منوعات

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

وكان متجهًا مباشرة إلى المكان اللي أخفاه أبويا عني طوال عشرين سنة.
بصيت للصورة على شاشة الجهاز، وقلبي وقع في رجلي.

الشخص اللي ظهر في تسجيل الكاميرات كان عمي سامح.

نفس الرجل اللي من دقائق كان واقف جنبي، وبيقول إنه وعد أمي يحافظ عليّ.

قلت بصوت متقطع:

«عمي؟»

اللواء حسام ما ردش.

لف ناحية الباب وقال:

«اقفلوا كل مخارج الأكاديمية.»

الضباط اتحركوا فورًا.

أما أنا، فكنت مش فاهمة.

«ليه عمي يعمل كده؟»

أبويا قال:

«لأنه كان عارف مكان المستندات.»

بصيت له.

«بس إنت قلت إنه كان بيساعد أمي.»

«كان بيساعدها فعلًا.»

«أمال ليه أخد الملف؟»

أبويا سكت.

فؤاد، الرجل اللي قابل أمي قبل اختفائها، قال:

«لأن عمي سامح ماكانش هو اللي أخد الملف.»

الكل بص له.

قال:

«الصورة دي متعدلة.»

اللواء حسام قرب من الجهاز.

«إنت متأكد؟»

«أيوه.»

«إزاي؟»

فؤاد أشار للصورة.

«شوفوا الساعة.»

بصينا.

الوقت الظاهر في التسجيل كان 2:17.

فؤاد قال:

«في الوقت ده، سامح كان معايا في مكان تاني.»

اللواء حسام سأل:

«وعندك دليل؟»

فؤاد أخرج هاتفه.

عرض صورة قديمة محفوظة بالتاريخ والوقت.

كان فيها هو وعمي سامح داخل مكتب صغير.

والتوقيت نفس توقيت التسجيل.

اللواء حسام شد الملف من إيد الضابط.

«يبقى حد استخدم صورته.»

سكت الجميع.

ثم قال أبويا:

«أنا عارف مين.»

التفتنا له.

«مين؟»

نظر إليّ.

«نور.»

اتجمدت.

«نور؟ أختي؟»

قال:

«هي كانت تعرف إن فيه ملف قديم.»

رفضت أصدق.

«إنت بتتهمها؟»

قال:

«مش باتهمها. أنا عارف.»

وبالفعل، بعد دقائق، تم استدعاء نور إلى غرفة جانبية.

دخلت وهي مرتبكة.

أول ما شافتني، قالت:

«ياسمين، أنا أقدر أشرح.»

سألتها:

«إنتِ أخدتي الملف؟»

سكتت.

«نور!»

بدأت تبكي.

«أنا ماكنتش عايزة أؤذيك.»

قلت:

«طب كنتِ عايزة تعملي إيه؟»

قالت:

«مرات أبويا… كانت عارفة إن الملف موجود.»

اتجهت عيني ناحية سلوى.

كانت واقفة عند الباب.

نور كملت:

«هي قالت لي إن الملف ممكن يسبب مشكلة كبيرة لوالدي.»

أبويا صرخ:

«سلوى!»

لكنها لم تتكلم.

اللواء حسام قال:

«كملي.»

نور مسحت دموعها.

«قالت لي آخده وأخبيه.»

«فين؟»

«في المكان القديم.»

بصيت لأبويا.

«المكان اللي كنت بتتكلم عنه؟»

هز رأسه.

لكن نور أضافت:

«أنا ماكنتش عارفة إن الملف فيه حقيقة اختفاء خالتي ليلى.»

سلوى أخيرًا تكلمت.

«كنت بحاول أحمي زوجي.»

بصيت لها.

«وعشان تحميه، حاولتي تدفني الحقيقة اللي تخص أمي؟»

ما ردتش.

اللواء حسام طلب من الضباط تفتيش المكان.

وبعد أقل من ساعة، رجع أحدهم ومعاه صندوق معدني قديم.

فتحه أبويا بنفسه.

في داخله كانت آخر ورقة.

الورقة اللي اختفت عشرين سنة.

أخذها اللواء حسام وقرأها.

ثم رفع عيني.

«ياسمين… أمك ما اختفت بسبب أبوكي.»

سكت.

«هي اكتشفت عملية تزوير كبيرة، وحاولت تبلغ عنها.»

«وبعدين؟»

«تم نقلها لمكان آمن بمعرفة أشخاص داخل المؤسسة.»

قلبي خبط.

«يعني كانت عايشة؟»

قال:

«لفترة على الأقل.»

ثم قلب الورقة.

في أسفلها كان فيه عنوان.

عنوان مكان صغير في محافظة مطروح.

وقال:

«وده آخر مكان تم تسجيل وجودها فيه.»

بصيت لأبي.

«إنت كنت عارف العنوان؟»

أومأ.

«ليه ماقلتليش؟»

دموعه نزلت لأول مرة قدامي.

«لأن آخر رسالة منها قالت لي لو حاولت أجيبك للمكان، هيتعرفوا إنك بنتها.»

«مين هم؟»

قال:

«الأشخاص اللي كانت بتحاول تكشفهم.»

سكتُّ طويلًا.

وبعدين قلت:

«أنا مش هقدر أرجع للماضي.»

أبويا قرب مني.

«عارف.»

«بس أقدر أعرف الحقيقة.»

هز رأسه.

«وأنا هساعدك.»

نظرت له.

«المساعدة مش معناها إني نسيت اللي عملته.»

قال:

«أنا عارف.»

ثم مد لي الدعوة الذهبية اللي كان احتفظ بيها في جيبه.

«دي دعوتك.»

بصيت للدعوة.

«مش محتاجاها.»

قال:

«أنا محتاج أديها لك.»

أخذتها.

مش عشان الدعوة نفسها.

لكن عشان أفهم إن الاعتذار الحقيقي أحيانًا بييجي متأخر جدًا.

خرجت من القاعة وأنا لسه لابسة زي التخرج.

وفي نهاية الممر، كان اللواء حسام مستنيني.

قال:

«جاهزة؟»

سألته:

«لإيه؟»

ابتسم.

«أولًا، لتسليمك أعلى تكريم في دفعتك.»

ثم نظر إلى الملف.

«وثانيًا… لبدء التحقيق اللي ممكن يكشف أخيرًا إيه اللي حصل لوالدتك.»

بصيت للباب الكبير قدامي.

قبل ساعات، أبويا كان واقف عند نفس الباب ومنعني من الدخول.

دلوقتي…

أنا اللي كنت خارجة منه، وسط تحية الضباط وتصفيق زملائي.

ولأول مرة في حياتي، ماكنتش بحاول أثبت لأي حد إني أستحق مكاني.

لأني عرفت إن مكاني ماكانش محتاج موافقة أبويا.

أنا صنعته بنفسي.

وفي اليوم اللي بدأ بإهانة تحت المطر…

انتهى باسمي مكتوبًا على لوحة الشرف:

ياسمين محمود — الأولى على الدفعة.

أما الحقيقة عن أمي…

فماكانتْش نهاية القصة.

كانت بداية فصل جديد.

ولو حابين تعرفوا إيه اللي حصل لوالدة ياسمين بعد اختفائها، وإزاي ظهر الدليل اللي قلب القضية كلها بعد عشرين سنة… اكتبوا «تكملة» في التعليقات.

بعد أسبوعين، سافرنا إلى مطروح.

أنا، وأبويا، واللواء حسام، وعمي سامح.

كان العنوان المكتوب في الورقة عبارة عن بيت صغير قديم قريب من البحر.

وقفت قدام الباب وأنا مش قادرة أتحرك.

أبويا قال:

«لو مش مستعدة، نرجع.»

هزيت رأسي.

«أنا مستعدة من عشرين سنة… بس ماكنتش أعرف.»

فتحنا الباب.

البيت كان فاضي تقريبًا.

سرير قديم، مكتب خشبي، وصندوق صغير فوقه غطاء من التراب.

فتحت الصندوق.

لقيت صورًا قديمة.

صور ليا وأنا طفلة.

صور لأمي وهي شايلاني.

ورسائل كتير باسمي.

لكن آخر رسالة كانت مختلفة.

كانت مؤرخة قبل اختفائها بأيام.

فتحتها.

وكان أول سطر:

«لبنتي ياسمين… لو إنتِ بتقري الرسالة دي، يبقى كبرتي وبقيتي قوية.»

ماقدرتش أمنع دموعي.

كملت:

«أنا ما مشيتش بإرادتي، لكني اخترت أختفي فترة عشان أحميكي. أبوكي عرف جزء من الحقيقة، وكان مطلوب منه يبعدك عن كل اللي حصل.»

ثم كتبت:

«لو أبوكي حافظ على وعده، يبقى إنتِ وصلتي لليوم اللي تقدري فيه تعرفي كل حاجة.»

رفعت عيني ناحية أبويا.

كان بيعيط في صمت.

آخر سطر كان:

«أنا فخورة بيكي، حتى لو ماقدرتش أحضر يوم تخرجك.»

انهرت.

لأول مرة، حسيت إن أمي كانت معايا في يوم التخرج فعلًا.

مش جسديًا.

لكن في كل خطوة مشيتها.

في كل مرة وقعت وقومت.

وفي كل مرة حسيت إني لوحدي.

بعدها بأيام، التحقيق الرسمي اتفتح من جديد.

تم تحديد المسؤولين عن تزوير المستندات القديمة، وظهرت أدلة أثبتت إن أمي لم تكن متورطة في أي مخالفة.

أما أبويا، فاعترف بكل شيء أخفاه عني طوال السنوات الماضية.

مش لأنه كان بريئًا من كل الأخطاء.

لكن لأنه كان يحاول تنفيذ الوعد اللي قطعه لأمي.

ومع ذلك، قلت له:

«أنا ممكن أسامحك يومًا ما… بس مش هنسى.»

هز رأسه.

«يكفيني إنك لسه بتكلمني.»

أما نور، فاعتذرت لي بنفسها.

وقالت:

«أنا كنت فاكرة إن دعوة واحدة هتخليني أحس إني مهمة.»

بصيت لها وقلت:

«المشكلة إنك أخدتيها من الشخص اللي كانت أهم حاجة عنده.»

بكت.

لكن المرة دي، أنا ماكرهتهاش.

كل واحد فينا خرج من القصة دي متغير.

بعد شهر، رجعت للأكاديمية.

كان أول يوم لي في برنامج القيادة المتقدمة.

وقفت قدام لوحة الشرف.

اسمي كان لسه موجودًا.

ياسمين محمود — الأولى على الدفعة.

لكن تحت اسمي أضافوا جملة صغيرة:

«التميز الحقيقي أن تعرف قيمة نفسك حتى عندما لا يراها الآخرون.»

وقفت قدامها وابتسمت.

تذكرت صباح التخرج.

المطر.

الباب.

إيد أبويا وهي بتزقني.

والدعوة اللي اداها لغيري.

لو كان سألني وقتها عن أكبر درس تعلمته، كنت هقول له:

إن بعض الأبواب لما تتقفل في وشك، بتكتشف إنك كنت طول الوقت أقوى من إنك تستنى حد يفتحها لك.

وفي نهاية أول يوم لي في البرنامج، وصلتني رسالة من رقم مجهول.

فتحتها.

كان فيها سطر واحد:

«أمك كانت فخورة بيكي… وأنا كمان.»

وتحت الرسالة اسم الشخص:

فؤاد رشدي.

ابتسمت.

قفلت الهاتف.

وبصيت للسماء.

وقلت بهدوء:

«أنا وصلت يا أمي.»

ثم مشيت إلى الأمام.

مش عشان أثبت لأي حد حاجة.

لكن عشان أعيش الحياة اللي أمي كانت تتمنى أشوفها.

النهاية.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى