
الجزء الثاني والاخير
الجزء الثاني: الليلة اللي قررت فيها أكشفهم
تاني يوم الصبح، صحيت قبل كريم بساعة كاملة.
فضلت باصة للسقف، وبفكر في كل كلمة سمعتها في التسجيل.
«خدها على الشقة. داليا وصلت خلاص».
«أنا محتاج الصور وبس».
كل ما أفتكر الجملتين دول، كنت بحس إن قلبي بيتعصر من الوجع. مش بس لأن جوزي كان بيخطط لحاجة ضدي، لكن لأنه كان بيعمل ده بمنتهى الهدوء، وكأن حياتي وكرامتي مجرد أوراق بيقدر يتصرف فيها وقت ما يحب.
لكنني قررت ما أديهوش الفرصة يشوف ضعفي.
قمت من السرير، دخلت الحمام، وغسلت وشي، وبعدها بصيت لنفسي في المراية.
وقلت بصوت واطي:
— يا سارة، لو عايزة تخرجي من الليلة دي بأقل الخسائر، لازم تفكري بعقلك، مش بقلبك.
أول خطوة عملتها كانت إني نسخت التسجيل على وحدة تخزين صغيرة، واحتفظت بنسخة تانية في مكان آمن بعيد عن البيت.
بعدها اتصلت بمحامية كنت أعرفها من أيام الجامعة، اسمها منى.
منى كانت متخصصة في قضايا الشركات والنزاعات المالية، وكانت من النوع اللي ما بياخدش قرار قبل ما يراجع كل تفصيلة.
لما قابلتها في مكتبها، حطيت قدامها نسخة من المستندات، وبدأت أحكيلها كل حاجة.
ما قاطعتنيش غير لما خلصت.
وبعدين سألتني:
— إنتِ متأكدة إن التسجيل كامل؟
— أيوه.
— وعندك نسخة من التحويلات البنكية؟
— أيوه، وصورت كمان مستند التنازل.
فضلت منى ساكتة وهي بتراجع الأوراق.
وبعد دقائق، رفعت عينيها وقالت:
— يا سارة، فيه حاجتين لازم نفصل بينهم. الأولى هي موضوع المشروبات وفقدانك للوعي، وده لازم يتعامل معاه بجدية شديدة. والتانية هي محاولة الضغط عليكي علشان تتنازلي عن حصتك في الشركة.
سألتها بقلق:
— يعني إيه؟
ردت بهدوء:
— يعني ما ينفعش نفترض إننا عرفنا كل اللي حصل من التسجيل وحده. لازم نحافظ على الأدلة، ونتأكد إن حقوقك المالية محمية، ونتعامل مع أي شبهة اعتداء عن طريق الجهات المختصة. والأهم، ما توقعيش أي ورقة جديدة قبل ما نفحصها.
هزيت رأسي.
كنت محتاجة حد يقول لي إن اللي بعمله صح، وإن مش لازم أواجههم لوحدي.
لكن منى كان عندها تحذير أخير.
— وفي حاجة كمان. لو جوزك فعلًا بيخطط يستخدم صور ضدك، لازم تعرفي إن الصور ممكن تكون مضللة أو متاخدة من غير موافقتك. ما تسمحيش لحد يضغط عليكي بيها. واحتفظي بكل رسالة أو مستند له علاقة بالموضوع.
خرجت من مكتبها وأنا حاسة إني أخيرًا بقيت أملك خطة واضحة.
لكنني ماكنتش أعرف إن كريم بدأ بالفعل يشك إن فيه حاجة اتغيرت.
—
بعد يومين، رجعت البيت ولقيته قاعد في الصالة، وقدامه ملف أزرق.
ابتسم لي ابتسامة غريبة وقال:
— كويس إنك رجعتي بدري. كنت مستنيكي.
حطيت شنطتي على الكرسي وسألته:
— خير؟
فتح الملف، وطلع منه مجموعة أوراق.
— فاكرة موضوع إعادة تنظيم الشركة اللي اتكلمنا عنه؟
قلبي دق بسرعة، لكنني حافظت على هدوئي.
— أيوه، فاكرة.
قرب الأوراق مني.
— المحاسب محتاج يخلص الإجراءات قبل نهاية الشهر. الموضوع بسيط، مجرد نقل بعض الحصص وترتيب الملكية. توقيعك مش هيغير حاجة في حياتنا.
بصيت للورق، ولاحظت إن المستندات مختلفة عن النسخة اللي شفتها قبل كده.
كان فيه صفحات جديدة، وبنود اتغيرت، وملحق بيتكلم عن التنازل النهائي عن حصتي لصالح شركة تابعة لعيلته.
رفعت عيني إليه وسألته:
— هو ليه لازم أتنازل عن حصتي أصلًا؟
اتغيرت ملامحه للحظة، لكنه رجع ابتسم.
— يا سارة، إحنا متجوزين بقالنا سنين. هو إنتِ مش واثقة فيَّ؟
السؤال وجعني أكتر مما توقعت.
لأنه كان بيستخدم نفس الثقة اللي بنيتها فيه علشان يحاول ياخد مني حقي.
قلت بهدوء:
— الثقة ملهاش علاقة إني أفهم الورق اللي همضي عليه.
اتنهد بضيق، وسحب الملف ناحيته.
— إنتِ مكبرة الموضوع ليه؟ أنا بحاول أخلّص شغل مهم، وإنتِ بتعطليني.
— يبقى مفيش مشكلة نستنى لحد ما المحامية تراجعه.
أول ما قلت كلمة «المحامية»، وشه اتغير تمامًا.
بص لي بتركيز وقال:
— محامية؟ إنتِ دخلتي محامية في الموضوع من إمتى؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
— من حقي أستشير حد قبل ما أمضي على مستندات مالية، مش كده؟
ما ردش.
قفل الملف بعنف، وقام من مكانه.
— براحتك يا سارة. بس افتكري إن كل قرار ليه تمن.
دخل الأوضة وسابني لوحدي.
وقتها عرفت إن شكوكي كانت في محلها.
كريم ماكانش عايز توقيعي لمجرد إنه يخلص إجراءات الشركة.
كان مستعجل، وخايف إن الوقت يفوته.
والسبب، على الأغلب، كان مرتبطًا بحاجة ماعرفتهاش لسه.
—
في الليلة نفسها، وصلني إشعار برسالة من رقم مجهول.
فتحتها، فلقيت صورة لورقة مكتوب عليها بخط واضح:
«لو عايزة تحافظي على بيتك وجوازك، وقّعي الأوراق من غير مشاكل».
وتحت الجملة، كانت فيه صورة لمدخل العمارة اللي ساكنة فيها.
اتجمدت مكاني.
مين اللي بعت الرسالة؟
أحمد؟
كريم؟
ولا داليا؟
بعد ثوانٍ، وصلت رسالة تانية.
«إحنا بنحاول نسهّل الأمور عليكي. ما تخليش الموضوع يكبر».
حفظت الرسالتين، وخدت لقطات شاشة، وبعتهم لمنى.
ردت عليَّ بسرعة:
«ما ترديش على الرقم. احتفظي بالرسائل، وما تقابليش أي حد لوحدك. لو حسيتي إنك في خطر، روحي لمكان آمن واطلبي المساعدة».
قفلت الموبايل، لكنني ماقدرتش أنام.
لأول مرة، بدأت أخاف فعلًا.
مش من خسارة الفلوس.
لكن من إن الناس اللي كنت بعتبرهم عيلتي ممكن يكونوا مستعدين يعملوا أي حاجة علشان يوصلوا لهدفهم.
—
في صباح الخميس، حصلت حاجة ماكنتش متوقعاها.
أحمد اتصل بيا.
— صباح الخير يا سارة. إنتِ في الشغل؟
— أيوه، خير؟
— كنت معدي قريب من عندك، وقلت أجيب لك قهوة ونرجع سوا زي كل مرة.
حسيت إن دي فرصتي أفهم منه أكتر.
لكنني افتكرت تحذير منى، فقررت ما أركبش معاه لوحدي، وما أشربش أي حاجة يجيبها لي.
قلت له:
— شكرًا يا أحمد، بس عندي شغل كتير النهارده. ممكن نتقابل في كافيه قريب بعد ما أخلص؟
سكت لحظة، وبعدها وافق.
— ماشي، ابعتي لي المكان والوقت.
قفلت المكالمة، واتصلت بمنى.
حكيت لها اللي حصل، واتفقنا إن أي مقابلة لازم تكون في مكان عام، وإنها تكون عارفة تفاصيلها.
وفي المساء، قابلت أحمد في كافيه مزدحم في مدينة نصر.
أول ما شافني، ابتسم كأن مفيش أي حاجة حصلت.
— إيه يا بنتي، مالك بقالك كام يوم متغيرة؟
قعدت قدامه وقلت:
— متغيرة إزاي؟
— مش عارف. بقيتي بترفضي توصيلة العربية، ومش بتردي على مكالماتي زي الأول.
طلب لنفسه قهوة، وبعدها بص لي.
— تحبي أطلب لك حاجة؟
— لا، شكرًا.
حاول يضحك.
— إنتِ كمان بقيتي بتخافي من القهوة؟
الجملة خلت الدم ينسحب من وشي.
هو قالها بعفوية، ولا كان بيختبرني؟
بصيت له مباشرة وقلت:
— على فكرة يا أحمد، أنا عندي مشكلة في الذاكرة بقالها فترة. ساعات مش بفتكر حاجات بتحصل لي أثناء الطريق.
ابتسامته اختفت تدريجيًا.
— عادي، يمكن من ضغط الشغل.
— يمكن. بس الغريب إني لقيت كدمات على إيدي، ومش فاكرة جت إزاي.
حرك إيده على الطاولة، وبص ناحية الباب.
كانت حركة صغيرة، لكنني لاحظتها.
كملت كلامي:
— والأغرب إني بقيت أسمع حاجات مش مفهومة عن صور وأوراق وتوقيعات.
ساعتها وشه شحب.
حاول يتماسك وقال:
— إنتِ بتقولي إيه يا سارة؟ مش فاهم.
ابتسمت بهدوء.
— ولا أنا. علشان كده بسألك.
فضل ساكت ثواني طويلة.
وبعدين قال بصوت منخفض:
— اسمعيني، أنا ماليش دعوة بأي حاجة. أنا كنت بوصلِك بالعربية بناءً على طلب كريم، وبس.
حسيت إن قلبي وقف للحظة.
بناءً على طلب كريم؟
يعني اعترافه أكد لي إن جوزي هو اللي كان بيرتب موضوع التوصيلات.
سألته:
— وليه كريم كان بيطلب منك توصّلني كل خميس؟
اتوتر، وبدأ يحرك فنجان القهوة قدامه.
— كان بيقول إنك بتكوني مرهقة، وإنه مش عايزك ترجعي لوحدك بالليل.
— وموضوع المشروبات؟
رفع عينيه بسرعة.
— إيه موضوع المشروبات؟
ما رديتش فورًا.
فضلت باصة له، لحد ما بدأ يتجنب النظر في عيني.
وبعدين قال:
— يا سارة، أنا مش عايز مشاكل. اللي حصل كان ترتيب من كريم، وأنا وافقت أساعده. بس والله ماكنتش متخيل إن الأمور هتوصل لكده.
حسيت بغضب شديد، لكنني كتمته.
— تساعده في إيه يا أحمد؟
بلع ريقه، وبعدها قرب مني وقال:
— أنا مش هقدر أتكلم هنا.
قمت من مكاني وقلت:
— يبقى مفيش كلام بينا لحد ما تبقى مستعد تقول الحقيقة كاملة.
وقبل ما أمشي، سمعت صوته ورايا:
— استني يا سارة!
لفيت له.
كان باين عليه الخوف.
قال بسرعة:
— فيه حاجة لازم تعرفيها. الصور اللي كريم عايزها مش صور عادية، وهو مش ناوي يستخدمها علشان يطلقك وبس.
حسيت إن رجلي مش قادرة تشيلني.
سألته:
— أمال ناوي يعمل بيها إيه؟
بص حواليه، وبعدها قال الجملة اللي غيرت كل حاجة:
— كريم ناوي يستخدم الصور علشان يثبت إنك مش مؤهلة تديري حصتك في الشركة، وإنك بتتصرفي بطريقة تضر بمصالحها. وهو عنده حد مستعد يشهد ضِدك.
فضلت واقفة مكاني، مش قادرة أستوعب اللي سمعته.
يعني مش بس كانوا عايزين يضغطوا عليَّ علشان أتنازل.
كانوا بيجهزوا رواية كاملة يقدروا يستخدموها ضدي.
لكن مين الشخص اللي مستعد يشهد؟
وليه داليا كانت موجودة في الموضوع؟
وقبل ما أسأله، أحمد مسك إيدي وقال بصوت مرتعش:




