
الجزء الثاني والاخير
ساد الصمت داخل قاعة المحكمة بعد الجملة اللي قلتها.
القاضي شريف عبد الرحمن رفع عينيه من الأوراق وبص لي باستغراب، وبعدين قال:
“ممكن توضحي قصدك يا رائد نور؟ إنتِ بتقولي إن الشخص اللي وثّق المستند ده متوفى من سبع سنين؟”
هزّيت رأسي وقلت بثبات:
“أيوه يا فندم. الشخص اللي اسمه موجود على المستند اسمه العقيد سامح الديب، وكان ضابط توثيق عسكري، وخدم معايا في إحدى المهام خارج البلاد. وأنا كنت موجودة بنفسي وقت وفاته.”
محامي أبويا ضحك ضحكة قصيرة وقال باستخفاف:
“مع احترامي يا فندم، الكلام ده مجرد محاولة للهروب من مستند رسمي. موكلي عنده أوراق موثقة، والمدعى عليها بتحاول تتهرب من التوقيع.”
القاضي رفع إيده وطلب منه السكوت.
وبعدين سألني:
“هل عندك دليل على كلامك؟”
فتحت حقيبتي الجلدية، وطلعت منها ملف أسود قديم، وحطيته قدام القاضي.
قلت:
“الملف ده فيه تقرير رسمي عن المهمة اللي شاركت فيها سنة 2019، وفيه كمان شهادة وفاة العقيد سامح الديب، وتقرير التحقيق العسكري اللي اتعمل بعد الحادث.”
القاضي بدأ يقلب الأوراق باهتمام.
أما أبويا، فابتسامته بدأت تختفي واحدة واحدة.
أمي قربت منه وهمست:
“مجدي… هي معاها إيه؟”
رد عليها بصوت واطي:
“اسكتي، أكيد بتحاول تخوّفنا.”
لكن أنا كنت لسه ما بدأتش.
قلت للقاضي:
“يا فندم، العقيد سامح الديب توفي يوم 14 أكتوبر 2019، في تمام الساعة الرابعة والنصف عصرًا، أثناء تنفيذ مهمة عسكرية خارج البلاد. والمستند اللي قدمه والدي بيقول إن العقيد وثّقه في نفس اليوم، لكن في الساعة السادسة مساءً!”
القاضي رفع رأسه بسرعة.
“يعني المستند اتوثق بعد وفاته؟”
رديت:
“بالضبط يا فندم.”
محامي أبويا بدأ يتكلم بسرعة:
“يمكن يكون فيه خطأ في التاريخ، أو يمكن المستند اتوثق قبل الوفاة واتكتب الوقت بشكل غير دقيق!”
بصيت له وقلت:
“علشان كده أنا طلبت من المحكمة مراجعة السجل الأصلي للتوثيقات، مش الاكتفاء بصورة المستند اللي قدمها المدعيان.”
القاضي طلب من الموظف تسجيل الملاحظة، وبعدها وجّه كلامه لمحامي أبويا:
“هل تقدر تقدم أصل المستند؟”
المحامي اتردد لحظة، وبعدين قال:
“الأصل موجود مع موكلي، لكنه مش معاه النهارده.”
ابتسمت بهدوء وقلت:
“غريبة يا فندم… لأن والدي أكد في أوراق القضية إنه سلّم أصل المستند للمحكمة بالفعل.”
القاضي بص له بنظرة حادة.
“أستاذ مجدي، هل الكلام ده صحيح؟”
أبويا اتحرك في كرسيه، وحاول يتكلم بثقة:
“أكيد يا فندم، أنا مش فاكر التفاصيل بالضبط، والمحامي هو المسؤول عن الإجراءات.”
لكن القاضي ما اقتنعش.
طلب من الموظف إثبات كل الكلام في محضر الجلسة، وقرر تأجيل الفصل في طلب نقل الملكية لحين التحقق من صحة المستند.
وقبل ما أخرج من القاعة، أبويا ناداني بصوت منخفض:
“فاكرة إنك كده انتصرتي؟ إنتِ لسه ماتعرفيش إحنا ممكن نعمل إيه!”
وقفت وبصيت له.
“أنا عارفة كويس يا بابا… بس المرة دي مش هسمحلك تاخد حاجة مش من حقك.”
خرجت من المحكمة وأنا حاسة إن المعركة الحقيقية بدأت للتو.
لكن اللي ماكنتش أعرفه إن نفس الليلة هتكشف لي إن تزوير المستند ماكانش الهدف الوحيد من القضية.
الساعة كانت حوالي تسعة بالليل، لما جرس الباب رن.
فتحت، ولقيت راجل كبير في السن واقف قدامي، لابس بدلة رمادية، وفي إيده مظروف بني قديم.
قال بصوت متردد:
“حضرتك الرائد نور المنياوي؟”
قلت:
“أيوه، اتفضل.”
دخل الراجل وقعد، وبعد ما اتأكد إن الباب اتقفل، حط المظروف على الترابيزة.
وقال:
“أنا المستشار القانوني السابق لجدك، الأستاذ فؤاد الشناوي. وجدك طلب مني أسلّمك المظروف ده لو حصل في يوم إن والدك حاول يستولى على المزرعة.”
حسيت بقلبي بيدق بسرعة.
سألته:
“جدي كان متوقع إن أبويا يعمل كده؟”
بص لي بحزن وقال:
“جدك كان عارف إن فيه حاجة غلط بتحصل من سنين، وكان خايف إن الحقيقة تظهر بعد وفاته.”
فتحت المظروف، ولقيت جواه صورة قديمة لجدي، ومعاها ورقة مكتوبة بخط إيده.
قرأت أول سطر، وحسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي:
“إلى حفيدتي نور… لو وصلتك الرسالة دي، يبقى أبوكي بدأ ينفذ الخطة اللي حذرتك منها.”
رفعت عيني ناحية الأستاذ فؤاد وسألته:
“أي خطة؟”
اتنهد وقال:
“المزرعة اللي جدك سابهالك مش مجرد أرض وبيت قديم زي ما إنتِ فاكرة. فيه مستندات ملكية وأصول مالية مرتبطة بيها، وجدك كان مخبي الحقيقة عن الجميع.”
وبعدين قرب مني وقال جملة خلت إيدي تتجمد مكانها:
“والأخطر من كده إن والدك مش صاحب الحق الوحيد اللي بيحاول يوصل للميراث… فيه شخص تاني بيدّعي إنه الوريث الحقيقي، ووالدك كان بيحاول يخفي وجوده من سنين!”
بصيت للورقة مرة تانية، ولاحظت إن جدي كاتب اسم شخص في آخر الرسالة.
اسم عمري ما سمعته قبل كده.
“يوسف مجدي المنياوي…”
رفعت رأسي وسألت بصوت مرتعش:
“مين يوسف ده؟”
الأستاذ فؤاد سكت شوية، وبعدين قال:
“يوسف ده أخوكي… وأبوك قال للعيلة كلها إنه مات وهو طفل!”
يتبع…
فضلت باصة للأستاذ فؤاد، مش قادرة أستوعب اللي سمعته.
أخويا؟!
أنا طول عمري كنت فاكرة إني البنت الوحيدة لأبويا وأمي. عمري ما سمعت عن أخ اسمه يوسف، ولا حتى شفت صورة ليه.
قلت بصوت متقطع:
“إنت متأكد من الكلام ده؟ أبويا وأمي قالوا لي طول عمري إني بنتهم الوحيدة!”
الأستاذ فؤاد فتح حقيبته وطلع صورة قديمة، وحطها قدامي.
كانت الصورة لجدي وهو شايل طفل صغير، وبجانبه أبويا، وكان واضح إن الصورة اتصورت من سنين طويلة.
وأشار للطفل وقال:
“ده يوسف… أخوكي الأصغر. اتولد قبلِك بسنتين، وجدك كان متعلق بيه جدًا.”
مسكت الصورة وفضلت أبص فيها.
سألته:
“طيب ليه قالوا لي إنه مات؟”
الأستاذ فؤاد اتنهد وقال:
“لأن أبوكي كان عنده مشاكل مالية كبيرة في الوقت ده، وكان محتاج فلوس بشكل مستمر. جدك اكتشف إنه بيحاول يبيع جزء من ممتلكات العيلة من غير إذنه، ولما واجهه، حصلت بينهم خناقة كبيرة.”
وبعدين كمل:
“بعد فترة قصيرة، يوسف اختفى. أبوكي قال للعيلة إن الطفل مات بسبب مرض مفاجئ، لكن جدك ما صدقش الرواية دي أبدًا.”
حسيت ببرودة في أطرافي.
“يعني أخويا ممكن يكون عايش؟”
الأستاذ فؤاد هز رأسه وقال:
“جدك كان مقتنع بكده. وقبل وفاته بشهور، كلّفني أدور عليه. لكن للأسف، ماقدرتش أوصل له.”
فتحت رسالة جدي وكملت القراءة.
كان مكتوب فيها:
“يا نور، لو وصلتي لليوم ده، اعرفي إن أبوكي مش بيحاربك علشان المزرعة بس. هو عايز يوصل لحساب قديم اتفتح باسم العيلة، والحساب ده فيه أموال وأصول قيمتها أكبر بكتير من قيمة الأرض.”
وقفت عند السطر ده.
أموال أكبر من قيمة المزرعة؟!
الأستاذ فؤاد قال:
“جدك كان شريك في شركة كبيرة للاستثمار الزراعي، وكان ليه نصيب في أراضي ومخازن وعقارات. وبعد ما الشركة اتباعت، اتعمل صندوق ائتماني لحفظ حقوق الورثة.”
سألته:
“والصندوق ده قيمته قد إيه؟”
رد بهدوء:
“آخر تقييم وصلني كان حوالي 31 مليون دولار.”
نفس المبلغ اللي أبويا حاول يستولي عليه من خلال المستند المزور!
بدأت أفهم إن القضية كلها أكبر بكتير من مجرد خلاف على أرض.
قلت:
“طيب إيه علاقة أخويا بالموضوع؟”
الأستاذ فؤاد فتح ورقة تانية وقال:
“جدك كتب بوضوح إن نصيب يوسف محفوظ في الصندوق، وإن محدش يقدر يصرفه أو يتنازل عنه إلا بعد إثبات هويته بنفسه.”
سكت لحظة وبعدين أضاف:
“لكن فيه مشكلة… المستندات اللي تثبت وجود يوسف اختفت من الملف الأصلي بعد وفاة جدك.”
في اللحظة دي، موبايل الأستاذ فؤاد رن.
بص للشاشة، وملامحه اتغيرت.
رد بسرعة، وفضل يسمع من غير ما يتكلم، وبعدها قفل المكالمة.
سألته:
“فيه إيه؟”
قال بصوت منخفض:
“المحامي اللي كان بيتابع حسابات جدك القديمة اتصل بيا. بيقول إن حد دخل مكتبه من يومين وسرق نسخة من ملف الصندوق.”
حسيت إن قلبي وقع.
“مين اللي سرقها؟”
بص لي وقال:
“كاميرات المراقبة سجلت عربية والدك قدام المكتب في نفس الليلة.”
ماقدرتش أرد.
أبويا مش بس بيحاول يزوّر توقيعي علشان ياخد الميراث…
ده كمان بيحاول يمسح أي دليل ممكن يثبت إن فيه وريث تاني.
قمت من مكاني وقلت:
“لازم نبلغ الجهات المختصة فورًا.”
الأستاذ فؤاد وافق، لكنه مسك إيدي قبل ما أتحرك وقال:
“استني يا نور. فيه حاجة لازم تعرفيها قبل ما تاخدي أي خطوة.”
بصيت له.
قال:
“جدك ساب تسجيل صوتي، وطلب مني ما أسمعهوش غير لما تظهر مشكلة تخص الميراث. والتسجيل ده موجود عندي من سنين.”
فتح حقيبته وطلع جهاز تسجيل صغير، وضغط على زر التشغيل.
في البداية سمعت صوت تشويش، وبعدها صوت جدي ظهر واضح، رغم إنه كان متعب وقت التسجيل.
قال جدي:
“يا نور… لو إنتِ بتسمعي صوتي دلوقتي، يبقى غالبًا مجدي بدأ يحاول يستولي على حقك وحق أخوكي.”
سكت لحظات، ثم أكمل:
“أنا غلطت لما سكت كل السنين دي. كان لازم أحمي يوسف، وكان لازم أحميكي من أبوكي.”
وبعدين قال جملة خلتني أحس إن كل اللي عرفته عن عيلتي كان كذبة كبيرة:
“يوسف ما ماتش يا نور… أنا شوفته بعيني بعد اختفائه بسنين، وعرفت إنه عايش، لكن الشخص اللي كان معاه وقتها طلب مني ما أقربش منه، لأنه كان بيحاول يحميه من خطر كبير.”
وفجأة انتهى التسجيل.
الأستاذ فؤاد بص لي وقال:
“فيه جزء تاني من التسجيل، لكن قبل ما تسمعيه، لازم أقولك إننا لقينا عنوان الشخص اللي كان مسؤول عن حماية يوسف.”
سألته بسرعة:
“مين الشخص ده؟”
رد:
“صديق قديم لجدك، وعايش في القاهرة. اسمه اللواء المتقاعد حسن البدري.”
في اللحظة دي، وصلني إشعار على الموبايل من رقم مجهول.
فتحت الرسالة، ولقيت فيها صورة حديثة لراجل واقف قدام مبنى قديم.
وتحت الصورة كانت مكتوبة جملة واحدة:
“لو عايزة تعرفي أخوكي يوسف فين، ماتروحيش لحسن البدري… لأن أبوكي وصله قبلك!”
رفعت عيني للأستاذ فؤاد، وقلت:
“واضح إن حد عرف إننا بدأنا ندور.”
لكنه رد عليّ بجملة ماكنتش متوقعاها:
“مش حد يا نور… أنا خايف يكون الشخص اللي بعتلك الرسالة دي هو نفسه يوسف!”
يتبع…
### الجزء التالي: الرسالة اللي قلبت كل الحسابات
فضلت ماسكة الموبايل، وبعيد قراءة الرسالة للمرة العاشرة.
مين الشخص اللي بعتها؟ وإزاي عرف إننا بندور على يوسف؟ والأهم… هل أخويا فعلًا عايش وبيحاول يوصل لي؟
بصيت للأستاذ فؤاد وقلت:
“إحنا لازم نتحرك دلوقتي. لو أبويا وصل لحسن البدري، يبقى ممكن يكون أخويا في خطر.”
هز راسه وقال:
“أنا معاكِ، بس لازم نتصرف بحذر. مجدي مش شخص سهل، واللي بيحصل أكبر من مجرد خلاف على ميراث.”
اتصلت بزميل قديم ليا اسمه العقيد كريم الشاذلي، كان خدم معايا في إحدى المهام العسكرية، وبعد ما سمع التفاصيل، طلب مني أحتفظ بكل الرسائل والمستندات من غير ما أحاول أواجه أي حد بنفسي.
بعد أقل من ساعة، كنا في طريقنا للقاهرة.




