روايات وقصص

القصة كاملة

كانت الشاشة مفتوحة على سجل مشترياتي الأخيرة، ومعاه تأكيد من عيادة الدكتورة.

فيتامينات الحمل.

كتب متابعة الحمل.

مستلزمات الشهور الأولى.

محمود بص للشاشة.

مرر صباعه مرة.

وبعدين وقف فجأة.

قلت:

«أنا حامل في الشهر التاني.»

كوباية العصير في إيد حماتي وقفت في نص الطريق.

آدم بص ناحية خاله وبعدين لأمه، حاسس إن الجو اتغير فجأة.

لكن داليا كانت أول واحدة تستعيد تماسكها.

قالت بعصبية:

«آه طبعًا! يا سلام! إيه التوقيت المناسب ده؟ إنتِ اخترعتي الحكاية دي دلوقتي علشان محمود قال طلاق!»

محمود لف لها بسرعة:

«داليا… كفاية.»

لكن حتى وهو شايف نتيجة التحليل قدامه…

ما مدش إيده ليّا.

ما سألنيش من إمتى وأنا عارفة.

ما سألنيش إذا كنت كويسة.

حماتي مسحت حلقها وقالت:

«لو فعلًا في حمل، فدي نعمة طبعًا يا نادين. لكن الطفل مينفعش يكون وسيلة علشان تربطي راجل بجوازة هو مش سعيد فيها.»

ضحكت ضحكة قصيرة، من غير أي فرحة.

ولا واحد فيهم سألني:

«إنتِ كويسة؟»

ولا واحد قال:

«الحمل أخباره إيه؟»

أنا كنت واقفة ساعتين قدام البوتاجاز، وأنا حاسة بالغثيان، علشان أحتفل معاهم بأجمل خبر في حياتي.

وفي أقل من دقيقة…

حوّلوا طفلي من حلم إلى ورقة ضغط.

قلت:

«اطمني يا حماتي. أنا مش هربط حد بحاجة.»

وقفت من على الكرسي.

وبصيت لمحمود مباشرة.

«إنت طلبت الطلاق قدام أهلك… وأنا وافقت.»

داليا عقدت دراعاتها وقالت باستهزاء:

«وإنتِ فاكرة هتروحي فين دلوقتي؟ هترجعي لأهلك تعيطي؟»

بصيت لها من غير ما أرمش.

«أيوه… فعلًا.»

عدم وجود دموع في صوتي كان أخوف بالنسبة لها من أي خناقة.

دخلت أوضة النوم.

فتحت الدولاب.

طلعت شنطة سفر واحدة.

وبهدوء بدأت أحط فيها هدومي لأسبوع، جواز سفري، شهادة ميلادي، ملف متابعة الحمل، وجراب جلدي مقفول كنت محتفظة فيه بأوراقي المالية وبعض المجوهرات العائلية.

كان شيء مضحك بشكل مؤلم…

سبع سنين جواز كاملين قدروا يدخلوا في شنطة واحدة.

بعد حوالي عشر دقايق، خرجت للطرقة.

محمود كان قاعد على الكنبة الجلد، بيبص للتليفزيون من غير ما يتفرج.

حماتي كانت بتكمل كوباية العصير.

وداليا؟

كانت قاعدة على السفرة بتحط بواقي الفراخ اللي أنا طبختها في علبة بلاستيك علشان تاخدها معاها.

ولا واحد فيهم قام يمنعني.

حطيت إيدي على كالون الباب.

وقبل ما أخرج، بصيت لداليا.

وقلت:

«قريب جدًا… هتندمي على اللي حصل النهارده.»

ابتسمت ابتسامة مستفزة وقالت:

«هندم على إيه يا نادين؟ على إن الست اللي عايشة على مرتب أخويا خرجت من بيته؟»

ما رديتش.

لأني كنت عارفة إن الحقيقة…

هترد عليها أحسن مني.

—

نزلت الشارع.

ركبت عربية أجرة واتجهت لمحطة القطار.

