
الجزء الثاني: الحقيقة التي أخفاها جلال عن الجميع
ظلت فاتن واقفة وهي تمسك بالورقة الطبية، وعيناها تنتقلان بين جلال وبيني، وكأنها تحاول فهم حكاية يصعب عليها تصديقها.
مد جلال يده بعصبية وقال:
— أعطيني الورقة دي يا فاتن، إنتِ مش فاهمة حاجة!
لكن فاتن تراجعت إلى الخلف وقالت بصوت مرتفع:
— مش فاهمة إيه؟ أنا بقالي سنتين متجوزاك، وعمري ما تخيلت إنك ممكن تخبي عني حاجة بالحجم ده!
كانت والدة جلال تنظر إليه بدهشة، بينما بدأ الضيوف يبتعدون عن الطاولة، لكن الفضول كان واضحًا على وجوه الجميع.
أما أنا، فكنت أحاول إبعاد الطفلين عن التوتر الذي سيطر على المكان.
أمسكت بيد ابني الكبير وقلت له:
— تعالى يا حبيبي نقعد شوية بعيد عن الزحمة.
لكن جلال وقف أمامي وقال:
— لأ، محدش هيمشي قبل ما أفهم الحكاية دي. إنتِ مش من حقك تخبي عني ولادي كل السنين دي!
نظرت إليه بهدوء وقلت:
— وأنت كان من حقك تعمل إيه يا جلال؟ كان من حقك تنهي جوازنا وتتهمني إني السبب في عدم الإنجاب، وتخليني أخرج من بيتك وأنا حاسة إني أقل من أي ست؟
صمت للحظة، ثم قال:
— أنا كنت فاكر إن المشكلة عندك!
ابتسمت بمرارة وقلت:
— وأنا كمان كنت فاكرة كده، لأنك كنت دايمًا بتأكدلي إن كل التحاليل بتقول إنك سليم.
نظرت فاتن إليه بسرعة وسألته:
— يعني إنت كنت بتعمل تحاليل؟
لم يرد جلال.
اقتربت منه فاتن ورفعت الورقة أمام عينيه:
— جاوبني! إيه التقرير ده؟
تحدث جلال أخيرًا بصوت منخفض:
— ده تقرير قديم من أيام جوازي الأول. الدكتور وقتها قال إن عندي مشكلة ممكن تأثر على الإنجاب، لكنه ماقالش إنها مستحيلة.
شهقت والدته وقالت:
— إنت بتقول إيه يا جلال؟!
رد عليها:
— يا أمي، دي أمور شخصية، ومكنتش عايز حد يعرفها.
هنا لم أستطع الصمت أكثر، وقلت له:
— الغريب إنك ماكنتش عايز حد يعرف مشكلتك، لكن ماكانش عندك أي مشكلة إنك تخليني أنا المتهمة قدام عيلتك كلها!
أنزل جلال عينيه، فواصلت كلامي:
— فاكر لما كنا بنروح للدكاترة؟ فاكر لما كنت بترفض تعمل فحوصات كاملة، وكنت بتقولي إن الست هي اللي لازم تبدأ العلاج؟ فاكر كام مرة رجعت من عند الدكتور متضايقة، وإنت بدل ما تساندني كنت بتلومني؟
بدأت أستعيد تلك الأيام وكأنها حدثت بالأمس.
بعد السنة الثالثة من زواجنا، بدأت العائلة تسأل عن الأطفال. وفي البداية كنت أبتسم وأقول إن الأمر بيد الله، لكن مع الوقت تحولت الأسئلة إلى ضغط مستمر.
كانت والدة جلال تقول أحيانًا:
— أنا نفسي أشوف عيالك يا ابني قبل ما أشوف يومي.
وكان جلال يرد:
— ادعي ربنا يصلح حال سهام.
وكأنه كان متأكدًا أن المشكلة عندي وحدي.
وفي إحدى المرات، طلبت منه أن نجري الفحوصات معًا، لكنه انزعج وقال:
— هو إنتِ شاكّة فيا؟ أنا سليم، والمشكلة عندك إنتِ.
صدقته وقتها، ليس لأن كلامه كان مقنعًا، بل لأنني كنت أحبه ولم أتخيل أنه قد يخفي عني الحقيقة.
عدت إلى الحاضر على صوت فاتن وهي تسأله:
— طيب لو إنت عارف إن عندك مشكلة، ليه خليتها تتحمل المسؤولية لوحدها؟
رد جلال بانفعال:
— أنا ماكنتش عارف إن سهام هتتحمل! وبعدين التقرير ده مش معناه إني مستحيل أنجب.
قلت له:
— صحيح، والدليل إن عندك طفلين قدامك دلوقتي.
في تلك اللحظة، اقترب ابني الصغير من جلال ونظر إليه بفضول، ثم سأله:
— إنت زعلان يا عمو؟
انحنى جلال ومد يده ليمسح على شعره، لكن الطفل عاد نحوي واختبأ خلفي.
كان المشهد مؤثرًا؛ فجلال يرى طفليه للمرة الأولى، وهما لا يعرفان أن الرجل الذي يقف أمامهما هو والدهما.
قال جلال بصوت متأثر:
— أنا أبوكم يا حبايبي.
نظر ابني الكبير إليّ وسألني:
— ماما، هو ده بابا اللي بتقوليلنا إنه بعيد؟
أغمضت عيني للحظة. كنت أحاول طوال السنوات الماضية أن أهيئهما للحقيقة، وكنت أعلم أن هذا اليوم سيأتي، لكنني لم أتخيل أن يحدث بهذه الطريقة.
قلت له:
— أيوه يا حبيبي، ده بابا.
بدأ جلال يتأثر بشدة ومد ذراعيه نحوهما، لكن الطفلين ظلا بجانبي.
وفجأة قالت فاتن:
— أنا مش مصدقة إنك كنت بتقوللي إن سهام هي اللي عندها مشكلة في الإنجاب!
رفع جلال رأسه بسرعة.
أكملت فاتن:
— إنت حكيتلي إنك استنيت سبع سنين، وإنك أنهيت جوازك لما اكتشفت إنها مش قادرة تنجب. وكل ما أقولك نعمل فحوصات قبل ما نبدأ أي خطوات، كنت ترفض وتقول إنك متأكد إنك سليم!
اقتربت والدة جلال من فاتن وقالت:
— استني يا بنتي، خلينا نفهم الموضوع.
لكن فاتن ردت:
— أنا لازم أفهم. لأن لو سهام كانت حامل وقت انفصالها عن جلال، يبقى هو ظلمها ظلم كبير.
نظرت إلى جلال وقلت:
— أنا عرفت إني حامل بعد الانفصال بأيام قليلة. كنت فاكرة إن التعب اللي عندي بسبب الضغوط، لكن لما روحت للدكتورة وعملت الفحوصات، عرفت إني حامل في توأم.
سألني جلال بدهشة:
— طب ليه ما اتصلتيش بيا؟ ليه ما قولتيليش؟
أجبته:
— حاولت.
اتسعت عيناه وقال:
— إيه؟!
قلت له:
— بعد ما عرفت بالحمل، اتصلت بيك أكتر من مرة، لكنك ما رديتش. وبعدها بعتلك رسالة وقلتلك إني محتاجة أتكلم معاك في موضوع مهم.
بدأ جلال يتذكر الرسالة، وظهرت عليه علامات الارتباك.
أكملت:
— إنت رديت عليا وقلتلي إن كل حاجة بينا انتهت، وإنك مش عايز أي تواصل تاني، وإن أي محاولة مني للكلام معاك هتعتبرها إزعاج ليك ولعيلتك.
نظرت فاتن إليه وسألته:
— الكلام ده حقيقي؟
لم يجب جلال.
قلت:
— بعدها عرفت إنك بدأت تجهز لجوازك الجديد، فقررت ما أضغطش عليك. وقلت إني هربي ولادي بنفسي، وأوفرلهم حياة مستقرة بعيد عن الخلافات.
ساد الصمت المكان كله.
اقتربت والدة جلال مني وهي متأثرة، وأمسكت بيدي وقالت:
— سامحيني يا سهام. أنا كنت فاكرة إنك السبب، وكنت بضغط عليكي من غير ما أعرف الحقيقة.
نظرت إليها وقلت:
— أنا مش شايلة منك، لكن اللي فات كان صعب عليا.
في تلك اللحظة، أمسكت فاتن بالتقرير الطبي مرة أخرى، وقلبت الورقة على الناحية الأخرى. كان هناك تاريخ وتوقيع الطبيب، ومعهما ملاحظة مكتوبة بخط اليد.
قرأت الملاحظة بهدوء، ثم رفعت عينيها إلى جلال وقالت بدهشة:
— استنى… إنت عملت الفحص ده قبل انفصالك عن سهام بشهرين؟!
تغيرت ملامح جلال.




