منوعات

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

وقفت قدام الرجل وأنا مش قادرة أتكلم.

كان اسمه «فؤاد رشدي».

رجل في أواخر الستينات، شعره أبيض، وملامحه متعبة كأنه شايل سر تقيل من سنين.

بص لأبويا من بعيد، ثم رجع بص لي.

«أمك كانت عارفة إن فيه ناس بتراقبها.»

سألته:

«مين؟»

قال:

«ناس كانت خايفة إن المستندات اللي معاها توصل للقيادة.»

«وإيه علاقة أبويا؟»

فؤاد سكت.

وبعدين قال:

«أبوكي ماكانش الشخص اللي خطط لاختفاء أمك.»

تنفست براحة للحظة.

لكن كلامه التالي رجّع الخوف.

«لكنه ساعد في إخفاء الحقيقة.»

التفت ناحية أبي.

كان واقفًا ساكت.

صرخت:

«يعني إيه ساعد؟»

أبويا قال:

«كنت بحاول أحميكي.»

«بحمايتي كذبت عليا عشرين سنة؟»

«لو كنتِ عرفتي وقتها، كان ممكن تتعرضي للخطر.»

فؤاد تدخل:

«هو كان عنده سبب.»

بصيت له بغضب.

«متدافعش عنه.»

قال:

«أنا مش بدافع عنه. أنا بقولك اللي حصل.»

ثم أخرج ورقة قديمة.

«دي كانت آخر رسالة من أمك لوالدك.»

أخذتها.

كانت قصيرة.

لكن آخر سطر فيها جعل إيدي ترتعش:

«لو اضطررت تختار بين الحقيقة وأمان ياسمين… اختار ياسمين.»

نظرت لأبي.

فهمت فجأة ليه سكت كل السنين دي.

لكن ده ماكانش معناه إني سامحته.

سألته:

«أمي ماتت؟»

سكت طويلًا.

ثم قال:

«مافيش دليل مؤكد إنها ماتت.»

تجمدت.

«إيه؟»

فؤاد قال:

«وده هو الجزء اللي ماحدش قالهولك.»

«أمك اختفت، لكن ماطلعش أي دليل يثبت وفاتها.»

«يعني ممكن تكون عايشة؟»

فؤاد هز رأسه.

«ما نقدرش نقول كده.»

ثم أضاف:

«لكن قبل اختفائها بيوم، كانت مجهزة مكانًا آمنًا ليكي.»

«فين؟»

بص لأبي.

أبويا أنزل عينه.

وهنا فهمت.

«إنت عارف المكان.»

قال:

«أيوه.»

«ليه ماخدتنيش هناك؟»

رد بصوت مكسور:

«لأن أمك طلبت مني ماعملش كده إلا لما تكبري وتكوني قادرة تحمي نفسك.»

سكتُّ.

ثم نظرت إلى الزي العسكري اللي كنت لابساه.

فهمت فجأة.

كل السنين اللي كنت فاكرة فيها إن أبويا مش مهتم.

يمكن كان فيه جزء من الحقيقة أنا ماكنتش شايفاه.

لكن ده مايمسحش كل اللي حصل.

ولا يمسح وقوفه عند البوابة وزقه ليا قدام الناس.

ولا يمسح إنه ادا دعوتي لنور.

اللواء حسام اقترب مني وقال:

«ياسمين، القرار في إيدك.»

«قرار إيه؟»

«نفتح الملف كامل الآن، ولا نأجله لما تهدي؟»

بصيت للملف.

ثم لأبي.

ثم للرسالة.

وقلت:

«افتحوه.»

بدأ اللواء يقلب الأوراق.

وفجأة، توقف.

«فيه مستند ناقص.»

«إيه؟»

قال:

«الصفحة الأخيرة.»

سأل فؤاد:

«إنت كنت شايفها؟»

هز رأسه.

«أيوه.»

«كانت بتقول إيه؟»

فؤاد نظر لي مباشرة.

«كانت فيها أسماء الأشخاص اللي كانوا مسؤولين عن اختفاء المستندات.»

سألت:

«والأسماء دي فين؟»

رد:

«آخر مرة شفت الصفحة… كانت مع والدك.»

التفتُّ لأبي.

كل العيون اتجهت إليه.

قال بصوت خافت:

«أنا مازلت محتفظ بيها.»

اللواء حسام مد إيده.

«فين؟»

أبويا أخرج من جيبه ظرفًا صغيرًا.

حطه أمامه.

لكن قبل ما يفتحه، دخل ضابط مسرعًا.

وقال:

«سيدي… عندنا مشكلة.»

اللواء التفت له.

«إيه؟»

قال الضابط:

«حد دخل غرفة الأرشيف قبل دقائق.»

سأل اللواء:

«مين؟»

الضابط ابتلع ريقه.

«الكاميرات جابت شخصًا واحدًا.»

ثم نظر إليّ.

«وهو الشخص اللي كانت معاه نسخة من الملف.»

سألته:

«مين؟»

فتح جهازه اللوحي.

ظهرت صورة الشخص على الشاشة.

رفعت عيني بصدمة.

كان واحدًا من أفراد عيلتي.

لكن المفاجأة الأكبر…

إنه كان يحمل ملف أمي.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى