
### الجزء الرابع: الصورة اللي كشفت أول خيط في الحقيقة
كريم فضل ماسك الصورة القديمة، وعينيه مش قادرة تفارق الشخص اللي واقف جنب سلمى.
كان الدكتور ياسين الشافعي، أخوه الأكبر، اللي سافر من مصر من ست سنين، وبعدها انقطعت أخباره عن العيلة لفترة طويلة.
رفع كريم عينيه ناحية خالتي نادية، وقال بصوت متوتر:
«إيه اللي جاب ياسين جنب سلمى؟ وإمتى الصورة دي اتصورت؟»
نادية قعدت على الكرسي المقابل، وحطت الشنطة على رجليها.
«الصورة دي اتصورت قبل طلاقكم بشهرين. وقتها سلمى كانت بتحاول توصل لحقيقة مهمة، وياسين كان الشخص الوحيد اللي وافق يساعدها».
كريم بص لأمه.
«إنتِ كنتِ عارفة إن ياسين قابل سلمى؟»
مدام فريدة سكتت، لكن صمتها كان كفاية.
كريم ضرب الصورة على الترابيزة وقال:
«أنا عايز أفهم! إيه اللي حصل في بيتي من ورايا؟»
نادية فتحت الشنطة وأخرجت مجموعة أوراق قديمة، بينها خطاب بخط ياسين.
قالت:
«قبل ما تتهم أي حد، اقرأ الكلام ده. لأن اللي حصل من ست سنين كان أكبر من مجرد خلاف بين زوج وزوجته».
كريم فتح الخطاب وبدأ يقرأ.
كان مكتوبًا فيه إن ياسين اكتشف وقتها إن بعض الأوراق المالية الخاصة بشركة العيلة فيها تحويلات مش مفهومة، وإن فيه مستندات اتوقّع عليها باسم كريم من غير ما يكون على علم بتفاصيلها.
وسلمى، بحكم شغلها في التصميم وإدارتها لبعض الملفات الإدارية للشركة في الفترة دي، لاحظت اختلافات في المستندات.
ولما حاولت تبلغ كريم، اتقال لها إنها بتتدخل في أمور مش من اختصاصها.
وبعدها بدأت المشاكل بينها وبين حماتها تزيد، لحد ما وصلت للانفصال.
كريم رفع رأسه ببطء.
«يعني سلمى ما سابتنيش بسبب الفلوس؟»
نادية ردت:
«سلمى سابتك لأنها فقدت الثقة فيك. كل ما كانت تحاول تشرح لك اللي بيحصل، كنت بتصدق كلام أمك قبل ما تسمع منها للآخر».
كريم حس إن الكلمات دي بتضغط على صدره.
افتكر مواقف قديمة كان فيها بيحكم على سلمى من غير ما يسمعها، ويفترض إنها بتبالغ، وإنها مش قادرة تتعامل مع مستوى الحياة اللي هو عايشه.
لكن السؤال الأهم كان لسه موجودًا.
بص لنادية وقال:
«والبنات؟ إيه علاقة كل ده بالبنات؟»
نادية أخدت نفسًا عميقًا.
«بعد انفصالكم، سلمى اكتشفت إنها حامل. وكانت ناوية تتواصل معاك، لكن حصل موقف خلاها تتراجع».
«إيه الموقف؟»
«أمك اتواصلت معاها، وقالت لها إنك مش عايز أي علاقة بيها، وإنك مش مستعد تتحمل مسؤولية أي طفل ممكن يكون منها».
كريم وقف فجأة.
«ده كدب! أنا ماقلتش الكلام ده أبدًا!»
نادية بصت له بحزن.
«يمكن إنت ماقلتوش، لكن سلمى صدقته. خصوصًا إنها كانت وقتها لوحدها، ومجروحة من كل اللي حصل».
مدام فريدة بدأت تبكي.
لكن كريم ماكانش مستعد يسامحها لمجرد إنها بتعيط.
سألها:
«إنتِ فعلًا قلتي لها كده؟»
ردت بصوت ضعيف:
«كنت فاكرة إني بحميك من مشاكل أكتر».
«من بناتي يا أمي؟ كنتِ بتحميني من بناتي؟!»
ماقدرتش ترد.
في اللحظة دي، كريم فهم إن السنين اللي فاتت ماكانتش مجرد سنوات ضاعت بعد الطلاق، لكنها سنوات كاملة عاش فيها بعيد عن بناته من غير ما يعرف حتى إنهم موجودين.
ومع ذلك، كان لسه فيه سؤال واحد أهم من كل الأسئلة.
هل البنات فعلًا بناته؟
نادية أخرجت ورقة تانية من الشنطة.
وقالت:
«سلمى عمرها ما حاولت تستخدم البنات علشان ترجع لك، ولا طلبت منك فلوس. لكنها احتفظت بكل الأوراق اللي تثبت الحقيقة».
كريم مسك الورقة، وكانت شهادة طبية قديمة تخص فترة حمل سلمى.
وفي أسفلها، كان فيه تاريخ واضح.
التاريخ أكد إن الحمل بدأ قبل الانفصال النهائي بينهما، مش بعده.
كريم قعد على الكرسي، وحط إيده على رأسه.
همس:
«يا رب… أنا ضيعت ست سنين من عمر بناتي».
لكن نادية ردت بحزم:
«لسه ما تعرفش كل حاجة يا كريم. الاعتراف بالغلط خطوة، لكن إصلاحه محتاج أكتر من الندم».
وبعدين أخرجت من الشنطة ظرفًا صغيرًا مغلقًا.
«وده آخر شيء سلمى طلبت مني أحتفظ بيه. قالت لي ما أسلّموش لأي حد إلا لو جه يوم وقررت فيه تعرف الحقيقة كاملة».
كريم مد إيده ناحية الظرف.
لكن نادية سحبته قبل ما يلمسه.
«مش دلوقتي. الأول لازم أشوف إنك فعلًا عايز تعرف بناتك، مش بس عايز تريح ضميرك».
وبعدها قامت ومشيت.
وتركت كريم قدام أوراق قلبت حياته كلها.
### الجزء الخامس: أول لقاء بين الأب وبناته
تاني يوم الصبح، كريم ما راحش الشركة، ولا حضر الاجتماع اللي كان مرتب له من أسابيع.
ركب عربيته واتجه إلى بيت سلمى في الإسكندرية.
طول الطريق، كان بيفكر في البنات التلاتة.
ليلى، اللي سألته في المطار إذا كان زعلان من أمها.
ومريم، اللي كانت ماسكة إيد سلمى.
وسارة، اللي كانت بتضحك وهي مستخبية في حضن أمها.
كان فاكر ملامحهم بالتفصيل، وكل ما يتذكر أعمارهم يحس بوخزة في قلبه.
وصل للبيت، وفضل واقف قدام الباب عدة دقائق قبل ما يضغط الجرس.
فتحت سلمى، وأول ما شافته، ظهرت الدهشة على وشها.
«إنت بتعمل إيه هنا؟»
قال بهدوء:
«جاي أتكلم معاكي، لو تسمحي».
«أنا مش مستعدة أرجع للماضي يا كريم».
«أنا مش جاي أطلب منك ترجعي لي. أنا جاي علشان البنات».
سلمى فضلت باصة له، كأنها بتحاول تعرف إذا كان صادقًا ولا بيكرر نفس الكلام القديم بطريقة مختلفة.
في النهاية، سمحت له يدخل، لكنها قالت بوضوح:
«أي كلام بينا لازم يكون قدام البنات وباحترام. ومش هسمح إن حد يدخل حياتهم ويقلبها لمجرد إنه اكتشف فجأة إنه عنده بنات».
هز رأسه.
«عندك حق».
كانت أول مرة يسمع فيها منها اتهامًا قديمًا من غير ما يحاول يدافع عن نفسه.
بعد دقائق، خرجت البنات من أوضتهم.
ليلى شافته، وابتسمت.
«إنت جيت يا عمو!»
ابتسم لها بصعوبة.
«أيوه يا ليلى، جيت».
سارة وقفت ورا أختها، بينما مريم فضلت تبص له من بعيد.
كريم نزل على ركبته علشان يبقى في مستواهم، وقال:
«ممكن أقعد معاكم شوية؟»
ليلى ردت فورًا:
«ممكن، بس ماما هتعمل لنا فطير بالجبنة. إنت بتحب الفطير؟»
ضحك كريم لأول مرة من قلبه من يوم ما شافهم.
«بحبه جدًا».
وبدأ يقعد معاهم، يسمع حكاياتهم الصغيرة عن الحضانة، وألعابهم، وعن القطة اللي كانوا بيحاولوا يقنعوا أمهم تجيبها لهم.
لكن مريم، اللي كانت أهدأ واحدة فيهم، سألته فجأة:
«إنت عندك أولاد يا عمو؟»
السؤال كان بسيطًا، لكن كريم حس إنه مش قادر يتكلم.
بص لسلمى، اللي كانت واقفة عند باب المطبخ.
وبعدين رجع بص للبنات.
«لأ يا حبيبتي، معنديش أولاد غيركم».
سلمى غمضت عينيها للحظة.
كانت أول مرة تسمعه يعترف بيهم بصوت واضح.




