منوعات

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

الجزء الثاني والاخير
رفع نوح عينيه لمروان، وفضل باصص له لثواني، وبعدها سأله ببراءة:

— حضرتك هو بابا بتاعنا؟

السؤال نزل على مروان زي الصاعقة.

اتراجع خطوة لورا، وفتح بقه، لكن الكلمات ما طلعتش.

خطيبته، اللي كانت واقفة جنبه من شوية، بصت له بصدمة، وبعدها بصت لي وأنا واقفة وسط أولادي الأربعة.

— باباهم؟! إنتِ بتقولي إن مروان أبوهم؟!

ما رديتش عليها فورًا.

نزلت لمستوى نوح، وعدلت ياقة قميصه، وقلت له بهدوء:

— أيوه يا حبيبي، ده مروان، والدك.

نوح بص له تاني، وبعدها ابتسم ابتسامة صغيرة.

— ماما كانت بتقول إن بابا مش عارف إن إحنا موجودين. هو فعلًا ماكانش يعرف؟

حسيت بحاجة بتقبض على قلبي.

الأطفال كانوا عارفين الحقيقة من غير ما أحكي لهم تفاصيل توجعهم. كنت دايمًا بقول لهم إن أبوهم ماكانش يعرف بوجودهم، وإنهم مالهمش أي ذنب في اللي حصل بيني وبينه.

ما كنتش عايزة أزرع الكراهية في قلوبهم.

ولا كنت عايزاهم يكبروا وهم شايلين وجع أنا نفسي تعبت سنين عشان أتعافى منه.

بصيت لمروان وقلت:

— اتفضل، جاوب ابنك.

رفع عينيه ناحيتي، وكان واضح إنه بيحاول يستوعب اللي بيحصل.

— كيشا… إنتِ بتقولي إيه؟ دول فعلًا أولادي؟

ابتسمت ابتسامة حزينة.

— أيوه يا مروان. دول أولادك الأربعة. نوح، وإيثان، وصوفيا، وأوليفيا. اتولدوا من تمان سنين، في اليوم اللي كنت فيه محتاجة وجودك أكتر من أي وقت تاني في حياتي.

هز راسه بعنف، وكأنه بيحاول يطرد الفكرة من دماغه.

— مستحيل! إنتِ كنتِ حامل، وأنا…

سكت فجأة.

لأنه افتكر.

افتكر اليوم اللي وقفت فيه قدامه وأنا بترعش من الفرحة والخوف، وقلت له إني حامل.

وافتكر إزاي بدل ما يضمني ويشاركني فرحتي، اتهمني إني بحاول ألزمه بالجواز والمسؤولية.

وافتكر إزاي خرج من البيت، ورجع بعدها بأيام ومعاه أوراق الطلاق.

وقتها كنت بحاول أشرح له إن الطفل طفله، وإنه مش محتاج يصدقني لمجرد كلامي، وإن الأيام هتثبت له الحقيقة.

لكنه رفض يسمع.

وأنهى كل حاجة بإيده.

همست له:

— كنت حامل فعلًا يا مروان. وكنت محتاجاك تصدقني، لكنك اخترت تصدق شكوكك بدل ما تصدق الست اللي كانت مراتك.

—

خطيبته نزعت إيدها من إيده، وبصت له بحدة.

— إنت قلت لي إنك عمرك ما اتجوزت قبل كده! قلت لي إن علاقتك الوحيدة كانت مجرد ارتباط وانتهى من زمان!

مروان حاول يمسك إيدها.

— سارة، استني… الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.

ضحكت بمرارة.

— طبعًا! الجملة المشهورة اللي كل الناس بتقولها لما تتقفش!

وبعدين بصت لي.

— وإنتِ، إزاي قدرتي تخبي عنه أولاده كل السنين دي؟

كنت متوقعة السؤال ده.

بصيت لها بهدوء وقلت:

— أنا ماخبيتش عنه حاجة. يوم ما عرف إني حامل، كان أول واحد عرف. حاولت أتواصل معاه، لكنه غيّر رقم تليفونه، ورفض يسمعني. بعد كده حاولت أوصل لعيلته، لكن ماحدش رد عليّا.

التفتُّ ناحية نادية، والدة مروان.

كانت واقفة جنب السلم، وإيديها متشابكة قدامها، وعينيها بتتحرك بيني وبين الأطفال.

قلت لها:

— يمكن حضرتك فاكرة كويس الرسائل اللي بعتها لك زمان، لما كنت بحاول أقول لك إن ابنك هيبقى أب.

نادية فتحت بؤها، لكن ما قدرتش ترد.

وهنا بدأ الشك يدخل قلوب الموجودين.

واحد من أعمام مروان قرب منها وسألها:

— رسائل إيه يا نادية؟ إنتِ كنتِ عارفة؟

نادية هزت راسها بسرعة.

— أنا… أنا ماكنتش متأكدة من أي حاجة.

بصيت لها وقلت:

— أنا بعت لك نتيجة التحليل، وبعدها بعت لك تقرير الدكتور اللي أكد الحمل. وطلبت منك بس تساعديني أوصل لمروان. إنتِ اللي قلتي لي وقتها إن الأفضل أبعد عن ابنك، وإنه مش مستعد يتحمل مسؤولية طفل.

الوجوه اتغيرت.

واحد من الموجودين همس:

— يعني العيلة كانت عارفة؟

رديت وأنا ببص لنادية:

— مش كلها. لكن في ناس كانت تعرف إني حامل، واختارت تسكت.

نادية رفعت صوتها فجأة:

— أنا كنت بحاول أحمي ابني! هو كان صغير، ومستقبله قدامه، وإنتِ كنتِ مصممة تربطيه بيكِ!

في اللحظة دي، مروان لف ناحيتها ببطء.

— ماما… إنتِ كنتِ عارفة إنها حامل؟

نادية اتلخبطت.

— أنا قلت لك إني سمعت كلام، لكن ماكنتش متأكدة…

— لأ، أنا بسألك سؤال واضح! كنتِ عارفة ولا لأ؟

ما ردتش.

وكان صمتها كفاية.

مروان حط إيده على راسه، ومشي خطوتين بعيد عننا.

لأول مرة من ساعة ما دخلت البيت، شفت ثقته بنفسه بتنهار فعلًا.

لكن اللي حصل بعد كده كان أصعب عليه بكتير.

لأن إيثان، اللي كان واقف جنب أخوه، رفع عينيه وقال بصوت هادي:

— ماما، هو جدو كان زعلان مننا عشان كده ماجاش يشوفنا؟

قلبي اتقبض.

ركعت قدام إيثان بسرعة، وضمّيته لحضني.

— لأ يا حبيبي، محدش يقدر يزعل منكم. إنتوا ماعملتوش أي حاجة غلط.

لكن إيثان ما اكتفاش بالإجابة.

بص لمروان وسأله:

— طب إنت كنت عارف إن ماما بتعيط بالليل لما كنا صغيرين؟

المرة دي، ماقدرتش أمنع دموعي.

مش عشان كنت عايزة أوجع مروان.

لكن لأن ابني كان بيسأل سؤال طفل ماكانش المفروض يعرف أصلًا إن فيه وجع بالشكل ده.

مروان نزل عينيه للأرض.

وماقدرش يبص في وشه.

—

بعد دقائق من الصمت والارتباك، مروان رفع راسه وبص لي.

— كيشا، ممكن نتكلم لوحدنا؟

بصيت لأولادي، وبعدها رديت:

— لو عندك حاجة تقولها، قولها هنا. أنا مش هخبي عن أولادي حاجة تخص وجودهم أو حقهم في معرفة الحقيقة.

اتنهد وقال:

— أنا عارف إني غلطت. بس ماكنتش أعرف إنك خلفتي أربعة أطفال. لو كنت أعرف…

قاطعته بهدوء:

— كنت هتعمل إيه؟ كنت هتتجوزني عشان الناس ما تتكلمش؟ ولا كنت هتتحمل مسؤوليتهم عشان ما تخسرش صورتك قدام عيلتك؟

وشه احمر.

— إنتِ مش فاهمة اللي كنت بمر بيه وقتها.

هزيت راسي.

— بالعكس، أنا فاهمة كويس. كل واحد فينا كان عنده خوفه ومشاكله. الفرق إنك لما خفت، هربت. وأنا لما خفت، فضلت.

سكتُّ لحظة، وبعدها كملت:

— لما عرفت إني حامل في أربعة، الدكتور قال لي إن الحمل محتاج متابعة دقيقة، وإن الفترة الجاية مش هتكون سهلة. كنت لوحدي، وبخاف من كل حاجة. كنت محتاجة حد يطمني، حد ياخد بإيدي، حد يقولي إننا هنعدي الأيام الصعبة دي سوا.

بلعت ريقي وأنا بحاول أتماسك.

— لكنك ماكنتش موجود. وبدل ما أضيع وقتي في انتظارك، قررت أتعلم إزاي أكون أم وأب لأولادي، وأبني لهم حياة آمنة.

مروان بص لي بعينين مليانين دموع.

— أنا آسف.

كانت أول مرة أسمع منه الكلمة دي من تمان سنين.

الكلمة اللي كنت محتاجاها وأنا حامل، وأنا بولد، وأنا برجع من المستشفى بأربعة أطفال، وأنا بصحى في نص الليل على بكاء واحد منهم، بينما التلاتة التانيين محتاجينني في نفس اللحظة.

لكن الغريب إني لما سمعتها أخيرًا، ما حسيتش بالراحة اللي كنت متخيلاها.

لأن الاعتذار مهما كان صادقًا، ما يقدرش يرجع السنين اللي راحت.

قلت له:

— أنا مش جاية هنا عشان أسمع اعتذارك، ومش جاية عشان أطلب منك فلوس أو أرجع لحياتك. أنا جيت عشان أولادي يعرفوا الحقيقة، وعشان إنت وعيلتك تعرفوا إنهم موجودين.

وبعدين بصيت لسارة، خطيبته.

— ومن حقك إنتِ كمان تعرفي الحقيقة قبل ما تاخدي أي قرار يخص حياتك.

سارة كانت بتبص لمروان بذهول.

وبعد لحظة، خلعت خاتم الخطوبة من صباعها وحطته على الطاولة.

— أنا محتاجة أفكر. مش هقدر أكمل خطوة زي دي وأنا مش عارفة مين الشخص اللي هتجوزه.

مروان حاول يتكلم، لكنها رفعت إيدها تمنعه.

— مش دلوقتي يا مروان.

ومشيت ناحية الباب، وسابت الخاتم مكانه.

—

كنت فاكرة إن المواجهة انتهت عند كده.

لكن نادية كان عندها كلام تاني.

قربت مني، وبصت للأطفال، وبعدها قالت بصوت متردد:

— كيشا، أنا عارفة إني غلطت. بس دول أحفادي، ومن حقي أشوفهم وأعرفهم.

بصيت لها طويلًا.

كان جوايا غضب كبير من الست اللي كان ممكن تساعدني زمان، لكنها اختارت تقفل الباب في وشي.

لكن لما بصيت لنوح وصوفيا وإيثان وأوليفيا، افتكرت إنهم مش مسؤولين عن أخطاء الكبار.

قلت لها:

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى