
لما مرات أخو جوزي وصفتني قدام سفرة العشا إني «ست عايشة على حساب غيرها ومبتعملش حاجة»، جوزي ما دافعش عني… بالعكس، قال بكل هدوء:
«يمكن الأفضل إننا نتطلق.»
بصيت له في عينه، ووافقت فورًا.
وبعدين حطيت نتيجة تحليل الحمل جنب طبقه، وقمت حطيت هدومي في شنطة واحدة بس.
لكن اللي محدش فيهم كان يعرفه وأنا خارجة من باب البيت… إني كنت أنا اللي بموّل حياتهم كلهم من ورا الكواليس بقالى سنين.
والأهم؟
إني كنت محتفظة بكل إيصال… وكل تحويل بنكي… وكل فاتورة.
—
«لو هتفضلي تتكلمي بالطريقة دي، يبقى يمكن فعلًا الأفضل إننا نتطلق.»
قالها محمود بنفس نبرته الباردة الهادية، كأنه بيتكلم عن زحمة الطريق أو حنفية المطبخ اللي بتسرب ميّه.
فضلت أبص له حوالي خمس ثواني.
ولا صوت في السفرة غير خبط الملاعق في الأطباق.
على يميني كانت حماتي فاطمة بتحرك الرز في طبقها بمنتهى الهدوء، كأنها فجأة فقدت القدرة على السمع.
وقدامي كانت أخته داليا منزلة عينيها، لكنها ما كانتش سريعة كفاية علشان تخبي الابتسامة الصغيرة اللي ظهرت على طرف شفايفها.
أما ابنها آدم، اللي عنده 12 سنة، فكان بيمد إيده عشان ياخد قطعة تانية من الفراخ بالصوص الحلو والحادق، الأكلة اللي كنت واقفة ساعتين في المطبخ بعملها من الصفر.
ولا واحد فيهم قال لمحمود إنه تجاوز حدوده.
ولا حتى واحد منهم اتفاجئ.
وفي اللحظة دي، آخر وهم كان عندي عن جوازي اللي بقاله سبع سنين انهار تمامًا.
فهمت إني مش قاعدة وسط عيلتي.
أنا قاعدة وسط ناس قرروا من زمان إني شخص ممكن الاستغناء عنه.
من سبع سنين، سيبت شغلي الناجح ومدينتي، وانتقلت للإسكندرية علشان محمود.
كنت مؤمنة إننا بنبني مستقبلنا سوا.
وفعلًا… في البداية كنا بنبنيه.
لحد ما جواز داليا انهار.
وبعدها بشهر خسرت شغلها.
في الأول قالت إنها محتاجة تقعد عندنا «أسبوعين بس لحد ما تقف على رجليها».
الأسبوعين بقوا شهور.
والشهور بقت سنين.
وببطء، تحولت داليا لاعتماد مالي كامل على محمود…
وعليّا أنا بشكل أكبر.
لكن طبعًا، داليا كان عندها رواية تانية تمامًا.
في روايتها، أخوها محمود كان الرجل المكافح اللي شايل العيلة كلها على كتفه.
أما أنا؟
فكنت مجرد زوجة قاعدة في البيت، عايشة مرتاحة على مرتبه.
—
الهجوم الحقيقي بدأ بسبب ثلاث علب كرتون كانوا متحطين جنب باب الشقة.
قبل حتى ما المقبلات تبرد، قالت داليا بسخرية:
«ثلاث شحنات كمان النهارده يا نادين؟ هو إنتِ بتشتري إيه كل ده؟ إنتِ أصلًا مبتروحيش شغل.»
إيدي اتحركت تلقائيًا ناحية بطني تحت السفرة.
طول اليوم كنت عايشة على فرحة صغيرة، هشة، وخايفة أفرح بيها زيادة.
العلب التلاتة كان فيهم فيتامينات للحمل، هدوم قطن واسعة، كتب عن التغذية في الشهور الأولى، وشاي بالزنجبيل نصحتني بيه الدكتورة.
لأني في الصبح…
كنت عرفت إني حامل.
شهرين كاملين.
بعد سنين من الانتظار، والتحاليل السلبية، والدموع اللي كنت بمسحها لوحدي.
كنت ناوية أقول لمحمود الخبر بعد العشا.
وقضيت اليوم كله تقريبًا وأنا بحاول أقاوم الغثيان وأقف فوق البوتاجاز علشان أعمل له أكتر أكلة بيحبها.
لكن داليا قررت تكمل.
«إنتِ عايشة في بيت أخويا، وبتاكلي من الأكل اللي هو بيجيبه، وأقل حاجة تعمليها إنك تبطلي تستنزفي حسابه في حاجات مالهاش لازمة.»
ساعتها حسيت بحاجة جوايا كانت ساكتة بقالها سنين…
واتكسرت.
بهدوء، قلت:
«كل جنيه دفعته النهارده… كان من فلوسي.»
السفرة كلها سكتت.
داليا بصتلي كأني ضربتها بالقلم.
حماتي حطت الشوكة على الطبق بصوت حاد وقالت:
«نادين، بلاش الكلام ده. الجواز مش مسابقة مين فلوسه أكتر. دي فلوسي ودي فلوسه. إحنا عيلة واحدة.»
لفيت وشي ناحية محمود.
هو كان عارف الحقيقة.
كان عارف حجم مدخراتي.
كان عارف الفلوس اللي دخلت بيها الجواز.
كان عارف مين اللي بيدفع ضرائب البيت، وفواتير الكهرباء والميّه، ومين اللي كان بيتكفل بالمصاريف اللي بتزيد كل شهر.
كان عارف إن لما آدم كان محتاج مدرس خصوصي…
داليا كانت بتكلم مكتبي أنا.
ولما احتاج هدوم شتوية جديدة…
كانت برضه بتطلب مني.
حتى مصاريف المدرسة الخاصة والتأمين الصحي كانت بتتدفع من حسابي.
وكان عارف إن أمه نفسها استلمت تحويلات مالية مني أكتر من مرة، من غير ما حد يعرف.
أنا ما كنتش مستنية منه محاضرة.
كنت مستنية جملة واحدة بس.
خمس كلمات.
كلمة توقف أخته عند حدها.
لكنه رجع بضهره على الكرسي، وبصلي كأني أنا المشكلة.
وقال:
«يمكن فعلًا نتطلق.»
في اللحظة دي…
بطلت أستنى.
قلت:
«ماشي.»
محمود رمش باستغراب.
داليا ابتسامتها اختفت.
قال محمود:
«ماشي؟ دي كل حاجة عندك؟»
قلت بهدوء:
«لو الطلاق هو اللي إنت عايزه يا محمود، أنا مش هقف في طريقك.»
طلعت موبايلي من جيبي.
فتحته.




