
ظل فارس الكيلاني واقفًا أمام ليلى، وعيناه مثبتتان على وحدة التخزين الصغيرة التي وضعتها فوق الطاولة.
لم يكن يستطيع استيعاب ما يسمعه.
ماهر الديب!
الرجل الذي عاش معه أصعب سنوات حياته، والذي ائتمنه على أسراره وأمواله وحراسته، هو نفسه الذي كان يدبر لتدمير زواجه؟
قال فارس بصوت غاضب:
— أنا عايز أفهم كل حاجة من أولها لآخرها، ومش عايز كلمة واحدة تتخبى عني.
جلست ليلى على الكرسي، وأخذت نفسًا عميقًا، ثم بدأت تحكي.
— من حوالي ست شهور، كنت براجع أوراق المؤسسة الخيرية اللي والدك أسسها. أنت عارف إني كنت بتطوع هناك، وفي يوم لقيت تحويلات مالية بمبالغ كبيرة بتخرج من حساب المؤسسة لحسابات شركات مش موجودة أصلًا.
سألها فارس:
— وإيه علاقة ماهر بالموضوع؟
— في البداية ماكنتش أعرف. لكن لما بدأت أدور، اكتشفت إن فيه توقيعات على بعض الأوراق باسم والدك، رغم إن التحويلات دي تمت بعد وفاته بسنين.
تغيرت ملامح فارس.
— مستحيل!
— أنا كمان قلت مستحيل، لكن كريم النجار ساعدني أفهم الموضوع. واكتشفنا إن فيه مجموعة حسابات اتفتحت بأسماء أشخاص متوفين، وكانت بتتحول من خلالها أموال ضخمة.
سكتت لحظة ثم أكملت:
— والأخطر إن جزء من الفلوس دي كان بيخرج من شركاتك أنت.
وقف فارس فجأة.
— شركاتي؟!
أومأت ليلى.
— أيوه. فيه حد بيستخدم اسمك وشركاتك من سنين، وبيحول الأموال من خلالها علشان يخفي مصدرها.
ظل فارس صامتًا.
كان يعرف أن هناك مخالفات مالية صغيرة تحدث أحيانًا داخل شركاته، لكنه لم يتخيل أن الأمر بهذا الحجم.
سألها:
— وليه ما بلغتيش الشرطة؟
نظرت إليه بحزن.
— لأننا اكتشفنا إن فيه معلومات بتوصل للطرف التاني قبل ما نتحرك. كريم قال إن فيه شخص قريب جدًا منك بيوصل له كل خطوة بنعملها.
رفع فارس عينيه إليها.
— ماهر.
— بالضبط.
أخرجت ليلى هاتفها وفتحت تسجيلًا صوتيًا.
قالت:
— اسمع ده بنفسك.
ضغطت على زر التشغيل.
جاء صوت ماهر واضحًا:
«فارس لازم يفضل بعيد عن الموضوع. مراته بدأت تفهم أكتر من اللازم، ولازم نخليه يصدق إنها بتخونه. لو فضل معاها، هتوصل له كل حاجة».
ثم جاء صوت رجل آخر:
«ولو ما اقتنعش؟»
رد ماهر:
«أنا أعرف فارس كويس. نقطة ضعفه إنه بيخاف من الخيانة أكتر من أي حاجة. صورة واحدة هتكون كفاية».
توقف التسجيل.
شعر فارس أن الأرض تهتز تحته.
لم يكن الأمر مجرد شخص يريد سرقة أمواله، بل شخص يعرفه جيدًا، ويعرف كيف يحركه مثل قطعة شطرنج.
قال بصوت منخفض:
— التسجيل ده جبتيه منين؟
— كريم كان بيسجل اجتماعاته مع الشخص اللي بيتواصل معاه من طرف ماهر. لكن فيه تسجيل تاني أخطر.
— إيه هو؟
نظرت ليلى إلى بطنها، ثم عادت تنظر إليه.
— التسجيل التاني فيه كلام عنك وعن الطفلين.
تغير وجه فارس.
— الطفلين؟!
أخرجت ليلى وحدة التخزين، لكنها لم تسلمها له فورًا.
قالت:
— قبل ما تسمع، لازم تعرف إن حياتنا كانت في خطر من وقت طويل. واللي حصل بينا ماكانش مجرد محاولة لتدمير جوازنا.
مد فارس يده وأخذ وحدة التخزين.
في تلك اللحظة رن هاتفه مرة أخرى.
كان ماهر يتصل به.
نظر فارس إلى الشاشة، ثم ضغط على زر الرد ووضع الهاتف على مكبر الصوت.
— أيوه يا ماهر.
جاءه صوت ماهر هادئًا كعادته:
— باشا، أنا عرفت إنك سألت عن سجلات الفندق. فيه حاجة حصلت؟
رد فارس ببرود:
— لا، مجرد موضوع قديم.
— طيب، أنا محتاج أقابلك النهارده. فيه شوية أوراق تخص الشركات لازم تمضي عليها.
نظر فارس إلى ليلى، ثم قال:
— تمام. نتقابل في المكتب الساعة سبعة.
أنهى المكالمة.
قالت ليلى بسرعة:
— إنت ناوي تقابله؟
— أيوه.
— فارس، ده ممكن يكون خطر عليك!
اقترب منها وقال:
— مش هسمح له يقرب منك، ولا من طفلينا.
نظرت إليه بمرارة.
— أنت لسه بتقول طفلينا، لكنك من كام ساعة كنت بتمضي على طلاقك مني من غير ما تسمعني.
انخفض رأس فارس.
لم يجد أي كلمة يدافع بها عن نفسه.
قال أخيرًا:
— عندك حق. أنا مش طالب منك تسامحيني، لكن اديني فرصة أصلح اللي بوظته.
أخذت ليلى حقيبتها وقالت:
— أنا مش عايزة وعود يا فارس. أنا عايزة أعيش بأمان، وأربي ولادي بعيد عن الخوف.
غادر فارس دار الرعاية، لكنه لم يعد إلى منزله.
اتجه مباشرة إلى مكتبه، واستدعى شخصين من أكثر الرجال الذين يثق بهم بعيدًا عن ماهر.
طلب منهما مراجعة كل التحويلات المالية خلال السنوات الخمس الماضية، دون إخبار أي شخص آخر.
ثم فتح وحدة التخزين الموجودة معه.
كان بداخلها ملفات كثيرة، وصور لمستندات، وتسجيل صوتي بعنوان:
«الحقيقة وراء وفاة والد فارس الكيلاني».
ضغط على التسجيل.
جاء صوت ماهر واضحًا مرة أخرى:
«المرحلة الأخيرة لازم تتم قبل ما فارس يعرف إن والده اكتشف التحويلات. الراجل الكبير كان بدأ يشك فينا، وكان ناوي يسلم كل المستندات للجهات المختصة».
ثم سمع صوت الرجل الآخر:
«يعني أنت اللي كنت موجود يوم الحادث؟»
وجاء رد ماهر:
«أنا ماكنتش لوحدي… لكن أنا اللي رتبت كل حاجة».
توقف فارس عن التنفس للحظات.
والده لم يمت في حادث عادي!
ظل يستمع حتى النهاية.
ثم سمع جملة جعلته يضرب المكتب بقبضته:
«والأسوأ إن فارس نفسه كان المفروض يختفي من زمان، لكن موته كان هيعمل مشاكل أكبر. دلوقتي بعد ما مراته قربت تكشف الحسابات، لازم نخلص من الاتنين».
أغلق فارس التسجيل.
لأول مرة منذ سنوات، شعر بالخوف الحقيقي.
لم يكن الخطر يهدد أمواله أو نفوذه فقط.
كان يهدد المرأة التي أحبها، والطفلين اللذين لم يرهما بعد.
وفي الساعة السابعة مساءً، دخل ماهر إلى مكتب فارس وهو يحمل حقيبة جلدية سوداء.
ابتسم كعادته وقال:
— مساء الخير يا باشا.
كان فارس جالسًا خلف مكتبه، هادئًا بصورة غير طبيعية.
أشار إلى الكرسي المقابل.
— اقعد يا ماهر.
جلس ماهر ووضع الحقيبة أمامه.
— دي الأوراق اللي قلت لك عليها. محتاجة توقيعك النهارده.
نظر فارس إلى الحقيبة، ثم رفع عينيه إليه.
— قبل الأوراق، عايز أسألك سؤال.
— اتفضل يا باشا.
— فاكر والدي؟
ابتسم ماهر ابتسامة خفيفة.
— الله يرحمه. ده كان راجل عظيم.
— تفتكر مات إزاي؟
اختفت الابتسامة للحظة، لكنه تدارك نفسه سريعًا.
— زي ما كلنا عارفين، حادث العربية القديم.
فتح فارس درج مكتبه وأخرج صورة قديمة لوالده.
وضعها أمام ماهر وقال:
— غريبة، لأن فيه تسجيل صوتي بيقول إن الحادث ده ماكانش حادث.
تغير لون وجه ماهر.
حاول أن يضحك.
— مين اللي قالك الكلام ده؟
رد فارس:
— السؤال مش مين قاله. السؤال إنت كنت فين يومها؟
ساد الصمت.
ثم ابتسم ماهر بطريقة مختلفة تمامًا.
قال بهدوء:
— واضح إنك بدأت تسمع كلام ناس مش كويسة يا فارس.
رد فارس:
— ومراتي كمان؟ كنت بتقول عليها إيه لما قررت تدمر جوازنا؟
تغيرت ملامح ماهر.
ثم قال:
— أنت اللي دمرت جوازك بإيدك. أنا كل اللي عملته إني وريتك الحقيقة.