اشتريت آخر تذكرة في القطار اللي خارج آخر الليل ناحية مدينة أهلي في المنوفية.

وأنا ببص من شباك القطار والأنوار بتعدي بسرعة، طلعت موبايلي وبعت لمحمود رسالة:

أنا:
«خلي محاميك يجهز أوراق الطلاق. ومن دلوقتي أي تواصل يكون معايا أو مع المحامي.»

الرد وصل بعد أقل من عشرين ثانية:

محمود:
«تمام.»

فضلت أبص للكلمة دي شوية.

وبعدين كتبت رسالة تانية:

أنا:
«بالمناسبة، قسط مدرسة آدم الخاص للفصل الدراسي الجديد مستحق يوم الجمعة. المبلغ 75 ألف جنيه.»

عدت دقيقة.

ظهرت علامة إنه بيكتب…

اختفت.

رجعت ظهرت تاني.

وقبل ما يرد، بعت:

أنا:
«أنا اللي كنت بدفع القسط ده من حسابي الخاص بقالى تلات سنين علشان داليا متتحرجش.»

وبعدين كتبت:

أنا:
«بما إني مجرد واحدة عايشة على حسابكم… من دلوقتي إنتوا اتصرفوا.»

بعدها بثلاث دقايق، موبايلي اهتز في إيدي.

محمود:
«يعني إيه إنتِ اللي كنتِ بتدفعي؟»

ما رديتش.

قفلت الإشعارات وحطيت الموبايل في جيب الجاكيت.

ولأول مرة من سبع سنين…

جوزي بدأ يسأل نفسه:

الفلوس اللي عايشين بيها طول السنين دي… كانت بتيجي منين أصلًا؟

لكن محمود كان متأخر…

سبع سنين كاملة.

واللي ما كانش يعرفه لسه…

إن قسط المدرسة كان مجرد فاتورة صغيرة جدًا في قائمة طويلة.

قائمة كنت محتفظة بيها كاملة.

والأسماء فيها…

اسم أمه.

اسم أخته.

اسم ابنه.

وحتى اسمه هو.

وكان عندي إثبات لكل جنيه دفعته.

لكن المفاجأة الحقيقية كانت في آخر مستند احتفظت بيه…

مستند لو ظهر قدامهم، مش بس هيغيّر نظرتهم ليا…

ده ممكن يغيّر حياتهم كلها.

التكملة في الجزء الأخير 👇👇👇
وصلت بيت أهلي بعد منتصف الليل بقليل.

أول ما أمي فتحت الباب وشافتني واقفة قدامها بشنطة واحدة، وشّي كان كفاية يخليها تعرف إن في حاجة كبيرة حصلت.

بصت ورايا، وبعدين بصت للشنطة.

وقالت بصوت مخنوق:

«محمود حصل له حاجة؟»

هزيت راسي.

«لأ يا أمي… هو طلب الطلاق.»

اتسمرت مكانها.

«طلب إيه؟»

دخلت البيت وقعدت على أقرب كرسي.

حطيت إيدي على بطني، وقلت:

«وأنا وافقت.»

أمي كانت لسه بتحاول تستوعب، لحد ما قلت:

«وأنا حامل.»

الدموع نزلت من عينيها فورًا.

حضنتني جامد، وفضلت تقول:

«الحمد لله… الحمد لله إن ربنا عوضك.»

لكن بعدها سألتني:

«طب إيه اللي حصل؟»

بصيت لها وقلت:

«أخت محمود أهانتني قدامهم، وهو اختار يقف معاها… وبعدها طلب الطلاق.»

أمي سكتت لحظة.

وبعدين قالت:

«وإنتِ خرجتي من البيت بإيه؟»

بصيت للشنطة.

«باللي يخصني بس.»

ابتسمت ابتسامة صغيرة.

«والحاجات التانية؟»

هزيت راسي.

«سيبتها.»

ما سألتنيش عن فلوس.

ولا عن دهب.

ولا عن أثاث.

لأن أمي كانت عارفة حاجة محمود وعيلته ما يعرفوهاش.

قبل ما أتجوز، كنت شغالة في شركة استثمار كبيرة.

سنين من الشغل والاجتهاد خلت عندي مدخرات واستثمارات محترمة جدًا.

ولما اتجوزت محمود، ما دخلتش الجواز بإيد فاضية.

كان عندي حسابات خاصة باسمي.

وكان عندي استثمارات ما اتكلمتش عنها كتير.

وفي أول سنتين من الجواز، محمود كان فاكر إن مرتبه هو اللي شايل البيت.

لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.

أنا كنت بتصرف من فلوسي من غير ما أتكلم.

كنت بقول لنفسي:

«إحنا زوجين… مفيش حاجة اسمها فلوسي وفلوسك.»

لكنهم هم اللي حولوا الجواز إلى حساب مفتوح يسحبوا منه من غير ما يسألوا.

—

في الصبح، صحيت على أكتر من عشرين مكالمة فائتة.

كلها من محمود.

ما رديتش.

بعدها وصلت رسالة.

محمود:

«نادين، محتاج نتكلم.»

قفلت الموبايل.

بعد أقل من ساعة، وصلت رسالة تانية:

«إنتِ فعلًا كنتِ بتدفعي مصاريف مدرسة آدم؟»

ما رديتش.

ثم رسالة ثالثة:

«وداليا قالت إنك كنتِ بتحولي فلوس لماما؟»

فضلت ساكتة.

وبعدها جاءت الرسالة التي جعلتني أبتسم لأول مرة منذ خروجي من البيت:

«ممكن أعرف كنتِ بتدفعي كام بالظبط؟»

فتحت الموبايل.

وكتبت:

«لما محاميك يبعث أوراق الطلاق، محاميّي هيبعت له كشف الحساب.»

ما كملتش دقيقة…

إلا والموبايل رن.

محمود.

سيبته يرن.

رن تاني.

وثالث مرة.

وبعدين اتصل رقم غريب.

المحامي.

رديت.

قال:

«مدام نادين، أنا محامي الأستاذ محمود. هو طلب مني أتواصل معاكي بخصوص إجراءات الطلاق.»

قلت:

«تمام.»

سأل:

«هل حضرتك موافقة بشكل نهائي؟»

قلت:

«هو اللي طلب الطلاق. وأنا وافقت.»

سكت ثواني.

وبعدين قال:

«في نقطة تانية… الأستاذ محمود بيقول إن بعض الممتلكات الموجودة في البيت مشتركة بينكم.»

ابتسمت.

«خليه يحدد الممتلكات اللي بيتكلم عنها.»

قال:

«الأثاث، السيارة، وبعض الحسابات…»

قاطعته بهدوء:

«السيارة باسمي.»

سكت.

«الأثاث اشتريته أنا قبل الجواز.»

سكت أكتر.

«والحسابات اللي بتتكلم عنها… حساباتي الشخصية.»

سمعت نفسًا طويلًا على الطرف الآخر.

ثم قال:

«واضح إن الموضوع محتاج مراجعة دقيقة.»

قلت:

«وأنا موافقة.»

وقبل ما أقفل، قلت:

«بلّغ محمود إن عندي مستندات أكتر مما يتوقع.»

—

بعد ساعتين، داليا اتصلت.

المرة دي رديت.

أول ما سمعت صوتها قالت:

«إنتِ عملتي إيه في محمود؟»

ضحكت.

«أنا؟»

قالت بعصبية:

«من امبارح وهو مش طبيعي! بيسأل عن المدرسة، وعن الفلوس، وعن حسابات ماما!»

قلت:

«يمكن بدأ يسأل الأسئلة الصح.»

صرخت:

«إنتِ بتلعبي بالنار!»

رديت بهدوء:

«لأ يا داليا. أنا طول عمري كنت بطفي النار اللي أنتم بتولعوها.»

سكتت.

قلت:

«فاكرة لما طلبتي مني أدفع مصاريف آدم أول مرة؟»

قالت:

«كنتِ بتساعدينا.»

«فاكرة لما طلبتي مني أجيب له مدرس؟»

«إنتِ كنتِ مرتاحة.»

«فاكرة لما ماما محمود احتاجت عملية؟»

سكتت.

قلت:

«أنا دفعت.»

ما ردتش.

«فاكرة الإيجار اللي دفعته لكم لما كنتِ منفصلة عن جوزك؟»

صمت.

«فاكرة الأقساط اللي كنتِ بتقولي لمحمود إنها اتدفعت من مكافآته؟»

قالت بصوت منخفض:

«إنتِ عايزة إيه؟»

قلت:

«ولا حاجة.»

وبعدين أضفت:

«أنا بس عايزاكم تتحملوا حياتكم من غيري.»

وقلت لها:

«وأهو عندكم محمود… الرجل اللي شايل العيلة كلها على كتفه، زي ما كنتِ بتحكي.»

وقفلنا.

—

لكن اللي حصل بعد المكالمة دي كان أغرب.

الساعة كانت حوالي أربعة العصر لما أمي دخلت عليا وهي ماسكة ظرف بني قديم.

قالت:

«ده كان عندك في الدولاب من قبل الجواز. لقيته وأنا بنقل حاجاتك.»

فتحت الظرف.

كان فيه مجموعة أوراق قديمة.

عقود.

إيصالات.

شهادات استثمار.

وأهم ورقة بينهم كانت عقد ملكية.

قرأت الاسم.

وتجمدت.

الورقة كانت تخص عقارًا تجاريًا في القاهرة.

العقار اللي كنت اشتريته قبل زواجي بسنة.

وقت الشراء، قيمته كانت متواضعة نسبيًا.

لكن بعد سبع سنين، المنطقة اتغيرت بالكامل.

وقيمة العقار ارتفعت بشكل ضخم.

كنت ناسية الورقة أصلًا.

لكن في أسفل العقد كان فيه بند مهم جدًا.

الملكية باسمي وحدي.

ولا محمود كان شريكًا فيها.

ولا كان يعرف قيمتها الحالية.

مسكت الورقة وبصيت لأمي.

قالت:

«إنتِ كنتِ ناوية تقولي له؟»

قلت:

«كنت ناوية.»

سألتني:

«وليه ما قلتيش؟»

ابتسمت بحزن.

«لأني كنت فاكرة إن جوزي هيحبني حتى لو معايا فلوس أو من غير فلوس.»

أمي حضنتني.

وقالت:

«دلوقتي عرفتي الحقيقة.»

—

في نفس الليلة، وصلني إيميل من البنك.

كنت فاكرة إنه كشف حساب عادي.

لكن الرسالة كانت من قسم المراجعة القانونية.

“نحتاج إلى التواصل معك بصورة عاجلة بخصوص بعض التحويلات المالية المرتبطة بحسابك.”

فتحت المرفق.

وكانت المفاجأة.

فيه تحويلات شهرية خرجت من حسابي على مدار سنوات.

لكن بعضها لم أقم به بنفسي.

أسماء المستفيدين كانت معروفة.

داليا.

حماتي.

وحساب مشترك باسم محمود.

حدقت في الشاشة.

أنا كنت عارفة إني بدفع لهم.

لكن التحويلات دي…

ما كانتش كلها من أوامري.

كان فيه تحويلات اتعملت من خلال صلاحية مرتبطة بحسابي.

صلاحية أنا كنت أديتها لمحمود في بداية الجواز علشان يدير بعض الفواتير.

وقتها كنت بثق فيه ثقة عمياء.

دلوقتي…

بدأت أفهم إن الثقة اللي اديتها له ممكن تكون اتستخدمت ضدي.

اتصلت بالبنك فورًا.

قال لي الموظف:

«مدام نادين، محتاجين حضرتك تحضري بنفسك ومعاكي بطاقتك. في معاملات لازم تتراجع قانونيًا.»

قفلت المكالمة.

وبصيت لأمي.

قلت:

«ماما… محمود ما كانش بس عارف إني بدفع.»

«أظن إنه كان بيسحب أكتر مما كنت أعرف.»

—

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى