
لم يستوعب كريم ما حدث إلا بعد أن أصبح رجال الأمن داخل غرفة المعيشة.
تراجع خطوة إلى الخلف، بينما أسرعتُ نحو ابنتي.
كانت تمسك بمعصمها، وعيناها ممتلئتان بالدموع.
قلت لها:
— تعالي معي يا حبيبتي.
هزّت رأسها وهي تبكي.
— أمي… أنا آسفة. لم أكن أريد أن تعرفي.
احتضنتها بقوة.
— لا تعتذري عن شيء لم ترتكبيه.
أما كريم، فكان يقف في منتصف الغرفة مذهولًا.
صرخ:
— ماذا يحدث هنا؟! من أنتم؟!
تقدم محمود نحوه وقال بحزم:
— ابتعد عن السيدة وعن ابنتها.
ضحكت نوال بسخرية، وكأنها لم تدرك بعد حجم الورطة.
— ليلى، ما هذه المسرحية؟ هل جننتِ؟ نحن عائلة!
نظرت إليها بهدوء.
— العائلة لا تجعل ابنتي تنظف الأرض وهي تبكي، بينما تجلسون أنتم لتتناولوا طعامًا فاخرًا.
رد كريم بعصبية:
— أنتِ لا تفهمين شيئًا! كانت مجرد مساعدة في المنزل!
نظرت إليه طويلًا.
— وهل ركل دلو الماء في وجهها جزء من “المساعدة” أيضًا؟
صمت.
في تلك اللحظة وصل رجال الشرطة.
دخل أحد الضباط، وطلب من الجميع الابتعاد عن بعضهم.
أخرجت هاتفي وقلت:
— لدي تسجيل لما حدث قبل دخولنا.
ثم سلمته للضابط.
شغّل التسجيل.
لم يتجاوز دقيقة، لكنه كان كافيًا.
ظهر كريم وهو يصرخ في وجه ابنتي.
وظهر وهو يركل الدلو.
ثم ظهر وهو يمسك بمعصمها.
لم يحاول الضابط إخفاء تعبير وجهه.
قال:
— سنحتاج إلى أخذ إفادة السيدة.
أمسكت يد ابنتي.
— وأنا سأبقى معها.
في المقابل، كان كريم يحدق في هاتفه.
قال فجأة:
— انتظروا… قرار إنهاء خدمتي؟!
لم أجب.
استدار نحوي.
— أنتِ فعلتِ هذا!
قلت:
— لم أفعل سوى أنني أرسلت تسجيلًا إلى لجنة الأخلاقيات.
اقترب مني بغضب، لكن رجال الأمن وقفوا بيننا.
صرخ:
— أنتِ دمرتِ مستقبلي!
أجبته:
— لا يا كريم.
ثم نظرت إلى ابنتي.
— أنت من فعلت ذلك بنفسك.
لكن المفاجأة الحقيقية لم تكن قرار فصله من العمل.
بعد دقائق، اتصلت بي سارة.
قالت بصوت متوتر:
— ليلى، لدينا مشكلة.
ابتعدت قليلًا عن الجميع.
— ماذا حدث؟
قالت:
— أثناء مراجعة حسابات كريم، اكتشفنا تحويلات مالية جديدة.
— كم؟
ساد صمت قصير.
ثم قالت:
— أكثر من خمسة ملايين جنيه خلال العامين الماضيين.
تجمدت في مكاني.
— إلى أين ذهبت الأموال؟
أجابت:
— إلى شركة مسجلة باسم والدته.
نظرت إلى نوال.
كانت تقف في الطرف الآخر من الغرفة، وقد بدأت ملامحها تتغير.
لكن سارة لم تنتهِ.
قالت:
— وهناك شيء آخر.
— ماذا؟
— بعض المستندات تحمل توقيعك أنتِ.
شعرتُ ببرودة تسري في جسدي.
— توقيعي؟
— نعم. لكننا نعتقد أنه مزور.
نظرت إلى ابنتي.
ثم إلى كريم.
وفجأة فهمت أن ما رأيته الليلة لم يكن سوى جزء صغير من مؤامرة أكبر.
اقتربت من الضابط وقلت:
— أريد أن أقدم بلاغًا آخر.
سألني:
— ضد من؟
رفعت عيني نحو كريم ووالدته.
— ضد الاثنين… لكنني أريد أولًا أن أعرف أين ذهبت أموالي.
في تلك اللحظة، رن هاتف نوال.
نظرت إلى الشاشة.
ثم تغير وجهها تمامًا.
قالت بصوت منخفض:
— لا…
اقترب كريم منها.
— ماذا هناك؟
ناولته الهاتف.
قرأ الرسالة.
وبدا عليه الذهول.
كان هناك أمر قضائي عاجل بتجميد حسابات الشركة الوهمية.
لكن الرسالة تضمنت أيضًا اسمًا لم أكن أتوقع ظهوره أبدًا.
اسم شخص من داخل عائلتي.
رفعت رأسي ببطء.
— من الذي كان يساعدكم؟
لم يجب أحد.
لكن ابنتي نظرت إليّ بطريقة غريبة.
ثم قالت بصوت مرتجف:
— أمي… هناك شيء لم أخبرك به.
التفتُّ إليها.
— ماذا؟
مسحت دموعها وقالت:
— قبل زواجي من كريم بشهر واحد، رأيت أبي في منزل نوال.
توقفت أنفاسي.
فوالد ابنتي كان قد توفي منذ سبع سنوات.
فكيف يمكن أن يكون قد ظهر في منزل نوال قبل زواجها؟
وفي تلك اللحظة، أدركت أن السر الحقيقي لم يكن كريم ولا والدته…
بل شيء أخفي عني لسنوات طويلة.
يتبع…
حدقتُ في ابنتي وكأنني لم أفهم ما قالته.
— والدكِ؟ أنتِ متأكدة مما رأيتِ؟
أومأت برأسها.
— كنت متأكدة وقتها… لكنني خفت أن أخبركِ.
جلستُ على أقرب كرسي.
كان اسم زوجي الراحل حسام قد ظل لسنوات جزءًا من ذكريات مؤلمة، لكنني كنت متأكدة من شيء واحد:
حسام مات قبل سبع سنوات.
كيف يمكن لابنتي أن تكون قد رأته قبل زواجها من كريم؟
قلت:
— لماذا لم تخبريني؟
خفضت عينيها.
— لأن كريم قال لي إنني إذا تكلمت فسوف أسبب فضيحة للعائلة.
نظرت إليها بدهشة.
— ماذا قال لكِ بالضبط؟




