فيه تفصيلة أهم.

المحاولة حصلت الساعة الثانية وسبع عشرة دقيقة صباحًا.

والليلة دي بالتحديد…

أنا كنت في مهمة خارج المدينة.

يعني أنا ما كنتش في البيت.

بصيت لكريم.

“إنت كنت في البيت الليلة دي؟”

قال:

“أيوه.”

“لوحدك؟”

سكت.

نظرت له.

“كريم؟”

قال:

“أمي كانت موجودة.”

نادية رفعت صوتها:

“أنا ما لمستش الكمبيوتر!”

فؤاد تدخل بسرعة:

“يمكن الجهاز اتفتح بالغلط.”

الضابط بص له.

“الجهاز اتفتح باستخدام حساب محمي.”

سكت فؤاد.

قلت:

“مين كان عنده كلمة المرور؟”

كريم قال:

“أنا.”

وبصيت لنادية.

قالت بسرعة:

“وأنا.”

ثم أضافت:

“ابني كان بيكتبها قدامي كتير.”

هنا بدأت أفهم.

حد كان بيحاول يدخل إلى ملفاتي.

مش عشان يعرف رتبتي.

ولا عشان يثبت إني ضابطة.

الهدف كان أكبر.

قلت للضابط:

“إيه الملف اللي حاولوا يوصلوا له؟”

سكت لحظة.

وبعدين قال:

“ملف المهمة البحرية اللي حصلت من أربع سنين.”

قلبي دق بسرعة.

الملف ده بالذات…

كان من الملفات اللي عمري ما اتكلمت عنها في البيت.

حتى كريم ما كانش يعرف تفاصيله.

قلت:

“ليه الملف ده؟”

رد:

“لأن فيه أسماء مرتبطة بتحقيق قديم.”

ثم نظر لي مباشرة.

“وأحد الأسماء الموجودة في التحقيق هو اسم شخص من عائلة زوجك.”

القاعة كلها اختفت من حواليا للحظة.

بصيت ناحية كريم.

هو نفسه كان مصدوم.

“مين؟”

الضابط قال:

“مش هقدر أقول هنا.”

فؤاد بدأ يتحرك ناحية الباب.

لكن ضابطين وقفوا في طريقه.

قال:

“حضرتك، لو سمحت.”

فؤاد اتوتر.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى