منوعات

الجزء الاخير بقلم محمد عبده

الجزء الخامس والأخير: الحقيقة اللي أنهت كل حاجة

أبويا طلب من السائق يغير اتجاه العربية ويروح مباشرة لمقر الشركة.

كنت حاسة إن فيه حاجة كبيرة بتحصل، وإن أدهم مش مجرد راجل خايف يخسر شغله، لكنه بيحاول يخفي سر ممكن يغير مصير عيلتنا كلها.

بعد حوالي عشرين دقيقة وصلنا.

كان المستشار سامح واقف قدام المبنى، ومعاه اتنين من مسؤولي الأمن.

أول ما شاف أبويا قال:

«الحمد لله إن حضرتك وصلت. إحنا راجعنا تسجيلات الكاميرات، وأدهم دخل المبنى باستخدام بطاقة قديمة، وطلب يدخل مكتب الإدارة.»

أبويا سأله:

«هل خرج بحاجة من الخزنة؟»

رد سامح:

«الخزنة الرئيسية سليمة، لكن فيه ملف كان موجود على المكتب واختفى.»

دخلنا المكتب، وبدأ المستشار يراجع الأوراق الموجودة.

وبعد دقائق، طلع نسخة من مستند وقال:

«أنا كنت محتفظ بصورة إلكترونية من الملف قبل الواقعة.»

أبويا أخد الورقة وبدأ يقرأ، وفجأة قال:

«كنت متوقع حاجة زي دي.»

سألته بقلق:

«إيه اللي مكتوب يا بابا؟»

ناولني الورقة.

كانت عبارة عن اتفاق قديم بين جدي رحمه الله وبين والدي، بخصوص مجموعة من الأراضي والعقارات التابعة للعائلة.

والأهم إن الاتفاق كان بيؤكد إن جزءًا من الملكية مخصص ليا ولأولادي، وإن الحقوق دي لا يجوز نقلها أو التنازل عنها من غير موافقتي الرسمية.

لكن فيه ملحق تاني كان موجود مع الاتفاق، وده اللي أدهم كان بيحاول يخفيه.

الملحق كان بيوضح إن فيه مراجعة قانونية لازم تحصل لو ظهرت أي محاولة للتلاعب في الملكية أو استخدام التوكيلات من غير إذن أصحاب الحقوق.

بصيت لأبويا وقلت:

«يعني أدهم كان عارف إن ليّا حقوق في الشركة والعقارات من قبل ما يتجوزني؟»

أبويا رد بهدوء:

«أيوه يا بنتي، وده اللي خلانا نقلق من تصرفاته الأخيرة. لكن لازم نثبت كل حاجة بالأوراق، مش بالتخمين.»

في اللحظة دي، وصل اتصال للمستشار سامح.

رد، وبعدها طلب مننا نسمع تسجيلًا صوتيًا محفوظًا ضمن المراسلات الرسمية للشركة.

كان صوت أدهم واضحًا وهو بيتكلم مع أحد الموظفين:

«أنا محتاج أخلص موضوع نقل الملكية بسرعة، قبل ما نور تعرف التفاصيل. لو عرفت، الموضوع كله هيتعقد.»

حسيت بوجع شديد في قلبي.

مش بس لأنه خانني، لكن لأنه كان بيخطط من ورايا وأنا كنت لسه بحاول أحافظ على بيتنا.

أبويا قفل التسجيل وقال:

«كفاية كده. كل حاجة هتتحول للجهات المختصة، ومحدش هياخد حق حد.»

وبالفعل، بدأت الإجراءات القانونية، واتعملت مراجعة شاملة لكل المعاملات المالية والإدارية.

أما أدهم، فتم إيقافه مؤقتًا عن بعض مهامه لحين انتهاء التحقيقات، واتطلب منه تقديم توضيحات رسمية عن التحويلات والمستندات محل المراجعة.

بعد يومين، أدهم اتصل بيا.

المرة دي مكنش بيتكلم بغرور، ولا بيأمرني أرجع.

كان صوته ضعيف جدًا.

قال:

«نور، أنا محتاج أشوفك.»

رديت:

«لو بخصوص البنات، اتكلم مع المحامي وحدد ميعاد مناسب.»

قال بسرعة:

«لا، أنا عايز أتكلم معاكي إنتِ. أنا عارف إني غلطت، بس صدقيني الموضوع خرج من إيدي.»

سألته:

«إيه اللي خرج من إيدك يا أدهم؟ خيانتك؟ ولا محاولاتك للسيطرة على حقوقي؟»

سكت شوية، وبعدها قال:

«أنا كنت فاكر إنك مش هتعرفي تدافعي عن نفسك، وإنك هتفضلي محتاجاني.»

ضحكت بحزن وقلت:

«وده كان أكبر غلط ارتكبته. إنت عمرك ما فهمتني، ولا حاولت تعرف أنا مين.»

قال:

«طب عشان خاطر البنات، اديني فرصة.»

رديت:

«البنات محتاجين أب يحترمهم ويحترم أمهم، مش أب فاكر إن وجوده في حياتهم معناه إنه يقدر يهين أمهم ويعمل اللي هو عايزه.»

وقبل ما أقفل، سمعته بيقول:

«أنا خسرت كل حاجة يا نور.»

قلت له:

«إنت خسرت ثقتي، ودي حاجة أغلى من أي فلوس أو ممتلكات.»

وقفلت المكالمة.

مرت شهور، وخلال الفترة دي ركزت على تربية بناتي، وبدأت أتعلم أكتر عن إدارة الأعمال والاستثمارات العائلية.

أبويا عرض عليا أشارك في إدارة جزء من المجموعة، لكن المرة دي وافقت بشروط واضحة.

مكنتش عايزة أعيش على اسم عيلتي، ولا أكون مجرد واحدة ورثت فلوس.

كنت عايزة أبني لنفسي مكانة حقيقية.

وبالفعل، بدأت أشتغل مع فريق متخصص، وشاركت في تطوير بعض الخدمات التابعة للمجموعة.

أما التحقيقات، فكشفت وجود مخالفات مالية وإدارية تستدعي المساءلة، وتم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، واسترداد بعض المبالغ بعد مراجعة المستندات.

وبالنسبة لعلاقتي بأدهم، فرفعت دعوى طلاق، واتحددت حقوقي وحقوق البنات من خلال الإجراءات القانونية.

أما البنت اللي كانت معاه، فقدمت الرسائل والمستندات اللي عندها، وبقى كل طرف مسؤول عن أقواله وتصرفاته أمام الجهات المختصة.

بعد سنة تقريبًا، كنت في حفل افتتاح مشروع جديد تابع للمجموعة.

كنت واقفة على المنصة، وبناتي قاعدين في الصف الأول جنب أبويا.

بعد انتهاء الحفل، قرب مني أبويا وقال:

«عارفة يا نور، أنا فخور بيكي ليه؟»

ابتسمت وقلت:

«عشان المشروع نجح؟»

ضحك وقال:

«لأ، عشان يوم ما اتكسرتي، قررتي تقفي على رجلك بدل ما تفضلي مستنية حد ينقذك.»

حضنته وقلت:

«إنت كنت ضهري يا بابا، لكن إنت علمتني إن لازم يكون ليا ضهر من نفسي كمان.»

في اللحظة دي، شوفت أدهم واقف بعيد عند مدخل القاعة.

كان جاي ضمن مجموعة من المدعوين، ولما عيني جت في عينه، قرب بخطوات مترددة.

بص لبناته، وبعدها بص لي وقال:

«نور، إنتِ اتغيرتي جدًا.»

ابتسمت وقلت:

«أنا مكنتش محتاجة أتغير، أنا بس بطلت أسمح لحد يقلل مني.»

بص للبنات وقال:

«ممكن أسلم عليهم؟»

قلت له:

«طبعًا، دول بناتك، ومن حقهم يكون ليهم علاقة بيك في إطار يحافظ على استقرارهم وراحتهم.»

قعد معاهم شوية، وكان واضح إنه حاسس بحجم الوقت اللي ضيعه.

أما أنا، فكنت واقفة بتتفرج عليهم من بعيد، من غير غضب ولا رغبة في الانتقام.

كنت أخيرًا وصلت لمرحلة إن الماضي مبقاش قادر يتحكم في مستقبلي.

وقبل ما أمشي، أدهم قرب مني وقال:

«أنا آسف يا نور. كنت فاكر إن الفلوس والنفوذ هما اللي بيحددوا قيمة الإنسان.»

بصيت له وقلت:

«قيمة الإنسان بتظهر في معاملته للي بيحبوه، مش في رصيده البنكي ولا منصبه.»

ومشيت وأنا ماسكة إيد بنت من بناتي، وبنتي التانية في حضن أبويا.

وفي النهاية فهمت درس مهم جدًا:

مش كل إنسان ساكت يبقى ضعيف، ومش كل إنسان مبيظهرش ثروته يبقى معندوش حاجة.

أحيانًا الإنسان بيكون عنده من القوة والكرامة ما يكفي إنه يبدأ حياته من جديد، حتى لو اضطر يخسر ناس كان فاكر إنهم عمره كله.

أما أدهم، ففضل طول عمره فاكر إن مراته ملهاش غير سبعة وتلاتين جنيه في البنك…

ومعرفش إن أغلى حاجة كانت في إيده، وضيعها بإرادته.

النهاية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى