روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

الجزء الثاني ساد الصمت داخل القاعة كأن الزمن توقف. آدم كان واقف قدامي، مش قادر يستوعب اللي سمعه. بص للأطفال الأربعة مرة تانية. ثم بص لي. — «أولادي؟» قالها وكأنه مش فاهم معنى الكلمة. ابتسمت بهدوء. — «أيوه. أولادك.» مرّت ثواني طويلة قبل ما والدته تتدخل، وهي لسه واقفة عند مدخل القاعة. — «كاميليا… إنتِ بتقولي إيه؟»

 

لفيت لها.

— «بقول الحقيقة.»

صرخت:

— «إنتِ كنتِ حامل بطفل واحد!»

رفعت حاجبي.

— «مين قالك؟»

سكتت.

لأن الإجابة كانت واضحة.

آدم نفسه.

هو اللي قال لهم إني كنت بألف قصة الحمل.

هو اللي أقنع عيلته إني كنت بحاول أستغل اسمه وأجبره يرجع لي.

هو اللي اختفى قبل ما يعرف حتى الحقيقة.

قلت بهدوء:

— «أنا فعلًا كنت حامل.»

ثم نظرت للأطفال.

— «بس مش بطفل واحد.»

اقترب آدم خطوة.

— «كام؟»

نظرت في عينيه مباشرة.

— «أربعة.»

شهقت والدته.

والمرأة الواقفة بجانبه تراجعت خطوة وهي مش قادرة تتكلم.

أما آدم، فحط إيده على طرف الطاولة كأنه محتاج يسند نفسه.

— «أربعة؟»

— «أربعة.»

— «يعني…»

ابتسمت بمرارة.

— «يعني اليوم اللي قررت فيه تهرب، كنت شايل مسؤولية أربعة أرواح، مش روح واحدة.»

رفع آدم عينه ناحية نوح.

الطفل كان واقف جنبي، وباصص له بفضول.

ثم انتقلت عيناه إلى ياسين.

وبعدها صوفيا وليان.

كان واضح جدًا إن آدم بدأ يربط التفاصيل ببعضها.

نفس لون عينيه.

نفس ملامحه.

نفس الغمازات.

كل شيء كان بيصرخ بالحقيقة.

لكنه فجأة قال:

— «مستحيل.»

ضحكت ضحكة قصيرة.

— «إيه اللي مستحيل؟»

— «مستحيل يكونوا أولادي.»

الصالة كلها سكتت.

قربت منه خطوة.

— «كنت متوقعة إنك هتقول كده.»

مددت إيدي ناحية حقيبتي الصغيرة وأخرجت منها ملفًا أسود.

حطيته فوق الطاولة.

— «عشان كده جبت الدليل.»

آدم بص للملف.

ثم لي.

— «إيه ده؟»

— «حاجات كان المفروض تشوفها من تمن سنين.»

فتح الملف بإيد مرتعشة.

أول ورقة كانت صورة تقرير طبي.

ثم صورة أشعة.

ثم شهادة الميلاد.

ثم أربع شهادات ميلاد متجاورة.

أربعة أسماء.

أربعة أطفال.

لكن آدم ماكملش القراءة.

رفع عينيه فجأة.

— «ليه؟»

سؤاله كان غريب.

قلت:

— «ليه إيه؟»

— «ليه ماقلتيليش؟»

ضحكت.

المرة دي ضحكة مليانة وجع.

— «أنا؟»

أشرت له.

— «إنت غيرت رقمك.»

ثم أشرت إلى الورق.

— «إنت قدمت طلب طلاق.»

ثم أكملت:

— «إنت طلبت نقلك لمكان بعيد.»

— «وإنت اختفيت.»

صوتي كان هادي، لكن كل كلمة كانت بتوجعه أكتر.

— «أنا حاولت أوصلك.»

سكتُّ لحظة.

— «أكتر من مرة.»

آدم بلع ريقه.

— «أنا… ماعرفتش.»

— «لأ.»

بصيت له بثبات.

— «إنت ماكنتش عايز تعرف.»

الجملة وقعت عليه كأنها صفعة.

في اللحظة دي، تدخلت والدته.

— «آدم كان فاكر إنك بتحاولي تخدعيه!»

لفيت لها.

— «وأنا كان عندي دليل يثبت العكس.»

— «إنتِ بتتكلمي عن إيه؟»

أخرجت ورقة أخرى.

— «عن الرسالة اللي بعثتها له قبل ما يختفي.»

ناولتها له.

فتحها.

وكان واضح إنه بدأ يتذكر.

كانت رسالة قصيرة جدًا.

كنت بقول فيها إني عرفت إن الحمل مش طبيعي، وإن الدكتور طلب مني أعمل فحوصات عاجلة.

لكن الرسالة ماوصلتش له.

لأنها رجعت لي.

والسبب؟

رقمه اتغير.

عنوانه اتغير.

والبريد الرسمي اللي كنت بعته عليه تم رفضه.

بص آدم للورقة.

ثم لوالدته.

ثم لي.

— «مين كان عارف؟»

سؤاله كان موجّهًا لوالدته.

هي ارتبكت.

— «عارف إيه؟»

— «إنها كانت بتحاول توصل لي.»

سكتت.

هنا فهمت إن في حاجة أكبر من مجرد إهمال.

لكن قبل ما أسأل…

سمعنا صوت طفل.

نوح كان واقف قدام آدم.

وببراءة قال:

— «حضرتك زعلان عشان إحنا أولادك؟»

آدم اتجمد.

ثم نزل على ركبته قدامه.

بص لوشه.

لأول مرة، شفت عيني آدم بتلمع.

مد إيده ببطء.

لكن قبل ما يلمسه، نوح رجع خطوة.

— «ماما قالت لنا ما نروحش مع حد مانعرفوش.»

القاعة كلها سكتت.

أنا بصيت لآدم.

— «هو مايعرفكش.»

الكلمة وجعته.

لكنها كانت الحقيقة.

فجأة المرأة الشقراء تدخلت.

— «آدم… إحنا لازم نتكلم.»

بص لها.

— «مش دلوقتي.»

— «بس إنت كنت هتطلب إيدي قدام كل الناس.»

قالتها وهي بتبص لي.

فهمت فورًا.

هي كانت فاكرة إنني جايّة عشان أسترجع آدم.

ابتسمت لها.

— «اطمني. أنا مش جاية أخد حد.»

آدم بص لي.

— «كاميليا…»

قاطعته.

— «أنا مش هنا عشانك أصلًا.»

ثم التفتُّ للأطفال.

— «أنا هنا عشانهم.»

وقبل ما أتحرك، ظهر رجل مسن من وسط الأقارب.

كان واحدًا من كبار العائلة.

بص لي طويلًا، ثم قال:

— «إنتِ القائدة كاميليا الشاذلي؟»

أومأت.

— «أيوه.»

ابتسم ابتسامة غريبة.

— «إذن الأمور أخطر مما توقعت.»

آدم بص له.

— «إنت تعرفها؟»

الرجل ما ردش.

فضل باصص لي.

ثم قال:

— «إنتِ عارفة مين والد الأطفال الحقيقي في السجلات؟»

عبست.

— «آدم.»

هز رأسه.

— «ده اللي إنتِ فاكرة.»

تجمدت ملامحي.

آدم نفسه وقف.

— «يعني إيه؟»

الرجل أخذ نفسًا عميقًا.

— «يعني إن فيه سر اتدفن من تمن سنين… والسر ده له علاقة بعيلة الشاذلي كلها.»

في اللحظة دي، والدته صرخت:

— «كفاية!»

الجميع التفت لها.

لكن الرجل العجوز كمل:

— «الوقت انتهى يا نادية.»

وجهها تحول للون الشاحب.

أنا بصيت لها.

ثم للرجل.

ثم لآدم.

وفجأة فهمت إن دعوة آدم لي لم تكن مجرد محاولة لإذلالي.

حد كان عايزني أرجع لهذا البيت لسبب محدد.

والأسوأ…

إن أولادي الأربعة كانوا جزءًا من السر ده.

أخذت الملف من فوق الطاولة.

وقلت:

— «واضح إن عشا عيد الميلاد ده هيكون أطول مما توقعت.»

لكن قبل ما أتحرك، وصلني تنبيه عاجل على هاتفي الحكومي.

فتحت الرسالة.

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى